عاشق بيروت.. الموت يغيب الفنان التشكيلي أمين الباشا

حفظ

أمين الباشا
كانت بيروت هي الشغف والإلهام الأكبر للفنان اللبناني الراحل أمين الباشا (مواقع التواصل)

سارة عابدين

رحل عن عالمنا مساء الاثنين الماضي، الموافق 4 فبراير/شباط الجاري، الفنان التشكيلي اللبناني أمين الباشا عن عمر يناهز 87 عاما، بعد رحلة طويلة وتجارب متنوعة في الفن التشكيلي.

مسيرة فنان
ولد أمين الباشا في بيروت، ودرس الفنون في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة بألبا في المدة بين 1954 و1957، وأكمل دراسته بعد ذلك في فرنسا، وشارك في العديد من المعارض الجماعية، أهمها بينالي باريس (1959) وبينالي الإسكندرية (1962) ومعارض بمتحف الفن الحديث بباريس، بالإضافة إلى العديد من المعارض الفردية بفرنسا وبيروت وإسبانيا والأردن.

تأثر الباشا في بداية حياته الفنية بمعلمه الهنغاري الذي درسه بأكاديمية الفنون بألبا، وبعد ذلك تعرف على فناني أوروبا، وكان تأثره الأكبر بالفنان الألماني بول كلي والفنان الفرنسي بول سيزان، خاصة بعد أن سافر إلى باريس، حيث تعرف من خلال متاحفها على الفنون المختلفة والحضارات المتنوعة، وأيقن أن الرسم هو اختياره الأهم في الحياة، وطريقته الأثيرة في التعبير.

فاز الباشا بالعديد من الجوائز طوال مسيرته الفنية، منها جائزة السفارة الفرنسية بصالون الخريف في بيروت عام 1958، وجائزة وزارة التربية الوطنية اللبنانية عام 1959، والميدالية الذهبية لجائزة روما عام 1976، وقضى حياته متنقلا بين بيروت وفرنسا، كما أنه قضى وقتا طويلا بإسبانيا، وله مقتنيات في متاحف إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبعض الدول العربية، والعديد من المجموعات الخاصة.

بيروت في لوحات الباشا
تمتاز رحلة أمين الباشا الفنية بالتنوع والثراء، والتجريب الغني للعديد من الخامات والطرق الفنية، بالإضافة إلى تنوع الموضوعات التي تناولها، منها المناظر الطبيعية واللوحات التجريدية والموضوعات الخيالية، وثيمة العشاء الأخير التي تناولها الباشا برؤية شخصية، لكن تبقى بيروت هي الشغف والإلهام الأكبر له.

إعلان

وثق الباشا لبيروت بصريا، وثق لشوارعها وأضوائها وبحرها وسكانها، وكان لمقاهي بيروت وجود كبير في لوحاته، حيث كان يجلس على مقهى "القزاز" ومقهى "ويليامس" ومقهى "فلسطين" ليرسم الأجواء والمارة واللحظات المضيئة في نهارات بيروت الملونة، كما كان يسميها.

نظرة على أعمال أمين الباشا
لم يغلق أمين الباشا على نفسه باب مرسمه، لكنه انطلق ليحمل ألوانه ولوحاته معه إلى الخارج، وفي الوقت نفسه لم يصور المشاهد الخارجية كما يراها تماما، ولكنه اختار من المشاهد المختلفة ما يمكن أن يثيره في كل منها، ليضعه في النهاية ضمن رؤية مشهدية وشخصية تحمل طابعه الفني والإنساني.

بعد أن رسم مشاهد من بيروت، انتقل الباشا في أواخر الستينيات إلى التجريد، أو التعبير اللوني فقط عن المناظر الطبيعية والحياتية اليومية، كما تظهر له من شرفة مرسمه الخاص في باريس، وفي هذه المرحلة يظهر بوضوح تأثير بول كلي وكاندنسكي على التكوينات الهندسية والتركيبات اللونية في اللوحات، حيث ظهرت لوحاته بشكل رقيق وعميق في آن واحد.

ما بين عامي 1994 و1996 رصد الباشا في لوحاته تداعيات الحرب التي كانت دائرة في لبنان في ذلك الوقت من خلال تسجيله المشاهد الداخلية لكنيسة القديس غاورغيوس الأثرية في بيروت بعد تدميرها، جاءت اللوحات بخامات مختلفة، مثل الألوان الزيتية والمائيات وتخطيطات الأحبار، التي يندمج فيها التسطيح الخاص بالفن الكنسي البيزنطي، مع التكوينات الخاصة بعصر النهضة، لتضفي في النهاية سمات القدسية والروحانية على أعمال تلك المرحلة الفنية المهمة في حياة الباشا.

الموسيقى والأدب.. وجه الباشا الآخر
لم يكن الفن التشكيلي الخيار الإبداعي الأول لأمين الباشا، بل درس الموسيقى في بداية الأمر، لكنه لم يتواءم مع طريقة أستاذ مادة الموسيقى في التدريس، بالإضافة إلى أنه منذ مراهقته الأولى يعد نفسه ككاتب، ويرافقه دائما دفتر يسجل فيه يومياته وملاحظاته ورسومه، وكان له العديد من الأصدقاء الكتاب من مؤسسي مجلة "أدب" ومجلة "شعر" مثل يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس.

لم يتوقف الأمر على علاقته الخارجية بالكتابة والكُتاب، لكنه أنتج إنتاجا أدبيا يتمثل في ثلاثة كتب هي "دقات الساعة" و"شمس الليل" و"زهراء الأندلس"، في تجاور بين الكتابة والرسم، حيث إن رسوم الكتب مستوحاة من النصوص المكتوبة بها بشكل تكاملي بينها.

في كتاب "شمس الليل" جمع الباشا كتاباته ورسومه المصاحبة لها التي نشرت في مجلة العربي الكويتية منذ عام 2006 إلى عام 2012، وهي أشبه بمقالات وخواطر ويوميات كتب فيها عن فنانيه المفضلين في مجالات الفنون المختلفة.

أما في كتابه "دقات الساعة" فيستعيد الباشا لحظاته التي لا تنسى، في الطفولة والمدرسة والأسرة، في شكل سردي أحيانا، وفي شكل قصصي أحيانا أخرى.

وفي كتابه الأخير "زهراء الأندلس" نجد الباشا حاضرا بنفسه، فهو أحيانا البطل الذي تدور حوله الحكاية، أو الراوي الذي يسرد القصة، في كتابة مشهدية تحمل سمات الفنون البصرية، وتضمن الكتاب 22 قصة مع 22 رسما تخطيطيا مصاحبا لها.

لا يمكن التعامل مع الباشا باعتباره فنانا تشكيليا فقط، على الرغم من طغيان الرسم على الجانب الأكبر في حياته، لكن تبقى تجربته الإبداعية المتشابكة تجربة حداثية تختلط فيها الأنواع والسمات الفنية، بكل ما يحمله الفن الحديث من رغبة في التجريب وانهيار للحدود الفاصلة بين الأنواع الفنية والإبداعية المختلفة.

إعلان
المصدر: الجزيرة
شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان