ابن خلدون في مصر.. شرّع الإطاحة بسلطان مملوكي وتنبأ بسيطرة العثمانيين على المنطقة ورصد بواكير النهضة الأوروبية الحديثة

ابن خلدون - عالم من علماء الإسلام ولد قبل 700 عام يقلب في كتب الاقتصاد والتخطيط (ميدجيرني)

إن "أهل مصر [يعيشون] كأنما فَرَغُوا من الحساب [الأخروي]"، ذلك أنهم "غَلَبَ الفرحُ عليهم والخِفّة والغفلة عن العواقب"؛ فبلادهم هي "حضرةُ الدنيا وبستانُ العالم، ومَحْشَرُ الأمم ومَدْرَجُ الذَّرِّ من البَشر، وإيوانُ الإسلام"!! تلك أوصاف أطلقها على مصر المملوكية وأهلِها الفقيهُ المؤرخُ وليُّ الدِّين أبو زيد عبد الرحمن ابن خَلْدون الحضرمي (ت 808هـ/1406م).

فقد روى عنه القولَ الأولَ تلميذُه المؤرخ تقي الدين المقريزي (ت 845هـ/1441م) في كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخِطط والآثار»، وأما الوصفان الآخران فأولهما جاء في كتاب ابن خلدون الذائع والمعروف بـ«المقدمة»، والثاني ورد في مذكراته التي ألحقها بتاريخه وعَنْوَنَها بـ«التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا».

إن هذه المقولات الخلدونية لا يعتريها أي تضارب يوحي بوجود تناقض في آراء صاحبها ومواقفه من مصر والمصريين، بل تصف إطارا متَّصِلا من التأمل في طبائع العمران البشري يمكن به فهم تلك الآراء والمواقف.

وذلك ما تحاول هذه المقالة أن تقدم نموذجا تفسيريا له يوضح سياق تلك المقولات الذي تنزّلت فيه فأخذت منه مناسبتها ودلالتها، ثم إنها تسعى لفهم أبعاد العلاقة الملتبِسة والمزدوجة -سلبا وإيجابا- بين ابن خلدون وبعض النُّخَب المصرية قديما وحديثا.

فقد اختار ابن خلدون مصر لتكون وطنا يستقر فيه بعد فترة طويلة من الاضطراب والاكتراب عاشها في بلاطات حُكم متعددات، وتخللتها فتنٌ مجتمعية ومحنٌ شخصية؛ فقد قضى صاحبنا جُلَّ عمره متنقلا بين ممالك الغرب الإسلامي التي نال في عواصمها قسطا كبيرا من الحظوة والقسوة معاً.

وطلبا للنجاة من مصير قاتم نال بعض أفراد عائلته وأصدقائه المقربين فسلبهم أعمارهم؛ لجأ ابن خلدون إلى مصر وهو يعرف أنها من حيث الموقع هي "حضرة الدنيا"، ولكنها من حيث الواقع -كما قيل له سابقا وصدّقه عِيانُه لاحقا- بلادُ شعبٍ تسيطر عليه "الغفلة عن العواقب"!!

ولكن أقوال ابن خلدون عن مصر -شأنها شأن حديثه عموما عن الأقوام والأقاليم- لا يمكن اختزالها في تعبيرات أحادية متناثرة، بل يجب أن تؤطَّر برؤيته الحضارية لأسباب صعود الدول وعلل هبوطها، ومن ثم تلزم التفرقة بين الفكرة المعبِّرة عن تقديره لمصر من حيث مكانها الجغرافي ومكانتها الثقافية والتاريخية، ومقولته المشخِّصة لمرضها العارض من حيث الواقع المعيش والسلوك المشاهد.

وقد عزز ابن خلدون استقراءاته التأملية تلك بمشاهد من واقع تجرِبته وعمله في القضاء بمصر، وما خَبِرَه في أروقة مؤسسته من فساد ومحسوبية خصوصا في أوساط مكاتب الشهود والوكلاء (المحامين)، فهم عنده "كان البَرُّ فيهم مختلطا بالفاجر، والطيِّب ملتبِسا بالخبيث، والحكام (= القضاة) مُمْسِكون عن انتقادهم…، لما يموِّهون به من الاعتصام بأهل الشوكة (= السلطة)، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء" النافذين في دوائر الدولة، ورغم كل ذلك فإنه حافظ -كما يصف نفسه- في منصبه القضائي على "القيام بالحق والإعراض عن الأغراض"!!

وبسبب هذه المواقف والأقوال الخلدونية وعوامل أخرى تتصل بطبائع التنافس بين العلماء والمذاهب؛ كان طبيعيا أن تشتجر الخصومة بين ابن خلدون وقطاع عريض من المثقفين المصريين قديما وحديثا، فلئن تفجرت تلك الخلافات أولا داخل الوسط القضائي فإنها سرعان ما انتقلت منه إلى المجتمع العلمي عموما، ثم تدحرجت من الماضي إلى الحاضر ممثلا في الأجيال المعاصرة من النخبة الثقافية المصرية التي تباينت مواقفها من ابن خلدون وتراثه.

وقد تطرقت هذه المقالة كذلك إلى الجانب السياسي في شخصية ابن خلدون الذي ظلَّ يُطلُّ برأسه كلما حاول هو أن يلفّه بلبوسه العلمي أو سلوكه القضائي؛ فتعرضت لإسهامه -طوعاً أو كرهاً- في إحداث تحوُّل سياسي في حكم مصر عندما أيّد -بصفته كبير علماء المالكية بمصر- انقلابا قاده أحدُ الأمراء على السلطان المملوكي الذي أحسن استقباله فأعظم مَقامَه وأكرم مُقامَه.

كما رصدت المقالةُ تأملاتِه التي استشرف عبرها -بتنبُّؤٍ صادق لمآلات اختلال التوازنات السياسية بمصر واعتلال أجهزة نظام حُكمها- أن "المحروسة" مرشحة بقوة لأن تكون مجالا لسيطرة العثمانيين الصاعدين أيامها بقوة متعاظمة، وهي النبوءة التي تحققت بعد قرن من وفاة ابن خلدون ثم تواصلت مفاعيلها خمسة قرون! وقد قرن ابن خلدون ذلك كله باستشراف صادق كان أعمق وأبقى أثراً في تاريخ العالم حين رصد بواكير النهضة الأوروبية في مستوياتها العلمية والاقتصادية!!

صور من التاريخ الإسلامي - مقتل الحلاج

استقبال حافل
تعود قصة احتفاء "أرض الكنانة" بعلامة المؤرخين ولي الدين عبد الرحمن بن محمد ابن خَلدون الكِنْدي الحضرمي الإشبيلي إلى ما يربو على ستة قرون ونصف قرن من الآن، ظلت شخصيته فيها مثارَ جدل وعواطف متنافرة بين أبنائها منذ أن لجأ إليها سنة 784هـ/1382م طلبا لاستقرار نفسي افتقده طوال نصف قرن ملأته كروب القدَر وحروب السياسة مغامراتٍ ومؤامراتٍ، وعلى امتداد رقعة جغرافية ظلت تتمدد وتتبدل بين عواصم الممالك المغاربية والأندلسية أواسط القرن الثامن الهجري/الـ14م: تونس وبجاية وتلمسان وفاس وغِرْناطة، تلك الأقطار التي أحس فيها مؤرخنا أبو زيد بأنه أضرّت به ما سمّاها هو: "غواية الرُّتَب.. وإغفالُ العلم"؛ وفقا لما جاء في كتاب رحلته.

وصل ابن خلدون إلى مصر يسبقه صِيته السياسي وصَوته العلمي، ولا يكدّر صفوَه سوى مَقْدمه وحيدا من مسقط رأسه تونس التي استودعها عائلة طالما أعجلته دسائس السياسة عن اصطحابها إلى ملاجئه ومنافيه المختلفة، ثم خلَّفها وراءه الآن للمرة الأخيرة متظاهرا بأنه إنما غادر بلاده رغبة في أداء فريضة الحجّ.

على أنه أيضا كان لمصر أيامَها صيتُها المدوّي بعظيم الاحتفاء بالعلماء على النحو الذي وصفه ابن خلدون نفسه -في كتاب رحلته- قائلا عن سلطانها الناصر محمد بن قلاوون (ت 741هـ/1340م): "ورَحَل أرباب البضائع من العلماء والتجار إلى مصر، فأوسعهم [الناصرُ] حباءً (= عَطاءً) وبِرًّا، وتنافست أمراء دولته في اتخاذ المدارس والرُّبُط (= الزوايا الصوفية) والخوانق (= الخانقاهات: المدارس الصوفية)، وأصبحت دولتُهم (= المماليك) غُرَّةً في الزمان وواسطةً في الدول"!!

حلَّ إذن ابن خلدون في القاهرة المملوكية فبهرتْه وسحرتْه؛ إذْ رأى فيها "حضرة الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومَدْرَج الذَّرّ من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي المُلك، تلوح القصور والأواوين في جوّه، وتزهو الخوانق والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه…، وسكك المدينة تغصّ بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم"!!

ولم يكن إعجاب مؤرخنا بحفاوة المصريين به (سلطةً ونخبةً وساكنةً) بأقلّ من انبهاره ببلدهم الكبير والمثير؛ إذ سرعان ما وجد طريقه سالكا إلى مقابلة السلطان المملوكي حينها الظاهر بَرْقُوق (ت 801هـ/1398م) الذي يصف لنا استقبالَه إياه قائلا: "فأبرّ مقامي، وآنسَ الغربة، ووفّر الجِراية (= الراتب) من صدقاته (= أوقافه)"؛ ويقول عن عمق حفاوة حاشية السلطان بمَقْدمه: "أوْلَوْني عناية وتشريفا، وغمروني إحسانا ومعروفا"!!

ثم لم يلبث الضيف الحضرمي أن تصدّر حلقتَه العلمية بالجامع الأزهر حيث "انثال علـيـ[ـه] طلبة العلم" يتلقوْن منه دقائق العلوم وفُيُوض الحِكَم وعُصارات التجارب، ولم يزل بعدها دائمَ التدريس في مدرسة فقهية خاصة بمذهبه المالكي تُعرَف بـ"المدرسة القَمْحِية"، ويحدد لنا المقريزي بالضبط تاريخَ مباشرة أستاذه ابن خلدون التدريسَ في هذه المدرسة فيقول -في تاريخه ‘السلوك لمعرفة دُوَل الملوك‘- إنه في يوم الأحد 25 صفر سنة 786هـ/1384م "درّس شيخُنا أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون بالمدرسة القمحية بمصر، عوضا عن عَلَم الدين سليمان البساطي (ت 786هـ/1384م) بعد موته".

صور من التاريخ الإسلامي - الأئمة 1

صدارة وإدارة
وقد وصف ابن خلدون أصداء مجلسه العلمي الأول الذي حضره أكابر العلماء وبعض الأمراء بقيادة صديقه الأمير المملوكي ألْطُنْبُغَا بن عبد الله الجوباني (ت 793هـ/1391م) وفقا للمقريزي؛ فقال في رحلته: "وانفضّ ذلك المجلسُ وقد شيعتني العيونُ بالتَّجِلَّة والوقار، وتناجت النفوسُ بالأهلية للمناصب"!! كما أسنِدت إليه أحيانا -مع "المدرسة القمحية"- وظيفة التدريس للمالكية في بعض المدارس المختلطة المذاهب، كالمدرسة الصلاحية والمدرسة الظاهرية البَرْقُوقِية.

وإضافة إلى كرسي الفقه؛ أسنِدت إلى ابن خلدون وظيفة "تدريس الحديث بالصُّرْغَتْمُشية (= مدرسة وقفية)"؛ حسب تلميذه الإمام ابن حَجَر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) في كتابه ‘إنباء الغُمْر‘. بل إنه -حسبما يفيدنا به هو في رحلته- تولَّى كذلك "مشيخة (= إدارة) خانقاه بيبرس.. [وهي] أعظم الخوانق" الصوفية في مصر، بعد أن جلس –وهو القاضي والمؤرخ ورئيس الوزراء سابقا بإمارة بجاية الحَفْصية- يوما واحدا في حلقات الصوفية بالقاهرة ليستحق بذلك هذه الوظيفة الرفيعة في عصرها ومصرها!!

وربما كان ذِكْر مؤرخنا المتكرر لخلواته التعبدية في "رباط العُبّاد" الصوفي قرب تلمسان الجزائرية -كلما توجّس نكبةً سلطانية أو عصفت به "نزعةٌ من النزعات الملوكية" وفق تعبيره- إشارةً منه إلى أنه ليس غريبا على حياة الوسط الصوفي، بل إنه صنَّف في التصوف وأحواله ومقاماته كتابَه «شفاء السائل وتهذيب المسائل»، وله مع شيوخ المتصوفة ومريديهم تجاربُ صوفية عملية تؤهِّله لهذا المنصب المستغرَب على أمثاله من رجال السياسة وتدبير الممالك.

وهو الأمر نفسه الذي دفعه أيضا إلى الإكثار من استعراض حصاده من العلوم العقلية والنقلية والإجازات العلمية التي درسها في تونس والمغرب الأقصى، حيث لم ينفكَّ حسب تعبيره "عاكفا على قراءة العلم وتدريسه"، وكأنه يريد بذلك إثبات عضويته في نادي العلماء من الفقهاء والمحدِّثين كما أثبتها في دواوين المؤرخين والسياسيين!!

ومع ذلك؛ فقد صدم الواقعُ المصري -وما يعِجّ به مجالُه العام من أنشطة اللهو والمجون- ابنَ خلدون حين عاشه وعايش أهلَه، حتى روى عنه تلميذه المقريزي قولَه إن "أهل مصر [يعيشون] كأنما فَرَغوا من الحساب [الأخروي]"!! وهو ما عزز رأيه القديم فيهم -والذي دوّنه في «المقدمة»- باعتبارهم قد "غَلَبَ الفرحُ عليهم والخفة والغفلة عن العواقب"!!

والواقع أن هذه الأوصاف والأحكام الانطباعية لم تكن ثمرة استنتاج شخصي تولّد لدى ابن خلدون بعد وصوله إلى مصر، وإنما رواها -من قبلُ- عن مشايخه الذين كان يسمع منهم -وهو فتى يافع ببلاد المغرب- أخبارَ مصر وما يمور به مجتمعها من "عجائب"؛ وقد أشار إلى ذلك في كتاب «الرحلة».

التعليم في التاريخ الإسلامي

تقلبات وظيفية
لكن أبا زيد ما إن استقرّ به المقام في "بستان العالم" حتى دعته "غواية الرُّتَب" إلى تقلُّد وظيفة القضاء سنة 786هـ/1384م، إثر شغور منصب قاضي قضاة المذهب المالكي بعزل السلطان برقوق للقاضي جمال الدين عبد الرحمن ابن خير الأنصاري الإسكندري (ت 791هـ/1389م)، فكانت تلك الوظيفة شرارة الزناد التي أشعلت غَيرة القضاة البلديين -ممن سمّاهم ابن خلدون قبلُ "البدور والكواكب"- على هذا الوافد الطامح إلى مزاحمتهم على المناصب والرواتب!!

ولم يصوِّر طبيعةَ حياة ابن خلدون بمصر ومعاركَه فيها شيءٌ مثلما صوَّرتها علاقتُه بالقضاء توليةً وعزلًا؛ فقد أدى دخوله أروقة دُور العدالة إلى اكتشافه ما تطفح به من فساد ومحسوبية خاصة في أوساط "مكاتب الشهود" والموثِّقين، وهم فئة كانت تقدم خدمات مساندة للقضاة والمتقاضِين مدفوعة الأجر تشبه ما يتم اليوم في مكاتب التوثيق القانونية.

فهؤلاء الشهود في نظر ابن خلدون "كان البَرُّ فيهم مختلطا بالفاجر، والطيِّب ملتبسا بالخبيث، والحكام (= القضاة) ممسكون عن انتقادهم…، لما يموِّهون به من الاعتصام بأهل الشوكة (= السلطة)، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء".

ويؤيد وصفَ ابن خلدون لهذا الوضع المختلّ في الحياة القضائية ما ذكره المقريزي -في كتابه ‘السلوك‘- من أنه "في أخريات شعبان (سنة 801هـ/1398م): رُسِم للقضاة بعَرْض الشهود الجالسين بالحوانيت للتكسُّب بالشهادة، فكتب «نقباءُ القضاةِ» (= مساعدوهم) أسماءَهم (= الشهود)، وشَرَعَ القضاةُ في عرضهم ليُختبر حالُ كلٍّ منهم، ويبقى من عُرِف بحسن السيرة، ويُمنع مِن تحمُّل الشهادة مَن جُهِل حالُه أو عُرف بسوءٍ، فمُنِع جماعةٌ ثم أعيدوا بالرسائل وشفاعات الأكابر؛ فلم يتم الغرض" من إصدار قرار التفتيش والمحاسبة!!

ورغم ذلك الفساد المستشري؛ فإن المقريزي يخبرنا -في كتابه ‘السلوك‘- بأن ابن خلدون حين باشر القضاء للمرة الثانية أبدى صرامته المعتادة فيه "فشَرَعَ في عرض الشهود وأغلق عدة حوانيت [لشهود التوثيق] استَجدَّت بعده"، أي بعد عزله عن القضاء في العهدة الأولى. وهو ما يعزز تأكيدَ ابن خلدون -في رحلته- أنه حافظ -طوال ولايته القضائية- على "القيام بالحق والإعراض عن الأغراض"!!

ويُزكي شهادتَه تلك لنفسه ما شهد له به مؤرخو مصر ولخّصه آخِرُ عظمائهم أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تَغْرِي بَرْدي الظاهري (ت 874هـ/1469م) -في كتابه ‘المنهل الصافي والمُسْتوفى بعد الوافي‘- بقوله: "فباشره (= القضاء) بحُرْمة (= هيبة) وافرة وعَظَمة زائدة وحُمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدولة وشفاعات الأعيان" بل وعاقب بعض ذوي الشأن منهم؛ فكان ردُّه لوساطات أرباب السلطة المتنفذين في القضايا المرفوعة أمامه، وحزْمُه في معاملة الشهود والموقّعين "إيذانا بوثوب العاصفة من حوله"؛ كما قال بحق المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان (ت 1407هـ/1986م) في كتابه «ابن خلدون: حياته وتراثه الفكري».

فبعد مضي سنة واحدة من توليته؛ سعى به خصومه عند السلطان فعُزل سنة 787هـ/1385م وظل خارج المنصب القضائي أربع عشرة سنة، ثم عاد إليه سنة 801هـ/1398م ليدخل -حتى وفاته قاضيا في رمضان سنة 808هـ/1406م- دائرةً مفرغة من الإقالة والتولية المتعاقبتين؛ فقد تولّى منصب قضاء قضاة المالكية ست مرات خلال سبع سنوات، وتوفي في المرة السادسة وهو على رأس وظيفته.

التعليم في التاريخ الإسلامي

خصومة محمومة
وينبئ ذلك التقلب الدائم في المنصب القضائي باحتدام الصراع بينه وبين نظرائه من قضاة المالكية بمصر، ولاسيما الجَمَالَيْن: جمال الدين الأقْفَهَسي (ت 823هـ/1420م) وجمال الدين البساطي (ت 828هـ/1425م) ولاسيما الأخير منهما، ثم خلافه مع مسانديهم من ذوي النفوذ في دوائر السلطة المملوكية.

فقد ذكر تلميذه الإمام ابن حَجَر -في كتابه ‘رفع الإصر عن قضاة مصر‘- أن خصومه ومنافسيه طعنوا في أهليته للقضاء، ولفّقوا له تُهَمًا عديدة "وادَّعَوْا عليه بأمور كثيرة أكثرُها لا حقيقة له، وحصل له من الإهانة ما لا مزيد عليه"، حتى إنهم عابوا عليه أنه يرفض التقيد باللبس الرسمي للقضاة في مصر، إذْ "لم يغير زيه المغربي ولم يلبس زي قضاة هذه البلاد، وكان يحب المخالفة في كل شيء"!! بل إنهم أنكروا عليه غرامه بالتنزه في البساتين وأنه "تبسَّط بالسكن على البحر (= النِّيل) وأكثرَ من سماع المطربات"، وكانت التهم أحيانا تشي بالقذف والتعريض لأنه عندهم "كان يُتَّهم بأمور قبيحة"؛ طبقا لابن حجر.

بيد أن ابن خلدون لدى الثقات من مؤرخي مصر "لم يشتهر عنه في منصبه إلا الصيانة"؛ حسب شهادة تلميذه الحافظ ابن حجر. وربما كان إطلاق تلك التهم عليه انتقاصا صدر من قضاة منافسين وظيفيا أو تعصبا من علماء مخالفين مذهبيا، خاصة أن من أطلقها أو نقلها هو معاصره "محتسب القاهرة" جمال الدين البشبيشي الشافعي (ت 820هـ/1417م).

أما رواية المؤرخ والمحدِّث شمس الدين السخاوي (ت 902هـ/1496م) لكثير من تلك التهم -في كتابه ‘الضوء اللامع لأهل القرن التاسع’- فغيرُ مستغرَبة لما عُرف به من تجاوز للإنصاف -أحيانا كثيرة- في تراجمه للأعلام مهما عَلا شأنُهم، حتى إن علامة اليمن بدر الدين الشوكاني (ت 1250هـ/1834م) ساق -في كتابه ‘البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع‘- تُهماً وجهها السخاوي إلى المقريزي، ثم علق عليها قائلا: "وإن جَحَدَهُ السخاويُّ فذلك دَأْبُه في غالب أعيان معاصريه"!! ثم إن السخاوي إنما جاء -في الواقع- بمعظم تُهمه الخلدونية نقلا عن شيخه الحافظ ابن حجر الذي لم يكن يخفي مآخذه على أستاذه ابن خلدون رغم إعجابه بمعارفه وألمعيته.

على أن تلك المآخذ يصعب التسليم بوجاهتها لكونها إما منقولة عن خصم لابن خلدون كالقاضي البشبيشي، أو أنها مما يدخل في "الذوقيات" الشخصية التي تحتمل الاجتهاد وتعدد الآراء، أو أنها مما يتوافر فيه هذان الأمران معاً كقوله السابق -في ‘رفع الإصر‘ ناقلا عن البشبيشي- إن ابن خلدون "تبسَّطَ بالسكن على البحر، وأكثرَ من سماع المطربات ومعاشرة الأحداث، وتزوَّج امرأةً لها أخٌ أمردُ يُنْسَبُ للتخليط (= المُجُون)، فكثُرتْ الشناعةُ عليه" بسبب ذلك!!

ولعل ابن حجر كان متأثرا -في موقفه المزدوج هذا من أستاذه- بالعلاقة العاصفة التي نشأت بين ابن خلدون وإمام المالكية في تونس محمد بن عرفة الوَرْغَمِّي (ت 803هـ/1400م)، الذي صار أيضا شيخا لابن حجر بعد أن تتلمذ له وأخذ عنه إجازات علمية عندما مرَّ بمصر سنة 792هـ/1390م وهو في طريقه إلى الحج؛ تلك العلاقة التي يلخص لنا عمقَها قولُ ابن حجر في ‘رفع الإصر‘: "وقيل إن أهل المغرب لما بلغهم أنه (= ابن خلدون) ولي القضاء [بمصر] عجبوا من ذلك! ونسبوا المصريين إلى قلة المعرفة!! حتى إن ابن عرفة قال لما قدِم إلى الحج: كنا نعدُّ خُطَّة (= وظيفة) القضاء أعظم المناصب، فلما بلَغَنا أن ابن خلدون ولِيَ القضاء عددناها بالضد من ذلك"!!

وربما كان طعن ابن عرفة في الكفاءة العلمية لغريمه ابن خلدون سببا في تسجيل الأخير خبرتَه القضائية التي اكتسبها في بلاد المغرب قبل وصوله إلى مصر، وتأكيدَه قيامَه بأعبائها على الوجه المستطاع له؛ فقد قال -في رحلته- عن علاقته بسلطان المغرب الأقصى المستعين بالله أبي سالم المَرِيني (ت 762هـ/1361م): "ولّاني -آخرَ الدولة- «خُطَّةَ المظالم» فوفَّيْتُها حقَّها، ودفعتُ للكثير [من المظالم] مما أرجو ثوابه" عند الله تعالى.

ووظيفة "قضاء المظالم" -التي غادرها مؤرخنا سنة 763هـ/1362م وعمره ثلاثون سنة- هي أرفع وأخطر المناصب في النظام القضائي الإسلامي، لاتصالها بمحاكمة مسؤولي الدولة الكبار والانتصاف منهم للمتظلمين منهم، وفي تولي ابن خلدون لوظيفتها -في معقل المالكية وهو شاب لمّا يكمل الثلاثين- أبلغُ ردٍّ على طعن ابن عرفة في كفاءته وأهليته لمنصب القضاء بمصر.

التاريخ الإسلامي - إصلاح دولة المماليك

تورط سياسي
وإلى جانب منغصِّات الوظيفة القضائية المتكاثرة؛ لم تسمح أيضا "طبائع الملك" في الدولة المملوكية (648-922هـ/1250-1517م) بمصر لابن خلدون بالاستمتاع بمنفاه الاختياري معتزلا عوالم السياسة، ففي شوال سنة 791هـ/1389م سوّلت للأمير المملوكي يَلْبُغا الناصري (ت 817هـ/1414م) نفسُه الإطاحةَ بنظام السلطان برقوق، فأحكم تدبير انقلابه بين عصبته من الأمراء، ولم يبق إلا "تشريع" العملية بفتوى تُستصدر من قضاة المذاهب الفقهية الأربعة، ويباركها الخليفة العباسي الألعوبة بين أيدي أمراء المماليك المنقلِبين.

ورغم أن ابن خلدون لم يكن حينها -كما قال في رحلته- قاضيا لقضاة مذهبه الفقهي بل متفرغا للتدريس؛ فإنه -ربما لمكانته العلمية والسياسية- أحضِر إلى مجلس التوقيع على فتوى الانقلاب المؤسَّسة على دعوى أن برقوق إنما تولى السلطة بعد أن "خَلَع الخليفةَ [العباسي] والسلطانَ…، واستحلَّ أخْذَ أموال الناس وقتْلَ الأنفس، واستعان بالكفار على قتال المسلمين"؛ حسب خلاصة نص الفتوى الذي أورده المؤرخ عبد الباسط ابن شاهين المَلَطيّ (ت 920هـ/1514م) في كتابه ‘نيل الأمل في ذيل الدول‘.

نجح الانقلاب -الذي يسميه ابن خلدون "فتنة الناصري"- ونصّب المنقلِبون السلطانَ السابق الذي خلعه برقوق وهو المنصور حاجي ابن السلطان الأشرف شعبان (ت 815هـ/1412م)، ولكن سرعان ما تمكن برقوق -بعد نحو ثمانية أشهر- من إجهاض هذا الانقلاب بأعجوبة والعودة إلى عرشه مظفَّرا 792هـ/1390م.

وعندها بالغ ابن خلدون في استعطاف برقوق شعرا ونثرا، فدبّج فيه قصيدة طويلة طنّانة ملأها بذكر نعمه عليه وتأكيد ولائه له، والاعتذار إليه عما جرى من مشاركته في توقيع فتوى الانقلاب، قائلا إنه ضُلِّل بمسوِّغات ذلك الانقلاب التي قُدِّمتْ إليه من منظمّيه، بل وادّعى أنه أكْرِه -بتهديد السلاح- على توقيع الفتوى المشرِّعة له، راجيا ألا يؤخَذ بجريرة "التغرير" به، وطالبا ألا تُقطع عنه صنائع معروف السلطان فهو "جارٌ" و"غريبٌ" في بلاده؛ وفقا لعباراته في قصيدته تلك التي أوردها في كتاب رحلته.

تقبَّل السلطان برقوق اعتذار ابن خلدون فعفا عنه وأبقاه في وظائف تدريسه بشفاعة من الأمير ألْطُنْبُغَا بن عبد الله الجوباني (ت 793هـ/1391م)، الذي كان سيّد نعمة مؤرخنا -منذ وطئت قدماه مصر- بعد أن تعرف إليه "فَرَاجَ عليه [أمْرُه] وجَمَعَه على السلطان" حتى نال الحظوة لديه؛ كما يقول ابن حجر في كتابه ‘إنباء الغُمْر‘.

على أنه يمكننا أن نقرأ تسويغا من ابن خلدون لدعمه ذلك الانقلاب فيما كتبه -في رحلته ضمن معرض حديثه بشأن تلك الواقعة- عن رؤيته لطبيعة نظام الحكم في دولة المماليك منذ نشأتها؛ فهو يذكر أن هذا النظام كان قائما على شرعية التغلب بالقوة العارية، والشرعيةُ الواقعيةُ فيه إنما هي للمتغلبين من قادة المؤسسة العسكرية المملوكية، وبالتالي فإنه -من الناحية الفقهية- ليس للمنقلَب عليه المخلوع من الحق "الشرعي" في السلطة إلا ما للذي انقلَب عليه وأخذها منه.

ومن ثمّ فلا مأخذ "شرعيا" على موقفه -هو والموقّعين معه من الفقهاء والقضاة- المؤيد لخطة الانقلاب، وإن كان واجب الوفاء الشخصي للسلطان برقوق -الذي آواه وأكرمه- يضع على عاتقه عبئا أخلاقيا لا يرفعه عنه إلى اعتذاره بأنه -حين وافق على ما جرى- كان واقعا تحت ضغط الإكراه والتهديد بقوة السلاح، أو كما قال هو في قصيدته الاعتذارية:
إنما سامَنا الكتابَ (= الفتوى) ظَلومٌ ** لا يُرَجَّــــى دفـــاعُه بالحِـــيـلة
سَخَـــــطٌ نــاجِــــزٌ وحِــلْمٌ بـــطيءٌ ** وسـلاحٌ للْـوَخْز فينا صَقِيـــلة
استشراف مصيب
وإذا كان حِسّ ابن خلدون الاجتماعي وبصيرته السياسية لم يُسعفاه بقراءة صحيحة لموازين القوة بين "مراكز القوى" في السلطة المملوكية، فانخرط في "تشريع" انقلابِ قَصْرٍ فاشلٍ؛ فإن حدسه التاريخي وتأمله في مصائر الأمم -قياماً فازدهارا وانحطاطا فاندثارا- أدّيا به إلى إعلانه تنبؤا صادقا بشأن طموح العثمانيين إلى السيطرة على مصر. فقد قال تلميذه ابن حجر في كتابه ‘رفع الإصر‘: "سمعتُ ابنَ خلدون مرارا يقول: ما يُخشَى على ملك مصر إلا من ابن عثمان"!!

والمقصود بـ"ابن عثمان" هنا هو السلطان العثماني حينها بايزيد الأول (ت 805هـ/1402م)، لكن انكسار العثمانيين -في «معركة أنقرة» الهائلة سنة 805هـ/1402م- أمام الاجتياح المغولي لبلادهم بقيادة تيمورلنك (ت 807هـ/1405م) أجّل سيطرتهم على مصر بما يتجاوز قرنا بعد وفاة ابن خلدون، لكن تلك السيطرة تحققت فعلا ودامت -مراوحة بين الحكم الفعلي والصوري- خمسة قرون!!

وهذا الاستشراف المتبصِّر لمستقبل منطقة قلب الإسلام في ذلك العصر المضطرب؛ لا يوازيه إلا رصده -وهو في مصر- لطلائع النهضة الأوروبية الناشئة آنذاك في إمارات الشمال الإيطالي، وتعبيره عن تألقها ببلاغة وبراعة لا يُخفي صاحبُها وعيَه لقصور المسلمين عن الوقوف على حقيقة ما يجري هناك والاستفادة منه قبل فوات الأوان.

قال ولي الدين في ‘المقدمة‘: "بلغنا -لهذا العهد- أنّ هذه العلوم الفلسفيّة ببلاد الإفرنجة -من أرض رومة (= روما/إيطاليا) وما إليها من العُدْوة الشّماليّة (= للبحر المتوسط)- نافقةُ الأسواق، وأنّ رسومها هناك متجدِّدة ومجالس تعليمها متعدِّدة، ودواوينها جامعة متوفِّرة وطلبتها متكثِّرة؛ والله أعلم بما هنالك"!!

وبالنظر إلى الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي الذي كانت مصر تنعم به أواخر القرن الثامن الهجري/الـ14م، على عكس ما كان سائدا حينها في الغرب الإسلامي من تراجع حضاري وصفه باستفاضة في «المقدمة»؛ فلعله من الراجح القول إن ابن خلدون سجّل رصده المبكر هذا للنهضة الأوروبية وهو مقيم بمصر لما كان بينها وبين الدويلات الإيطالية (جَنَوة والبندقية وفلورنسا) من علاقات تجارية واسعة أتاحت لأعداد كبيرة من التجار الإيطاليين فرصة الإقامة بمصر والاحتكاك برجال نخبتها وفي طليعتهم ابن خلدون، فكانت بذلك توقعاته بشأن الصعود الحضاري الأوروبي من أصدق وأعمق ما أضافه إلى كتابه «المقدمة» وهو في أرض الكنانة.

صور من التاريخ الإسلامي - من تقاليد التعليم

تأثير معرفي
ولم تكن مواقف ابن خلدون في القضاء والسياسة هي الوحيدة التي تباينت فيها رُؤى وآراء المصريين في مؤرخنا، بل أضيفت إليهما جوانبه المعرفية ومكانته العلمية؛ فمثلاً كان تقييم درة تاج إنتاجه العلمي «المقدمة» مثارَ خلاف مستفيض بين أكابر تلامذة ابن خلدون من المصريين.

فتلميذُه المخلصُ مؤرخُ مصر الأشهر تقي الدين المقريزي (ت 845هـ/1441م) كان -حسبما ينقله من خطه صديقُه ابن حجر في ‘رفع الإصر عن قضاة مصر‘- شديدَ الإعظام لابن خلدون وقويَّ الإعجاب بمؤلفاته وبالِغَ الاحتفاء بمقولاته، فكان يرى أن "مقدمته لم يُعمَل مثالُها، وإنه لعزيزٌ أن يَنال مجتهد مَنالَها، إذْ هي زبدة المعارف والعلوم، وبهجة العقول السليمة والفُهوم، تُوقِف على كُنْه الأشياء، وتُعرِّف حقيقةَ الحوادث والأنباء، وتعبِّر عن حال الوجود، وتنبئ عن أصلِ كلِّ موجود، بلفظ أبهَى من الدُّر النظيم، وألطف من الماء مَرَّ به النسيم"!!

ولئن كان ذلك هو رأي المقريزي في «المقدمة»؛ فإن زميله ابن حجر يرد عليه بأن "ما وصفها به -فيما يتعلق بالبلاغة والتلاعب بالكلام على الطريقة الجاحظية- مُسلَّم له فيه، وأما ما أطراه به -زيادةً على ذلك- فليس الأمر كما قال إلا في بعض دون بعض، إلا أن البلاغة تزيّن بزخرفها «حتى تُرِي حَسَناً ما ليس بالحَسَن»"!!

وإذا تجاوزنا خصومات ابن خلدون القضائية و"مؤامراته" وتنبؤاته السياسية في مصر؛ فسنجد أن أكبر إنجازاته العلمية فيها هو تخريجه لها -وللتراث العربي الإسلامي من ورائها- كوكبة هادية من كبار المؤرخين، فتبلورت على أيديهم معالم المدرسة التاريخية المصرية الخلدونية، والتي تميزت بنزعتها التفصيلية ومنهجيتها التحليلية، وبسلسلة نوابغها التي تواصلت –بعد ابن خلدون- أكثر من 150 سنة!!

وقد جسَّد فرعيْ هذه المدرسة الكبيرين كلٌّ من الإمامين المؤرخيْن المقريزي وابن حَجَر العسقلاني، ومن بعدهما تلامذتهما بالأخذ المباشر أو بالتأسي المنهجي: ابن تَغْرِي بَرْدِي تلميذ المقريزي، والسخاوي وجلال الدين السيوطي (ت 911هـ/1505م) اللذان يَعُدّان ابنَ حجر شيخا لهما بشكل مباشر كالسخاوي أو غير مباشر كما هو الحال مع السيوطي، ثم يأتي بعد هؤلاء الأعلام: المؤرخُ زين الدين عبد الباسط ابن شاهين المَلَطي (ت 920هـ/1514م) الذي كان تلميذا للسخاوي حسب ما ذكره عنه الأخير في موسوعته التراجمية ‘الضوء اللامع‘، وكان خاتمة هذه الكوكبة الفريدة ابن إياس الحنفي (ت 930هـ/1524م) وهو تلميذ للسيوطي.

ويقول ابن حجر عن تلمذته لصاحب «المقدمة»: "اجتمعتُ به مراراً، وسمعتُ من فوائده ومن تصانيفه خصوصاً في التاريخ، وكان… [له] معرفة تامة بالأمور خصوصاً متعلقات المملكة (= الدولة)"؛ كما في كتابه ‘المجمع المؤسس للمعجم المفهرس‘. وربما دعاه "شيخنا" كما قال مثلا في ‘الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة‘: "شيخنا القاضي ولي الدين ابن خلدون"؛ بل وقرن بينه وبين غريمه ابن عرفة في التلمذة لهما، فقال في كتابه ‘تبصير المنتبِه بتحرير المشتبِه‘: "وأخذ عنه (= الإمام محمد بن إبراهيم الآبُلي التلمساني المتوفى 757هـ/1356م) جماعةٌ من شيوخنا، منهم: أبو عبد الله بن عرفة، وأبو زيد بن خلدون".
بصمة منهجية
ونحن واجدون أثرَ البصمة المنهجية الخلدونية في الآثار العلمية الباقية لتلامذته الثلاثة الكبار الذين هم أعلام مؤرخي مصر منذ القرن التاسع الهجري/الـ15م: شهاب الدين أحمد بن علي القَلْقَشَنْدي (ت 821هـ/1418م)، وتقي الدين المقريزي، والحافظ ابن حجر العسقلاني.

فالبصمة المنهجية الخلدونية جلية في تراث هؤلاء الأعلام الثلاثة، ليس فقط من حيث استغراقهم في دروب الكتابة التاريخية تخصصا وتناولا؛ بل وفي نمط التأليف والقالب المنهجي في المقاربة والطرح؛ فنزوعهم لوضع كُتُب المقدمات المنهجية للموسوعات العلمية الكبرى -التي شهدتها مصر تلك الأيام في عدد من حقول المعرفة- إنما كان احتذاءً جليًّا بـ«مقدمة» شيخهم المنهجية لتاريخه الكبير «العِبَر وديوان المبتدأ والخبر».

ومن أمثلة ذلك إفرادُ القَلْقَشَنْدي جزءا منهجيا كاملا جعله "مقدمة" لكتابه الأدبي الإداري الضخم «صُبح الأعشَى في صناعة الإنشا»؛ وقد نقل فيه عددا من آراء وروايات شيخه ابن خلدون.

واحتذى أثرَه المقريزي بتخصيصه الجزء الأول من موسوعته في أنساب العرب وآدابها -والتي طُبعت بعنوان: «الخبر عن البشر في أنساب العرب ونسب سيد البشر ﷺ»- ليكون "مقدمة" منهجية لها؛ فتلميذه ابن تَغْرِي بَرْدي يصرح بذلك قائلا عنه في كتابه ‘المنهل الصافي‘: "وله كتاب «الخَبَر عن البَشَر»، ذكر فيه القبائل لأجل نَسَب النبي ﷺ في أربعـ[ـة] مجلدات، وعَمِلَ له «مقدمة» في مجلد"!!

وكذلك وضَع تلميذه ابن حجر كتابه «هدي الساري» ليكون "مقدمة" ومدخلا منهجيا لموسوعته الحديثية والفقهية «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، والطريف أن ابن حجر نفسه كثيرا ما أحال -في كُتُبه- على «هدي الساري» باسم: "المقدمة" أو "مقدمة شرح البخاري"!!

ويغلب على الظن أن شرحه هذا لصحيح البخاري (فتح الباري) إنما استلهم فكرة تأليفه من عبارة شيخه ابن خلدون التي أوردها في «المقدمة» ضمن كلامه عن تاريخ علوم الحديث النبوي، وقال فيها: "ولقد سمعتُ كثيرا من شيوخنا رحمهم الله يقولون: «شَرْحُ كتاب البخاري دَيْنٌ على الأمّة»، يعنون أن أحدا من علماء الأمة لم يُوَفِّ ما يجب له من الشرح".

وهكذا أراد الحافظ ابن حجر –وقد منّ الله عليه بالإمامة في علوم الحديث وغيرها- أن يقضي عن الأمة دَينها للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ/870م)، معتمدا على الخطوط العريضة التي تكلم عليها شيخه ابن خلدون في المنهجية المُثْلَى المرجوَّ اتّباعها في مثل هذا الشرح، وإن فصّل هو فيها وتوسع طوال نحو أربعين سنة استغرقها منه هذا العمل العظيم.

ولعل هذا الإلهام الخلدوني للإمام ابن حجر هو ما قصده تلميذه السخاوي حين قال -في كتابه ‘الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر‘- متحدثا عن مكانة «فتح الباري»: "وصرّح كثيرٌ من العلماء أنه لم يُشرح «البخاري» بنظيره (= فتح الباري)، ولو تأخَّرَ ابنُ خلدون -حتى رآه أو بعضه- لَقَرَّ عَيْناً [به]، حيث يقوله…: «شَرْحُ البخاريِّ دَيْنٌ على هذه الأمّة»"!!
جدل متجدد
وإذا طوينا قرون الركود الثقافي -التي طبعت غالبا الحقبةَ العثمانية من تاريخ مصر- إلى زمننا المعاصر متلمّسين مكانة ابن خلدون في الذاكرة الثقافية المصرية؛ فسنرى أن الانقسام القديم بشأنه سرى -بكل أبعاد تقييمه الوظيفية والسياسية والعلمية- إلى الأجيال الحديثة من النخبة الثقافية المصرية، وأن الاحتفاء به -في مصر المعاصرة مَلَكية وجمهورية- كان أيضا رسميا وأهليا، وإن جاء في شقه الرسمي متحفظا أحيانا.

فقبل قرن من الآن وتحديدا في سنة 1335هـ/1917م؛ ناقش رائدُ المصريين المعاصرين في الهوى الخَلْدوني (شخصاً ونَصًّا) طه حسين (ت 1393هـ/1973م) رسالتَه لنيل الدكتوراه في جامعة السوربون الفرنسية بعنوان: «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية: تحليل ونقد».

وبغض النظر عن الخلاف بشأن مضمون هذه الأطروحة ونتائجها؛ فقد كانت أولَ كتاب يضعه مؤلِّف عربي -وإن لم يكن بلسان الضاد- ليدْرس فيه بأسلوب حديث «المقدمة» الخلدونية، تلك المقدمة التي وصفها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (Arnold Toynbee المتوفى 1395هـ/1975م) بقوله -في كتابه ‘دراسة في التاريخ‘- إنها "أعظم كتاب من نوعه ألَّفه عقل إنساني في أي زمان ومكان"؛ حسبما نقله عنه الدكتور عبد الرحمن بدوي (ت 1423هـ/2002م) في خاتمة مقدمة كتابه ‘مؤلفات ابن خلدون‘.

كما أن هذه «المقدمة» هي التي جعلت المستشرق برنارد لويس (ت 1439هـ/2018م) يصف -في كتابه ‘العرب في التاريخ‘- ابنَ خلدون بأنه "أعظم مؤرخي العرب (= المسلمين)، ولعله أعظم مفكر تاريخي في العصور الوسطى"!!

ولئن جاء ذلك الحَدَث الأكاديمي كشفاً معاصرا للأهمية الفكرية لعلامة المؤرخين ولي الدين ابن خَلدون الحضرمي، وكتبت به مصر سبْقَها المقدَّر إلى تقديم أول مظاهر الاحتفاء الأكاديمي العربي بهذا العالم المرموق والمؤرخ العظيم الذي أضاعته أمته قرونا متطاولة؛ فإننا -مع ذلك- نجد أن صانِعَ هذا الحَدَث طه حسين يصف ابن خلدون -في رسالته تلك- بطائفة وافرة من العيوب الخُلقية والنقائص المنهجية، وينفي عنه "العبقرية" فيما جاء به في «المقدمة»، ويعدّه "قبل كل شيء سياسيا وافرَ الحكمة والبراعة"؛ لكن ذلك كله لم يمنعه من التسليم بأنه "إليه يرجع الفضل في أن الآداب العربية تستطيع أن تفخر بأنها كانت الأولى في وضع «الفلسفة الاجتماعية» في قالب علمي"!!

وهذا في الواقع تقويم ثمين وأمين من طه لكتاب «المقدمة»، وقد زكّتْه أحكام المؤرخين الأوروبيين من الغرب والشرق عليها كما مرَّ بنا في شهادة توينبي، وكما نرى في شهادة كبير المستشرقين الروس إغناطيوس كراتشكوفسكي (ت 1371هـ/1951م) الذي يقول -في كتابه ‘تاريخ الأدب الجغرافي العربي‘- عن ابن خلدون إن "«مقدمة» كتابه في التاريخ تستهدف وضع علم جديد في الحضارة البشرية، وتعرض لنا خلاصة لجميع معارف العصور السالفة في مختلف الميادين؛ وهي تعطي فكرةً جليّة عن المستوى الذي بلغه العلم في العالم الإسلامي في بداية القرن الخامس عشر (الميلادي/التاسع الهجري)، وذلك على يد واحد من أبرز علماء الإسلام، زِدْ على هذا أن ابن خلدون إنما يمثِّل -من ناحية أصله وسيرة حياته- مزيجاً طريفا لحضارة ذلك العصر".

ويصف المستشرق كراتشكوفسكي مكانةَ «المقدمة» في التراث الإسلامي قائلا إن فصولها "تمثل في مجموعها أثرا لا مثيل له، لا بالنسبة لعصره فحسب بل وبالنسبة للأدب العربي بأجمعه"!!

ثم خلَفَ من بعد طه خلْفٌ ذهبوا في إزرائهم بابن خلدون أن وصموا أسلوبه البياني -الذي صاغ به مقدمته- بالركاكة والتعقيد، بل واتهموه بسرقة أفكار غيره ورصّها في عشرات الفصول وكأنها بنات أفكاره!! ومن أبرز من أطلق هاتين التهمتين الدكتور علي سامي النَّشّار (ت 1400هـ/1980م) في مقدمة تحقيقه لكتاب «بدائع السلك في طبائع الملك» للقاضي المالكي شمس الدين ابن الأزرق الغِرْناطي (ت 896هـ/1491م).

أما أستاذ التاريخ الإسلامي الدكتور محمود إسماعيل فقد اتهمه -في دراسته الصاخبة: «نهاية أسطورة: نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل إخوان الصفا»- بالسطو على أفكار جماعة "إخوان الصفاء" الفلسفية التي يُرجّح أنها ظهرت بالعراق في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، ويعود أول ذكر لأسماء بعض رموزها إلى الأديب أبي حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ/1010م) الذي وصفها -في كتابه ‘الإمتاع والمؤانسة‘- بأنها "جماعة جامعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة".

لكن إسماعيل نفسه متهَم عند آخرين بـ"سرقة" فكرة هذا الاتهام ممن سبقه بالإشارة إلى العلاقة بين ما جاء به ابن خلدون وما قال به "إخوان الصفاء" وغيرهم من الفلاسفة المسلمين، ومن سبقه إلى ذكر تلك العلاقة المستشرقُ الروسي كراتشكوفسكي الذي يرى -في كتابه المذكور آنفاً- أن "ابن خلدون في تصنيفه للعلوم يفتقر إلى الأصالة، فهو تارة يسير على النمط اليوناني في صورته العربية، وطورا يتبع تصنيف «إخوان الصفاء»"؛ كما ورد هذا الاتهام أيضا عند المؤرخ التونسي محمد الطالبي (ت 1438هـ/2017م) الذي دوّن ذلك في كتاباته منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين.

صور من التاريخ الإسلامي

احتفاء متنوع
ورغم تيار الإزراء هذا؛ فإن مصر أقرّت عين ضيفها الخَلْدوني -في مرقده بـ"مقبرة الصوفية"- بتيار معاصر آخر أعجِب بتراثه إلى حد التصوف فيه أحيانا، فطفق يثني عليه ويشيد به وبمكانته بين أعلام العبقرية الإنسانية.

ومن أهم من تصدّر هذا الاتجاه المؤرخُ محمد عبد الله عنان؛ أولاً بترجمته رسالة صديقه طه حسين عن ابن خلدون إلى العربية سنة 1343هـ/1925م، ثم بتأليفه كتابه: «ابن خلدون: حياته وتراثه الفكري» سنة 1351هـ/1933م بمناسبة الذكرى المئوية الميلادية السادسة لميلاد ابن خلدون.

وقد تبعه في ذلك النهج دارسون كُثُر؛ كان في طليعتهم الدكتور عبد الرحمن بدوي كما رأينا في كتابه المذكور سابقا، والدكتور عبد الواحد وافي (ت 1412هـ/1991م) في كتابه «عبقريات ابن خلدون»، ومؤلفات أخرى له تناول فيها نظريات ابن خلدون وريادته العالمية في تأسيس علم الاجتماع، إضافة إلى تحقيقه الرائع لكتاب «المقدمة».

أما الاهتمام المصري الرسمي الحديث بابن خلدون؛ فقد كان أكبر مظاهره تنظيم أسابيع فكرية خاصة بسيرته ومسيرته في الجامعات المصرية وغيرها خلال العقود الثمانية الأخيرة، قُدمت فيها عشرات الدراسات والمناقشات عن حياته وتراثه ومكانته في حقول الفكر الإسلامي والعالمي، وأول تلك الأنشطة كان في سنة 1351هـ/1933م بمناسبة مئوية ميلاده، ثم في 1382هـ/1962م، وآخرها كان في 1427هـ/2006م إحياءً لذكرى مرور ستمئة سنة ميلادية على وفاة ابن خلدون في القاهرة. كما أصدرت السلطة المصرية -في العام ذاته- طابعا بريديا مصريا يحمل صورة متخيَّلة لشخصية ابن خلدون احتفاءً بذكراه.

ومهما كان الموقف من الانقسام العتيق والعتيد بين المصريين بشأن ابن خلدون ومكانته العلمية؛ فإن ذلك لا ينال من قيمة العِبرة الفريدة التي انطوت عليها استضافة القاهرة -طوال ربع قرن- لأحد رجال الإنسانية العظماء فكرا وأثرا، تلك العبرة العميقة التي أجاد التعبيرَ عنها المستشرقُ كراتشكوفسكي بقوله:

"ومن خلال سيرة حياة ابن خلدون نستطيع أن نتبيّن إلى أي حدٍّ ظلت الروابط الثقافية قائمة بين المغرب ومصر في القرن الخامس عشر (الميلادي/التاسع الهجري)، رغماً من انقسام العالم الإسلامي إلى عدد من الوحدات السياسية؛ ويبدو أنه كان باستطاعة العلماء أن ينتقلوا -دون أي جهد- من بلد إلى آخر، وأن يقيموا أمدا طويلا أو قصيرا في مختلف الأماكن دون الإحساس بتغيُّر كبير في الوسط" من حولهم.

فبالتأمل في تلك الأريحية الرحبة التي كانت عليها أقطارنا تجاه علمائنا ومفكّرينا إلى ما قبل أقل من قرن واحد؛ يتضح لنا عمق إشكال الانشغال اليوم بالتنازع في تحديد "جنسية" ابن خلدون وتابعيته القُطْرية، ذلك أن الرجل تتجاذبه دعاوى احتكار مواطنته من كل الأقطار التي توطّنها: تونس والجزائر والمغرب وحتى مصر المنقسمة عليه.

لكن هذه الدول كلها -كما يفعل غيرها من بقية أقطار الإسلام- تتنكّب الطريقَ القاصد للتوظيف الأكمل والأمثل لتراثه النهضوي ورؤيته الحضارية، وهما تراث ورؤية كانت تلك الأقطار الأربعة شركاء أصلاء في تشكُّلهما بلورةً وصياغةً.. إسهاماً وإلهاماً، ولا ريب أن انشغال أي قُطْر بكيفية الاستفادة المُثلى من ذخيرته المعرفية تلك أجدى وأحب إلى وليّ الدين ابن خلدون من الاحتكار المُرائي لانتمائه وولائه!!

المصدر : الجزيرة