مجلس الأمن القومي الأميركي هيئة تساعد الرئيس في السياسات الأمنية والخارجية

مجلس تابع للرئاسة الأميركية ويشكل جزءا من المكتب التنفيذي للولايات المتحدة، يرأسه رئيس الدولة ومهمته الرئيسية هي تقديم المشورة لرئيس البلاد في قضايا الأمن القومي وقضايا السياسة الخارجية، وتعدلت هيكلته ووظيفته مرارا لتناسب احتياجات وتوجهات الرؤساء المتعاقبين.
التأسيس
أنشئ مجلس الأمن القومي الأميركي بموجب قانون الأمن القومي رقم 253 في 26 يوليو/تموز 1947، وأدخلت عليه تعديلات عام 1949، ثم ألحق بالمكتب التنفيذي للرئيس الأميركي باعتباره جزءا من خطة إعادة الهيكلة.
وضم في البداية رئيس الدولة ووزيري الخارجية والدفاع، بهدف تنسيق السياسات الخارجية والدفاعية، والجمع بين الالتزامات والمتطلبات الدبلوماسية والعسكرية.
ونص القانون على تأسيس وزارة الدفاع وهيئة عسكرية وطنية ووكالة الاستخبارات المركزية ومجلس موارد الأمن القومي، لكن النظرة إلى المجلس باعتباره آلية لتنسيق الشؤون السياسية والعسكرية لم تدم طويلا، فأصبح يخدم الرئيس حصريا.
وبالمثل تراجع دوره بصفته هيئة تعاونية بين الوزارات، وتحول إلى أداة لتمكين الرؤساء من السيطرة على وزاراتهم المتنافسة وإدارتها.
الهيكلة
يرأس مجلس الأمن القومي رئيس الدولة الأميركية، ويتكون أعضاؤه من نائب الرئيس ووزراء الخارجية والمالية والدفاع ومساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي، ومن مستشارين في قطاعات معينة مثل المستشار العسكري ويمثله رئيس قادة الأركان المشتركة، ومستشار الاستخبارات ويمثله مدير الاستخبارات المركزية.
ويدعى بعض مستشاري الرئيس ومساعديه لحضور أي اجتماع للمجلس، وكذا كل من المدعي العام ومدير مكتب الإدارة والموازنة في الاجتماعات التي تتعلق بمسؤولياتهم.
وفي قضايا أخرى وبحسب الحاجة، يدعى رؤساء الإدارات والهيئات التنفيذية الأخرى، إضافة إلى كبار المسؤولين لحضور اجتماعات مجلس الأمن القومي.
المستشار العسكري القانوني للمجلس هو رئيس هيئة الأركان المشتركة، في حين يشغل منصب المستشار الاستخباراتي مدير الاستخبارات المركزية.
المهام
مجلس الأمن القومي هو الهيئة الأساسية التي يبحث فيها الرئيس مسائل الأمن القومي والسياسة الخارجية مع كبار مستشاريه للأمن القومي والمسؤولين الحكوميين.
ومنذ إنشائه إبان حكم الرئيس الأسبق هاري ترومان تحددت وظيفته في تقديم المشورة، واعتبر آلية لتنسيق السياسات الخارجية بين مختلف الوكالات، لكنه لم يلجأ إليه حتى وقوع الحرب الكورية ، ولجأ إليه باعتباره أداة تنظيمية لا مركزا لاتخاذ القرار.
يتولى مستشار الأمن القومي الدفاع عن سياسة الرئيس أمام الكونغرس في قضايا السياسة الخارجية، ويعود تاريخ إحداث هذا المنصب إلى عهد الرئيس دوايت آيزنهاور عام 1953، متجاوزا بذلك سلطة ووظيفة السكرتير التنفيذي، ويختار الرئيس بكل حرية مستشاره للأمن القومي لانعدام سلطة ورقابة الكونغرس عليه في هذه المسألة.
وتوسع دور مستشار الأمن القومي، ليصبح بمثابة المبعوث الشخصي للرئيس للوفود الأجنبية، الحريص على تطبيق قرارات الرئيس، مع تقديم النصيحة والمشورة له، ولذلك يختار الرئيس لهذا المنصب من يشاطره رؤيته ويتقارب مع أفكاره ويثق فيه.
ومن المهام الرئيسية التي يضطلع بها طاقم مجلس الأمن القومي:
- تقديم الاستشارات السياسية: وذلك بتزويد الرئيس بالمشورة السياسية المتخصصة في الشؤون الخارجية.
- تنسيق السياسات: إدارة عملية التنسيق بين مختلف الوكالات الحكومية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
- متابعة التنفيذ: مراقبة تنفيذ القرارات الرئاسية المتعلقة بالسياسة الخارجية.
- دعم إدارة الأزمات: تقديم المساعدة والدعم أثناء الأزمات التي تتطلب استجابة في السياسة الخارجية.
- دعم المفاوضات الدولية: توفير الدعم اللازم للمفاوضات التي يجريها الرئيس مع الدول الأجنبية.
- التواصل العام: عرض وتوضيح سياسات الرئيس الخارجية للجمهور الأميركي والعالمي.
- التنسيق التشريعي: تنسيق الجوانب التشريعية للسياسة الخارجية للرئيس وإبقاء الكونغرس على اطلاع بها.
- إدارة الفعاليات: تنظيم وإدارة الفعاليات المتعلقة بالسياسة الخارجية، بما في ذلك اجتماعات الرئيس مع قادة أجانب ورحلاته الدولية.
يلاحظ على عمل المجلس أن هيكلته غير منصوص عليها في قانون الكونغرس، وأن عمله واتخاذ القرار فيه تهيمن عليهما السرية، مما يجعل من الصعب تحديد دور المجلس وهيكلته بشكل دقيق، مع أن المجلس مؤسسة رئيسية في السلطة التنفيذية، ومكلف طبقا للقانون باتخاذ القرارات في القضايا المستجدة والراهنة.
محطات
ذكرت دراسة قارنت دور مجلس الأمن القومي الأميركي في السياسة الخارجية بين عهدي جورج بوش الابن وباراك أوباما، أن دور المجلس -الذي توسع نفوذه بعد الحرب الباردة– تراجع في عهد بوش الابن لصالح نائب الرئيس ديك تشيني ومجموعته من المحافظين الجدد.
لكن لجنة التحقيق حول هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، كشفت عيب هذا النهج في اتخاذ القرار بشكل دفع للتراجع عن تهميش مجلس الأمن القومي، وأصبح طرفا في صنع القرار.
وأصبح لكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي آنذاك مركز قوي ومكانة كبيرة لدى الرئيس جورج بوش الابن، لكن دون أن تزاحم مكانة ديك تشيني، أو وزير الدفاع آنذاك دونالد رمسفيلد، اللذين أربكا دور مجلس الأمن القومي، وتجاوزاه في كثير من القضايا.
وتم تهميش دور المجلس بعد انتقال رايس لمنصب وزيرة الخارجية، إذ فضل بوش النقاش المباشر مع أعضاء الوزارة، فقلت اجتماعات المجلس بشكل كبير.
أما في عهد أوباما فقد سعى لإعادة الاعتبار لمجلس الأمن القومي، فأوكل أمره لجيمس جونز ووسع دائرته وعضويته وسلطاته لأجل وضع إستراتيجيات لقضايا خارجية وداخلية، لتفادي ما حصل في عهد إدارة خلفه، وسعى أوباما لتفادي تداخل الصلاحيات بين الشخصيات القوية في إدارته بولايته الأولى.
لكن ظهرت في الولاية الثانية خلافات داخل فريقه الرئاسي بعد الربيع العربي، وتباينت وجهات النظر في التعامل مع ما جرى في مصر وسقوط نظام حسني مبارك مثالا، والموقف من جماعة الإخوان، إذ اختلفت وجهتا نظر مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، بين تشدد الأول ومرونة الثانية وواقعيتها في عهد جون كيري.
الدراسة نفسها سجلت دورا أكبر لمجلس الأمن القومي في ملف السياسة الخارجية على حساب فريق وزارة الخارجية، مشيرة إلى أن أفكار الرئيس أوباما وأطروحاته كان لها تأثير كبير على المجلس، كما في الانسحاب من العراق ورفض التدخل في سوريا.
وفي مايو/أيار 2025 أعلن الرئيس دونالد ترامب عقب توليه الرئاسة في ولايته الثانية تنفيذ عملية هيكلة جذرية للمجلس، تشمل تقليص عدد موظفيه إلى النصف تقريبا، ونقل كثير من صلاحياته إلى وزارتي الخارجية والدفاع.