العقول الخفية.. تاريخ اللاوعي

حفظ

كامبردج بوك ريفيو
يعتبر علم النفس المادة الأكثر شعبية بين الباحثين والمتخصصين في معظم جامعات العالم. أما خارج الجامعات, فإن الاهتمام بهذا العلم الذي يفوق غيره من العلوم الطبية يزداد رواجاً بين أوساط القراء غير المتخصصين وحضوراً في المكتبات والبرامج التلفزيونية.

ويرجع البعض هذا الاهتمام إلى طبيعة العضو المعني: إذ ما من شك في أن الكل يرغب في معرفة الكيفية التي يعمل بها الدماغ واكتشاف الطريقة التي تتكون بها الشخصية الإنسانية. لكن السبب وراء الشعبية الواسعة التي يتمتع بها علم النفس حالياً تعود, أيضاً, إلى المرحلة التي بلغها هذا العلم. فعلماء النفس اليوم باتوا يعرفون الكثير عن دماغ الإنسان بعد أن حقق علم النفس خلال السنوات الخمسين الماضية تحولات مهمة في الطريقة التي تقود إلى فهم هذا العضو المهم.


undefined-اسم الكتاب: العقول الخفية.. تاريخ اللاوعي
–المؤلف: فرانك تاليس
-عدد الصفحات: 204
-الطبعة:
الأولى 2002
الناشر: بروفايل, لندن

قد يعترض أحدهم بأن علماء النفس لا يعرفون كل شيء عن الدماغ. لكن هذا السبب بالذات قد يكون مصدر الافتتان بذلك المزيج الغريب من النظريات المتعلقة بالطبيعة البشرية والغموض الناشئ عن عدم قطعية أي من تلك النظريات. لهذا الجمهور الواسع, ولهذا التطلع المتلهف يتوجه كتاب فرانك تاليس الجديد الذي نحن بصدده.

وقد أحسن المؤلف صنعاً بصياغة خطابه بأسلوب يرضي الدارس الملم بالموضوع والقارئ العام المهتم به, وبتقديم تاريخ مسهب لعلم النفس يجمع ما بين التأملات المسلية والفرضيات العلمية.

اللاوعي.. نقطة البداية
تعرض مقدمة الكتاب إحاطة عامة بالموضوع اعتباراً من إقرار القديس أوغسطين "ليس بوسعي الإحاطة بكل ما هو أنا" الذي يعتبره المؤلف أول إشارة مدونة إلى مفهوم اللاوعي, ومروراً بفناني العصر الرومانسي الكبار, ووصولاً إلى القرن العشرين الذي شهد ظهور الكثير من الشخصيات البارزة في مجالي علم النفس والتحليل النفسي. يقول تاليس "إننا نحس بحضور اللاوعي مثل شبح غير مرئي, لكنه هناك". إن الربط ما بين اللاوعي والظواهر الخارقة يقدم مقارنة مثيرة: فالاثنان يصعب تعريفهما, والاثنان يغريان الكثيرين بمحاولة الوصول إلى ذلك التعريف.
وغالباً ما تقع تلك المحاولات ضمن واحد من التصنيفين التاليين: فالبعض يرى أن اللاشعور عبارة عن "فطنة خفية مضافة" تقوم بنفس ما يقوم به الوعي, لكنها تنجز ما تقوم به خارج حدود الإدراك. بينما يراه البعض الآخر نوعاً من "خطوط الإنتاج" التي تعمل على نحو ميكانيكي بدون القدرة على اتخاذ قرارات مركبة أو خاضعة للعواطف. على مدى السنوات, تعرّض هذان التفسيران للرواج أو الكساد من آن لآخر, لحين ظهور الرجل الذي تجاوز المنطق الذي ينطلقان منه.

إعلان

ادعى فرويد بكل فخر أنه قد سدد "الضربة الثالثة" للجنس البشري الذي وصفه بأنه نرجسي ومعتد بنفسه، ورأى أن توصله إلى أن مفهوم الإنسان عن الإرادة الحرة والقرار الذاتي ليس سوى أسطورة ترقى إلى مصاف اكتشاف كوبرنيكوس للنظام الشمسي وطرح داروين لنظرية الارتقاء

في كتابه "محاضرات تمهيدية حول التحليل النفسي"، ادعى سيغموند فرويد بكل فخر أنه قد سدد "الضربة الثالثة" للجنس البشري الذي وصفه بأنه نرجسي ومعتد بنفسه، ورأى أن توصله إلى أن مفهوم الإنسان عن الإرادة الحرة والقرار الذاتي ليس سوى أسطورة ترقى إلى مصاف اكتشاف كوبرنيكوس للنظام الشمسي وطرح داروين لنظرية الارتقاء. ورغم أن أفكاره لم تعد تحمل اليوم نفس القوة التي كانت لها في السابق, فإن ما توصل إليه في مجال علم النفس قد أطلق جدلاً غنياً ومعقداً.

إلا أن فرويد, رغم مكانته البارزة, لم يكن الرجل الذي "اخترع" اللاوعي, كما أنه لم يكن الرجل الوحيد الذي سبر أبعاد تأثيراته. يخبرنا الفصل الأول من هذا الكتاب أن أول دراسة عن اللاوعي هي تلك التي قام بها غوتفريد ليبنيتز والتي نشرت عام 1765 بعد وفاته. حملت الدراسة عنوان "مقالات جديدة حول الفهم الإنساني" وكانت الرد النقدي لأعمال الفيلسوف الإنجليزي جون لوك. يقول تاليس "إن العقل, بالنسبة لليبنيتز, كائن شبه معتم". لكن عصر التنوير الذي تميز بعقلانيته, جعل لوك ومعاصريه يصرون على أن يكون كل شيء واضحاً كالبلور. ولهذا لم يحظ ليبنيتز بجمهور متعاطف. ومن حسن الحظ أن الحركة الرومانسية كانت على وشك الظهور عند ظهور "القصائد الغنائية" للشاعرين كولريدج وووردزورث عام 1798.

الفن واللاوعي
بالنسبة للفنانين الرومانسيين "بوعيهم المتزايد بتعقيدات الحياة الفكرية", كانت أهمية اللاوعي للعمل الفني توازي أهمية بقية أدوات الفنان كالقلم أو الإزميل. وقد عمدوا إلى استثارة هذا المصدر عن طريق التأثير الكيمياوي لزهرة الأفيون. وكان لأعمال شهيرة مثل "اعترافات أفيوني إنجليزي" لتوماس دي كوينسي دورها في إيضاح هذه الحقيقة. ويقول كولريدج إن قصيدته "قبلاي خان" قد خطرت في ذهنه أثناء حلم رآه بعد تناوله للأفيون. وإنه كان بسبيل تدوينها كاملة على الورق عندما قاطعه أحد الزوار فبدد بقيتها من ذهنه ولم يتمكن من تدوين بقية الأبيات التي تبخرت مع الحلم الأفيوني. وهكذا عرف العالم بوجود انقسام داخل العقل كشف عنه ذلك العقار الذي أتاح لمستخدميه الانتقال من قسم إلى آخر. ويقول تاليس إن اللاوعي كان في تلك المرحلة نوعاً من المفهوم الغامض عن "سندان خفي تتشكل عليه على نحو خفي نتاجات المخيلة لتظهر إلى الوجود على شكل أعمال فنية".

ظل هذا الربط بين النشاط الفني والعقل اللاواعي قائما إلى مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر. ويظهر الفصل الثاني من الكتاب أثر أنتون ميسمير في ترسيخ هذا الاعتقاد. ويكفي لإظهار أهمية ميسمير أن نشير إلى أن كلمة "ميسميريزم" التي تعني "التنويم المغناطيسي" باللغة الإنجليزية مشتقة من اسمه. أنتج أدباء كبار مثل تشارلز ديكنز وروبرت براوننغ أعمالاً ذات صلة ببحوث ميسمير, في الوقت الذي حفظ السجل الأدبي له مكانة خالدة. اعتقد ميسمير أنه يملك قدرة مغناطيسية على شفاء المرضى, لكن ما أنجزه فعلاً في مجال الطب كان اكتشافه للتنويم المغناطيسي. أصر ميسمير على أن الغيبوبة التي يتعرض لها الشخص المنوم مغناطيسياً ليست سوى عارض جانبي لطريقته في المعالجة, لكن فرنسياً يدعى بويسيغور استطاع أن يضع يده على الفوائد التي تحققها تلك الغيبوبة, فشرع باستخدام هذه الوسيلة لتحقيق أغراض عدة بضمنها الإيحاء الذي يلي التنويم وهو الأساس الذي يعتمد عليه معظم الاستعراضيين الذين يمارسون التنويم المغناطيسي على المسرح. اعتباراً من عام 1829 استخدم التنويم المغناطيسي في الجراحة نظراً لخاصيته التخديرية.

إعلان

بدأت الحقائق العلمية المتوالية تؤكد ما عرفته الأوساط الفنية من التهويمات الأفيونية. وأخذ مفهوم اللاوعي, بالأشكال المختلفة التي عرف بها آنذاك, بالتحول إلى "أداة للتوضيح". راج في تلك الفترة تشبيه الدماغ بفرقة الأوركسترا, وأصبح من المقبول الاعتقاد بأن بعض الأقسام يمكن أن تعزف بشكل مستقل عن قائد الأوركسترا, وأن تنجح أحياناً في طمس تأثيره بالكامل. وجاء ظهور رواية "الدكتور جيكل والمستر هايد" لروبرت لويس ستيفنسون ليكون بمثابة التنبؤ بما سيقع في هذا المجال من كشف وشيك.

في هذه الفصول الأولى من كتابه, اهتم المؤلف بالكيفية التي أثرت فيها تلك الاكتشافات العلمية الابتدائية (والتي كان البعض منها دقيقاً إلى درجة تثير الدهشة) على الأجواء الاجتماعية والثقافية التي تكتنف الموضوع. عند التصدي لهذه الأجواء لا تبدو الاستجابات الفنية أقل أهمية من الدراسات المتزمتة.

جاءت الخطوات الحقيقية الأولى باتجاه تقديم التفسيرات العلمية من جانب شخص متوارٍ عن الأضواء, بعيد عن المسرح, يقوم بتدريس الفلسفة في مدينة "لاهافر" يدعى "بيير جانيه". تحت إشراف الطبيب الشهير شاركو, أجرى جانيه بحوثاً في مستشفى "سالبيترييه" في باريس تضمنت دراسة حالة عدد من المرضى الذين يعانون من اختلالات عقلية وأسفرت عن أحداث اختراق في فهم العالم للطريقة التي يستجيب بها الدماغ الإنساني للصدمات. يمتنع تاليس عن الخوض في تفاصيل تلك الحالات المرضية ويكتفي بالإشارة إليها بإيجاز بليغ. أظهرت اكتشافات جانيه وطريقته في المعالجة التي طورها بعد توصله لتلك الاكتشافات أن الكثير من الاختلالات العقلية المحيرة سببها قيام العقل بإعادة تمثيل الأحداث المؤلمة التي مر بها. بل إنه شخص حالة مبكرة مما صار يعرف اليوم بالاختلال الاكتئابي الناشئ عن الصدمة. وجد جانيه أن إعادة المريض إلى لحظة الصدمة, وتمكينه من استعادة السيطرة على عملية التذكر تقود إلى تخفيف الأعراض على نحو درامي. وهكذا ولد ما يعرف اليوم بـ "المعالجة بالمحادثة".

فرويد.. الأيقونة
إن وصف فرويد بالأيقونة, كما يأتي في الكتاب, ليس مبالغة من جانب المؤلف. عندما أكد فرويد في أطروحته "تفسير الأحلام" على أن اللاوعي هو "القوة النفسانية الحقيقية" فإنه قد قصد بذلك أن يحفر لنفسه موقعاً بارزاً في التاريخ الأكاديمي. تعمد فرويد أن يكون مثيراً للجدل, وقد كسب الرهان بكل هذا العدد الهائل من الأتباع والمعارضين على امتداد العالم. ربما تعرضت اكتشافاته إلى الجدل الساخن من قبل البعض, أو إلى التقليل من قيمتها على يد البعض الآخر, لكن الفضل يعود إلى فرويد في تثبيت موضوع اللاوعي على اللائحة العلمية وتأطيره بعلامة بارزة على نحو راسخ ونهائي. لم يعد حضور اللاوعي على طاولة البحث العلمي موضع نقاش من أي نوع, لكن المؤلف يشير إلى أن اللاوعي قد أصبح اليوم نوعاً من "الجيب الفكري الثانوي". فاحتمالات التوصل إلى ما تسعى عقولنا إلى حجبه عنا كانت وماتزال محاولات مثبطة للهمة.

بعد فرويد جاء يونغ الذي أعادت أفكاره عن اللاوعي الجمعي الحياة إلى نظريات الرومانسيين مع اختلاف السند العلمي. كما قال يونغ بوجود نماذج نمطية, وهي الصور الشائعة التي يعرفها الجميع (مثل العجوز الحكيم) التي تحمل معنى محدداً عند ظهورها في الحلم. إلا إن الأمر المحير في حالة يونغ يتعلق بالدرجة التي أثر بها مرضه هو شخصياً على عمله.

إن عدد الأطباء النفسانيين الذين لم يكونوا في حالة عقلية مستقرة كبير جداً. ففي الوقت الذي كانت شطحات كولريدج والآثار الجانبية التي تعرض لها أمراً من صنع يديه, فإن ميسمير أخذ يتصرف بغرابة شديدة عند تقدمه في السن, واستخدم جانيه عمله كوسيلة للتنفيس عن الاكتئاب الذي عانى منه في مراهقته. ويلاحظ تاليس وجود ميل إلى الإفصاح عن الذات لدى الأشخاص الذين يتناولهم كتابه. يمكن اعتبار الفحوص الذاتية التي كان فرويد يجريها لنفسه نوعاً من الاعتداد بالذات إلى جانب كونها منطلقة من نوايا سليمة. لكن عدم الاستقرار العقلي الذي عانى منه يونغ دفعه إلى التنحي جانباً وترك العنان للاوعيه ليفعل ما يشاء. لقد كانت -بالتأكيد- تجربة غريبة قادته إلى عدد من الشطحات داخل مخيلته التي كانت بدرجة من الصفاء تذكر بشطحات كولريدج وزملائه من متعاطي الأفيون. كان من حسنات تلك الشطحات الأثر الذي حققته في معالجة عقل يونغ المريض وتحقيق الشفاء له في الوقت الذي عملت فيه أيضاً على دفع ذلك العالم النفساني الكبير إلى الإيمان بأهمية اللاوعي بالنسبة لحالة المرء العقلية.

إعلان

كتاب تاليس هذا محبوك على نحو محكم وذكي. وخطواته مضبوطة على إيقاع يتيح للقارئ اللحاق بالموضوع والاحتفاظ بعنصر الإثارة في الوقت نفسه, مع الإبقاء على قسط من البساطة يكفي لتوضيح بعض القضايا المعقدة التي يتصدى لها. ويلتزم الكتاب بالتسلسل الزمني لمسيرة اللاوعي لكن ذلك لا يمنع المؤلف من الخروج عن ذلك السياق لإيراد مقارنة مفيدة حيثما اقتضى الأمر.

وهو ينجح بشكل خاص في دمج الجانب المعرفي والمعلوماتي في بنية إسلوبية تخفف من وقعه وتعرض أبعاده المختلفة دون تمييعه أو التقليل من قيمته, وهو الإنجاز الذي يجعل من كتاب "العقول الخفية" مادة شيقة للقراءة. وهو إنجاز ليس بالهين عند الأخذ بنظر الاعتبار سهولة الانجراف نحو المواضع التي يمكن للطرح فيها أن يلتف ويتداخل حول بعض النقاط الخلافية التفصيلية.

وما دام القارئ بصحبة تاليس فهو لا يشعر بأنه غريب عن الموضوع الذي يقدم له, أو أنه أمام حقل شائك من حقول العلوم الطبية التي لا ينبغي للقارئ أن يتطلع إلى ما هو أبعد من تناول بعض ما يظهر على السطح من ثمارها. إنما نجد المؤلف يسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة مع القارئ يقدم له عندها علم النفس من زاوية علاقته بالأشخاص المصابين وليس من زاوية الأطباء والباحثين في المختبرات الطبية. ونراه يعزز هذا الطرح حتى عندما يتناول علماء النفس الذين يشملهم بحثه فيتوقف طويلاً عند الجوانب المتعلقة بحياتهم الشخصية.


نخضع للأوامر الصادرة من مناطق تقع تحت حدود الوعي, ونطيع تلك الأوامر على نحو أوتوماتيكي

نتائج متفائلة
النتائج التي يتوصل إليها المؤلف يمكن أن تعتبر متشائمة. يشير تاليس إلى أننا "نخضع للأوامر الصادرة من مناطق تقع تحت حدود الوعي, وأننا نطيع تلك الأوامر على نحو أوتوماتيكي" ونحن في نظره "مخلوقات لا تعيش في النور, بل تسيّر في الظلام".

والمؤلف, بعد أن حافظ على توازن الطرح وابتعد به عن الانحياز, يسعى في نهاية الكتاب إلى تقديم آرائه الخاصة, وهي آراء تثير الاهتمام من حيث كونها تطرح سيناريو لم تلتفت إليه سوى قلة من الأشخاص. ذلك هو السيناريو الذي يتعلق بانكشاف أكذوبة مفهوم الإرادة الحرة التي تقود البحوث الدائرة حول اللاوعي إلى الاستنتاج بأنها غير موجودة.

المصدر: غير معروف
شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان