"أزمان الكاريزما".. سطوة الزعماء الأتراك تحت مجهر علم الاجتماع

حفظ

ياسين اقطاي يتحدث خلال حفل توقيع كتبه بالعربية
ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي ونائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية يتحدث خلال حفل توقيع كتبه بالعربية (الجزيرة)

خليل مبروك-إسطنبول

يسلط كتاب "أزمان الكاريزما من منظور علم الاجتماع السياسي" الضوء على المزايا القيادية لعدد من الزعماء الأتراك الذين عايشوا مراحل الانتقال بين فترات الحكم الديكتاتوري والجمهورية الديمقراطية في تركيا، عبر معالجات نقدية ملفتة للواقعين السياسي والاجتماعي.

ويقدم مؤلف الكتاب ياسين أقطاي -وهو نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية التركي- في كتابه قراءة لكاريزما الدولة التركية منذ تسعينيات القرن الماضي، حين تعرضت حكومة نجم الدين أربكان -الذي كان يقود حزب الرفاه- لانقلاب الجيش.

ويسند أقطاي الإطار النظري لكتابه إلى أفكار المنظر الكبير لعلم الاجتماع الحديث الألماني ماكس فيبر، الذي يستخدم مفهوم "سلطة الكاريزما" لسببين أساسيين: أولهما الدراسات العلمية التاريخية المرتبطة بهذا المجال، وثانيهما سيطرة القائد الكاريزمي كشكل من أشكال منح السلطة في علم الاجتماع.

ويعتبر فيبر "السلطة الكاريزمية" مفهوما للقيادة التي تُستمد فيه السلطة من جاذبية القائد، ويتناقض هذا المفهوم للسلطة مع الأنواع الأخرى للسلطة القانونية والتقليدية، حسب تصنيف فيبر الثلاثي لأنواع السلطة.

مركزية القيادة
ويرى الكتاب أن تركيز علم الاجتماع على كاريزما القائد يرجع لأهمية دور القيادة الجيدة في صنع التغيير الاجتماعي، وكونها حركة تحول فعالة في انتقال المجتمعات من حالة إلى أخرى.

ويعتقد أقطاي أن التماسك والنجاح هما أهم مصادر الكاريزما التي تمنح الأوساط السياسية المعاصرة مقدارا هائلا من الطاقة اللامنتهية، كما يشير إلى أن نجاح الحزب أو القائد في التغلب على الأزمات من أهم العناصر التي تثري تلك الكاريزما.

إلى جانب كتاب
إلى جانب كتاب "أزمان الكاريزما" أشهر أقطاي أربعة كتب أخرى وتُرجمت إلى العربية (الجزيرة)

ويقول أقطاي إن ترجمة كتابه للغة العربية يستهدف الوصول إلى الجمهور العربي للتعرف على الفكر التركي، والاحتكاك به عن كثب، مشيرا إلى أن الكتب والمؤلفات العربية وصلت القراء الأتراك، لكن التبادل لم يكتمل بعدُ بالاتجاه الآخر من الأتراك إلى العرب.

إعلان

وتركّز محاور الكتاب وفصوله على بُعد الشخصية الكاريزمية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، باعتباره عنوانا لعودة الحياة الديمقراطية إلى تركيا عقب عصر الانقلابات العسكرية.

ويتعقب الكتاب كثيرا من المواقف التي يرى أقطاي أنها أسهمت في صناعة الكاريزما العليا للرئيس رجب طيب أردوغان منذ خرج من سقف الحكم المحلي إلى سدة حكم تركيا عام 2002، وفي مقدمتها وقوفه الصارم في مواجهة الانقلابيين، وموقفه الشهير مع الرئيس الإسرائيلي الراحل شيمون بيريس في قمة دافوس، الذي عُرف في تركيا بقضية "ون مينيت"، ونجاحه في العبور بالبلاد إلى تعديل الدستور باستفتاء عام. 

النظرية والنموذج
ويقع كتاب "أزمان الكاريزما" في 399 صفحة من القطع المتوسط، وهو من إصدار دار نشر تركية تسمى "آكيول"، وترجمه للعربية محمد صدِّيق يلدريم.

ويحتوي الكتاب على خمسة فصول؛ أول فصلين منها يتناولان الإطار التعريفي النظري لمفهوم علم اجتماع الكاريزما، وعلاقته بعلمي الاجتماع التحفيزي والتحضيري، وأبرز أعلامه ومنظريه، وتحولاته في تركيا وفي الشرق الأوسط.

أما الفصل الثالث، وهو تحت عنوان "انقلابات لاكاريزماتية"، فيقدم فيه أقطاي وجبة معلومات تفصيلية دسمة عن خفايا عصر الانقلابات الذي تكمن أهمية الإضاءة عليه في حقيقة أن تركيا كانت أكثر غموضا أمام القارئ العربي في ذلك الوقت مما هي عليه الآن.

ويناقش الكتاب في فصله الرابع دور الكاريزما في مسار حكم حزب العدالة والتنمية، عبر الإضاءة على كثير من القضايا، ومن بينها هوية الحزب وموقعه بين المفهومين الديمقراطي والإسلامي، وانتقال الفكر الوطني من الأطراف إلى المركز، وعلاقته بأحزاب اليمين الأوروبية وأحزاب الإسلام السياسي وغيرها من الكيانات. 

وفي الفصل الأخير، يقدم الكتاب نماذج عملية من بيئة الحكم السياسي التركية، مركزا على تقلبات عهد الدولة في عهد الرئيس السابق عبد الله غل.

جانب من حفل توقيع خمسة كتب أصدرها ياسين أقطاي وتُرجمت إلى العربية في إسطنبول (الجزيرة)
جانب من حفل توقيع خمسة كتب أصدرها ياسين أقطاي وتُرجمت إلى العربية في إسطنبول (الجزيرة)

الفرصة والتحدي
وأطلق أقطاي رسميا كتاب "أزمان الكاريزما" في مدينة إسطنبول التركية يوم الجمعة، في حفل كبير أقامته قناة "مكملين" الفضائية، وحضره عشرات الشخصيات السياسية والفكرية والإعلامية العربية والتركية، وبحضور كبير من وسائل الإعلام.

من جانبه، اعتبر أستاذ العلوم السياسية سيف عبد الفتاح كتاب "أزمان الكاريزما" رؤيةً علمية وثقافية تستحق التحليل بتمعن، مشددا على ضرورة النظر إلى مفهوم الكاريزما كفرصة وحل، والكاريزما كأزمة وخطر معا.

وأوضح الكاتب والباحث الأكاديمي المصري أن الكاريزما قد تنجح في ملء الفراغ، لكنها في الجانب الآخر تترك خلفها الفراغ، داعيا إلى تركيز الكاريزما في المؤسسة والسياسات بدل الرموز والشخصيات، معتبرا أن في ذلك حياة الكاريزما واستمرارها. 

مجموعة كتب
وإلى جانب "أزمان الكاريزما"، أشهر أقطاي أربعة كتب أخرى قام بتقديمها الإعلامي المصري محمد ناصر للحضور في حفل الإشهار.

أول الكتب هو "تاجر الدين.. نموذج في استغلال الدين لأغراض سياسية"، الذي يتناول تجربة تنظيم جماعة "الخدمة" التابع لفتح الله غولن، الذي صُنف تنظيما إرهابيا في تركيا، وتمت ملاحقته بتهمة تنفيذ محاولة الانقلاب الفاشل في 15 يوليو/تموز 2016.

إعلان

أما الكتاب الثاني فحمل عنوان "سيد قطب بين غلو محبيه وظلم ناقديه"، الذي درس أهم الملامح في فكر القائد الراحل في جماعة الإخوان المسلمين، وحاول الإجابة عن تساؤلات حول قضايا مستجدة، وعن الكيفية التي كان سيتعامل معها قطب لو كان حيًّا عند وقوعها.

وأسهب أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمد بن خليفة في قطر محمد المختار الشنقيطي في تبيان مرامي الكتاب الثالث "فك الاشتباك.. عالمية الإسلام ومصادر العلمنة"، في حين تكفل الإعلامي المصري محمد ناصر بتلخيص رابع الكتب، وهو بعنوان "أرض الكنانة.. الثورة والثورة والمضادة".

المصدر: الجزيرة
شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان