صحف ألمانية: لا تنخدعوا بشجار الرئيس والمستشار.. فلكلٍّ أجندته الخاصة

كل شيء غير مألوف في الشجار الدائر منذ أيام بين الرئيس الأمريكي والمستشار الألماني، اللهجة المستخدمة غير مألوفة، والخلافات بين الطرفين في حد ذاتها غير مألوفة لأن تشابك العلاقات بين برلين وواشنطن يُعد الأقوى بين ضفتي الأطلسي (باستثناء بريطانيا).
فالطرفان يدركان أن الدخول في شجار علني سيلحق الضرر لا محالة بالعلاقة بين أقوى دولة في حلف شمال الأطلسي والدولة التي لها أكبر اقتصاد في أوروبا ولديها الرصيد البشري الأكبر في الاتحاد الأوروبي (83 مليون نسمة) وموقعًا جيوسياسيًا لا غنى عنه عندما يدور الكلام عن الحرب والسلم في أوروبا.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsكما أن المخاطرة بمصير أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج الولايات المتحدة (قاعدة رامشتاين بجنوب غرب ألمانيا) أيضًا أمر غير مألوف، وتحفظ الإعلام الألماني على هذا الشجار غير مألوف.
فبينما تختفي مقالات الرأي حول التلاسن العلني من معظم الصحف الألمانية الكبيرة تقريبًا، تكتفي صحف أخرى بنشر تقارير خبرية تعتمد بشكل أساسي على وكالات الأنباء.

كلاهما ضعيف
إحدى الصحف الألمانية التي قررت التعليق على هذا الشجار هي الصحيفة الاقتصادية (هاندلسبلات) ذات التوجه الليبرالي التي كتبت "في الجوهر، الرجلان في وضع مشابه، ترمب ضعيف لأن الجمهوريين قد يخسرون الكونغرس في الخريف المقبل وتأثيره على القرار المتعلق بالمرشح الرئاسي القادم للولايات المتحدة يتراجع".
كما أن ميرتس حسب الصحيفة ليس في وضع أفضل، فهو يترأس ائتلافًا مثقلًا بالنزاعات قد يسقط قبل الخريف وحزب "البديل" اليميني الشعبوي يقترب في استطلاعات الرأي من نسبة 30 في المئة.
وتعزو الصحيفة هذا الشجار العلني بالقول إن ميرتس يسير الآن مع التيار السائد في أوروبا، فبعد مرحلة من المهادنة ومحاولة رأب الصدع من خلال اتفاقيات تجارية وقمم بشأن أوكرانيا وصفقات التسلح، أصبح انتقاد ترمب أكثر رواجًا من أي وقت مضى، لأن العواقب الاقتصادية لحرب إيران قد تتجاوز، على المدى المتوسط، عواقب جائحة كورونا وحرب أوكرانيا.
الحاجة المتبادلة
ومع ذلك ترى الصحيفة أنه من غير المرجح أن تحدث قطيعة حقيقية بين الرجلين وأكثر شيء يمكن أن يحدث هو ربما تصبح المكالمات الهاتفية الأسبوعية بينهما أقل، لكن "علينا أن نثبت أن الولايات المتحدة تحتاج لنا ونحن نحتاج لها ولكن بدرجة أقل".
وتلفت الصحيفة النظر إلى قاعدة (رامشتاين) بالقول إن انقطاع الاتصال بين الطرفين سيكون مزعجًا جدًا لقاعدة بهذه الأهمية العسكرية الكبيرة، وعلاوة على ذلك، يجد ترمب دائمًا الذرائع عندما يريد التشكيك في العلاقات عبر الأطلسي واستفزاز صغير من ميرتس لن يغير شيئًا.
وتختم بالقول إن أكثر شيء قد يحدث هو خروج ميرتس من لائحة "الجيدين" التي وضعها ترمب لتقييم زعماء العالم.

في خانة "الجاحدين"
الصحيفة اليسارية (زود دويتشه) لم تشخصن الخلاف كما فعلت (هاندلسبلات) بل رأت فيه خطرًا على حلف شمال الأطلسي في هذه الأوقات المضطربة.
وقالت الصحيفة إن سمة مشتركة تجمع ميرتس بترمب وهي أن أفكار الرجلين لا تخضع دائمًا للتمحيص قبل التحول إلى تصريحات أو تغريدات.
وتضيف أن هذه "الصراحة" قربت في البداية بينهما لأن المستشار الألماني كان يسعى إلى تحقيق هدفين، الأول ترسيخ أجواء من الثقة في علاقته بترمب حتى لو تطلب الأمر قدرًا زائدًا من المجاملة، والثاني الحفاظ قدر الإمكان على تماسك حلف شمال الأطلسي.
وميرتس يبدو وكأنه يتباهى بأن شخصيته تفرض عليه قول ما يراه صحيحًا حتى لو أثار بذلك الرأي العام، غير أن هذا الأسلوب لا يبدو حكيمًا عند التعامل مع رئيس "نرجسي" تعتمد ألمانيا على دعم بلاده لها بشكل كبير.

أما ترمب -تضيف (زود دويتشه)- فيتعامل مع ميرتس كما يتعامل مع غيره، أي يكون وديًا ما دام الطرف الآخر مفيدًا، والآن ينضم ميرتس إلى لائحة قادة آخرين مثل إيمانويل ماكرون وكير ستارمر.
لكن ترمب لا يكتفي بالرد اللفظي، بل يميل أكثر إلى معاقبة "غير الأوفياء" و"الجاحدين"، ففي السابق كان يلوح بفرض رسوم جمركية، أما الآن فيهدد بسحب القوات الأمريكية من أوروبا أو حتى بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي.
وترى الصحيفة أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على ترمب الذي يميل إلى معاملة الحلفاء كتابعين له ويبحث باستمرار عن أدلة تدعم شكوكه بأن الأوروبيين يستفيدون من العلاقة مع بلاده دون مقابل.
لكن من الواضح أيضًا أن حرب إيران قلصت استعداد الأوروبيين ومن بينهم ميرتس لضبط خطابهم. ونتيجة لهذا السجال قد تتعرض الشراكة عبر الأطلسي لضرر كبير بسبب تصريحات غير منضبطة يتحمل الطرفان مسؤوليتها حسب الصحيفة.
أما الصحيفة المحافظة (فرانكفورتر ألغمانينه) فترى أنه مهما كانت أسباب هذا التصعيد الكلامي يجب على الطرفين التحلي بالواقعية وعدم تجميل الصورة لأن "العلاقات عبر الأطلسي تشهد تغيرًا جذريًا وأبعد من أي وقت مضى من الشراكة التي يتشدق بها ميرتس".