أن نتحرر من الانتظار

BLOGS تفكير

لقد احتل الانتظار جزء كبيرا من تجربتنا الوجودية، حتى اعتدنا عليه، وصار علينا أن نتحمله رغم ما ينطوي عليه من يأس محكوم بالخيبة، لأننا بقدر ما ننتظر نُحمّل أنفسنا ضريبة الوجود المحتمل، فنحن متعودون على الانتظار؛ انتظار ما سيأتي وما قد لا يأتي، وانتظار المجهول، إلى أن صار المعلوم مجهولا من كثرة انتظارنا له، لتتمكن منا الخيبة بعد طول انتظار، والتي لا نجد حيالها إلا فقدان الأمل في الانتظارات المقبلة، ومن كثرة ما طالت انتظاراتنا، لم نعد قادرين على تحملها، ولم يعد بوسعنا أن نقف مكتوفي الأيدي في لحظات الانتظار.

 

ننتظر أن تتغير أوضاعنا، وأن يصير مستقبلنا كما نتوقعه، وأن تتحقق أمنياتنا، لكن الانتظار الذي يطول يدفعنا إلى اليأس، فنتقبل واقعنا، ونكتفي بحقيقتنا الموجعة، ونؤجل موعدنا مع الانتظار، لأننا فقدنا الأمل فيما يمكن أن ننتظر من أجله، فقدنا الأمل في مستقبل لن يحمل لنا إلا المزيد من الخيبات، ولما كان الحال كذلك، صرنا غير منتشين بلهفة الانتظار، وبتنا نكتفي بما نحن فيه، ونعيش بعيدا عن انتظارات تقتل فينا لحظاتنا الحاضرة، والتي كان مفترضا أن نعيشها بكل ما فيها من مآسي وأحزان، وأن نبحث فيها عن أفراح تغنينا عن انتظار مجهول لن يغير شيئا مما نحن فيه.

   

الانتظار لعبة لعينة، تجعلنا محملين بأمل يأكل فينا ما تبقى من تفاؤلنا، ويدفعنا إلى التماطل في بلوغ ما نريده بكل مجهود، ودون أن ننتظر أن يتحقق ذلك بفعل المزيد من الانتظار والمزيد من الأمل، لم يكن الأمل يوما قادرا على تغيير ما لم نقم بتغييره، ولم يساعدنا الانتظار إلا في فقدان المزيد من الوقت، لأننا بقدر ما نستسلم للانتظار، بقدر ما نتماطل في تحقيق ما نشتهي، فننتظر أن يقدم لنا الانتظار بديلا، وأن يسعفنا في الوصول إلى ما ننتظره، لم يكن كذلك ولن يكون، لذلك لا ينبغي أن يأخذ الانتظار جزءا كبيرا من وقتنا، لأنه على ما يبدو ليس هناك ما يستحق الانتظار.

 

أن ننتظر واقعا أجمل، وأن نامل في حياة أفضل، وأن ننتظر أشخاصا رائعين، وأن ننتظر أن تسمح لنا الظروف بأن نعيش ما نشتهي، فكل ذلك لن يدفعنا إلا إلى مزيد من الخيبات
إعلان

لعل الانتظار يُحمّلنا ما لا طاقة لنا به، ويقتل فينا ما تبقى من التفاؤل بمزيد من الانتظار، فنلجأ إلى حرمان أنفسنا مما يستحق أن نعيشه، في مقابل انتظار مجهول قد لا يأتي، وإن آتى فقد يكون أسوأ مما توقعناه، لأننا لا نملك أية ضمانات على أنه قد يأتي، في غياب كل ذلك، تعودنا على الانتظار، ولعله الأمل الذي جعلنا نعتقد أننا نحتاج إلى المزيد من الانتظار، وما هذا الانتظار إلا شيء يمكن أن يدفعنا لكي نتلذذ بما ننتظره، فبقدر ما يطول الانتظار، نصير متشوقين أكثر لكي نلوذ بما ننتظره، لكننا مع الأسف نصاب بالخيبة في الغالب، فلم يعد هذا الانتظار مثيرا للانتظار.

 

هل يعقل أن يصير الانتظار جزء من تجربتنا الوجودية؟ ما الذي يمكن أن نجنيه من كل انتظاراتنا الفاقدة للمعنى في حقيقتها؟ لقد انتظرنا بما يكفي، دون أن نحقق شيئا مما كنا ننتظره، لم يتحقق ذلك، لأن الانتظار لا يشفي غليل انتظاراتنا، بل إنه يؤجل موعدنا مع تحقيق ما نريد، لنكتفي بدل ذلك بانتظار مليء بالأوجاع، انتظرنا العديد من الأشخاص، فلم يأتوا، انتظرنا العديد من الأحلام فلم تتحقق، انتظرنا العديد من الوقائع والأحداث، فلم يحدث شيئا مما توقعناه، فصار الانتظار غير ذي جدوى، ولم نجد في ظل كل ذلك إلا أن نُنهي علاقتنا مع الانتظار.

 

الانتظار مؤلم، هكذا وصفه البعض، ولعلهم صادقين في هذا الوصف، لأن الانتظار يؤلمنا فعلا، ويجعلنا نتوقف عن فعل ما يجب فعله بدل هذا الانتظار الذي يثير السخرية لو تمكنا من اكتشاف حقيقة ما ننتظره، لا ينبغي أن نتشبت بالانتظار، بينما نحن قادرون بكل ما نملك من إرادة أن نحقق ما نريد، دون الاكتفاء بانتظار يحبط من عزائمنا، ويفشل من قوتنا، والانتظار لا يسعفنا إلا بالمزيد من الخيبات، لأنه لا يملك مما نريد غير مجهول لن يغني شيئا مما ينقصنا.

 

أن ننتظر واقعا أجمل، وأن نامل في حياة أفضل، وأن ننتظر أشخاصا رائعين، وأن ننتظر أن تسمح لنا الظروف بأن نعيش ما نشتهي، فكل ذلك لن يدفعنا إلا إلى مزيد من الخيبات، لأن هذا الانتظار لن يشفي غليل ما نسعى إليه، كما أنه لن يمدنا بما يمكن أن نستمتع به كلما طال الانتظار، كلما طال الانتظار نفقد القدرة على الشغف، تقل حدة شغفنا بما ننتظره، لا يصير لدينا ما يكفي من الشغف لكي نستقبل ما ننتظره، لقد ماتت فينا لهفة الانتظار، لأن الانتظار يجعلنا واقفين على الأطلال، فلا يغير ذلك مما نريد، غير أننا نُضيّع علينا، تبعا لذلك، المزيد من الوقت والمزيد من الحياة، ولذلك لا ينبغي أن نجعل الانتظار يأخذ من حياتنا أكثر مما يستحق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان