باتريس لومومبا.. زعيم الوحدة الكونغولية وأيقونة التحرر في أفريقيا

Patrice Lumumba salue les photographes alors qu'il quitte l'aéroport d'Idlewild le 02 août 1960, pour se rendre à son hôtel de New York. Leader du Mouvement National Congolais, il fut le premier Premier ministre (1960) de la République démocratique du Congo, ancien Congo belge, rebaptisée Zaïre en 1971. Arrêté en novembre 1960 et destitué de son poste, il fut assassiné en janvier 1961. Patrice Lumuba salutes the photographers as he leaves the Idlewild airport 02 August 1960, to go to his hotel in New York. Leader of the Congolese national movement, he became the first Prime Minister (1960) of the new state Democatic Republic of the Congo, former Belgian Congo, renammed Zaïre in 1971. Arrested in November 1960 and deposed, he was assassinated in January 1961.
باتريس لومومبا أول رئيس وزراء لجمهورية زائير (الكونغو الديمقراطية فيما بعد) (غيتي)

زعيم سياسي كونغولي وأحد أبرز رموز التحرر الوطني في أفريقيا أواسط القرن العشرين. هو أول رئيس وزراء لجمهورية زائير (سميت الكونغو الديمقراطية فيما بعد) بعد نيلها الاستقلال عن الاستعمار البلجيكي سنة 1960. مثّل صوتا سياسيا جريئا عبّر عن تطلعات الكونغوليين إلى السيادة الكاملة والوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية، في سياق دولي اتسم باحتدام الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي إبان فترة الحرب الباردة.

وقد عاد اسم باتريس لومومبا إلى الواجهة مطلع يناير/كانون الثاني 2026، تزامنا مع بطولة كأس أفريقيا للأمم المقامة في المغرب، حين لفت المشجع الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا الأنظار بظهوره في مدرجات الملاعب مجسّدا شخصية لومومبا في هيئة تحاكي تمثاله الشهير، من حيث الوقفة واللباس والرمزية.

واعتبر متتبعون أن هذا الحضور ليس مجرد تعبير تشجيعي عابر، بل هو موقف يحمل دلالات ثقافية وتاريخية عميقة، تعكس استمرار حضور لومومبا في الذاكرة الجماعية الأفريقية بوصفه رمزا للتحرر والكرامة والوحدة الوطنية.

المولد والنشأة

وُلد باتريس إيميري لومومبا في 2 يوليو/تموز 1925 بقرية أونالوا في شمال شرقي إقليم كاساي بالكونغو، التي كانت آنذاك مستعمرة بلجيكية. نشأ في أسرة بسيطة ضمن بيئة ريفية متواضعة، وعاش طفولة صعبة في ظل انتشار مظاهر التمييز والاستغلال الاستعماري، مما أثر في وعيه السياسي وشكل شخصيته الوطنية، وأسهم في تكوين موقفه الرافض للهيمنة الأجنبية.

الدراسة والتكوين العلمي

التحق لومومبا في طفولته بمدارس دينية مسيحية، كان يديرها مبشرون بيض، ورغم ضعف الإمكانات التعليمية وقلة الكتب والمستلزمات، أظهر تفوقا دراسيا ملحوظا لفت به أنظار معلميه إلى ذكائه الحاد وسرعة بديهته، فقدموا له الدعم وأعاروه كتبهم الخاصة، التي استفاد منها في توسيع معرفته وفهمه، فانطلقت مسيرته في التثقيف الذاتي بشكل عصامي، وانفتح فيها على اللغة الفرنسية والفكر وعلم السياسة.

المسيرة المهنية

بدأ لومومبا حياته المهنية في وظائف إدارية، إذ التحق عام 1954 بسلك العمل المدني موظفا بمكتب البريد في مدينة ستانليفيل، والتي تغير اسمها لاحقا إلى "كيسانغاني"، حيث أسّس نقابة للعمال مستفيدا من دعم بعض أعضاء الحزب الليبرالي البلجيكي المحلي.

كما شغل وظيفة مدير المبيعات في شركة خاصة، مكنته من الانتقال إلى العاصمة ليوبولدفيل (سميت كينشاسا لاحقا)، مما سمح له بالانخراط في العمل السياسي والمساهمة في تأسيس حزب الحركة الوطنية الكونغولية عام 1958، والذي كان ينادي بالوحدة الوطنية وتجاوز الانقسامات العرقية والإقليمية.

إعلان

علاوة على ذلك مارس باتريس لومومبا نشاطا إعلاميا محدودا عبر كتابة مقالات ونشرات نقابية تناولت قضايا العمال والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، واعتبرها وسيلة لتثقيف الرأي العام وتعزيز وعي المجتمع.

Patrice Lumumba, centre, and supporters on September 7, 1960, in Leopoldville, Congo [File: AP Photo]
لومومبا (وسط) انتهج أيديولوجيا وطنية تحررية ارتكزت على تبني خطابٍ معادٍ للهيمنة الاستعمارية الأوروبية (أسوشيتد برس)

النهج الأيديولوجي

انتهج لومومبا أيديولوجيا وطنية تحررية ارتكزت على وحدة الكونغو ورفض الانقسامات العرقية أو الإقليمية، وتبنى وفقا لذلك خطابا معاديا للهيمنة الاستعمارية الأوروبية ومؤمنا بسيادة بلاده الكاملة.

ورغم أنه لم يكن شيوعيا، لجأ لومومبا إبان الحرب الباردة إلى الاتحاد السوفياتي للحصول على دعم سياسي وعسكري لمواجهة الانفصالات الإقليمية، بعدما خاب أمله في الأمم المتحدة، التي رفضت طلب المساعدة واكتفت بالتزام الحياد ورفضت التدخل عسكريا ضد الانفصاليين.

المسار النضالي السياسي قبل الاستقلال

برز باتريس لومومبا في أواخر خمسينيات القرن العشرين ضمن القادة الوطنيين الأكثر تأثيرا في الكونغو، حين عمل تدريجيا على تحويل نشاطه المهني النقابي إلى فعل سياسي منظّم بهدف إنهاء الحكم الاستعماري البلجيكي.

في عام 1958 ساهم في تأسيس حزب الحركة الوطنية الكونغولية، الذي نهج سبيلا مختلفا عن الأحزاب الأخرى التي نشأت في تلك الفترة، عندما سعى إلى تجاوز الانقسامات العرقية والإقليمية ليصبح حركة وطنية شاملة تمثّل كل الكونغوليين.

تميزت الحركة التي قادها لومومبا بوحدة رؤيتها وتركيزها على التحرر الوطني والاستقلال الكامل للكونغو، بعيدا عن الانتماءات القبلية التي هيمنت كثيرا على السياسة المحلية إبان تلك المرحلة. وقد استغل مهارته في التعبير والخطابة في بناء قاعدة شعبية واسعة، مما جعله مؤثرا في جماهير الشباب والعمال، خاصة في المدن الكبرى مثل ستانليفيل وليوبولدفيل.

شكلت سنة 1959 نقطة محورية في مسيرته السياسية، إذ شارك في مؤتمر لولوابورغ الذي جمع مجموعات سياسية مؤيدة لوحدة البلاد، وبرز متحدثا رئيسيا يعكس روح الوحدة الوطنية. وفي خضم التحولات وتصاعد نسبة الوعي السياسي العام في البلاد، ظهر انقسام في حزب الحركة الوطنية الكونغولية في يوليو/تموز 1959، إذ برز جناح "معتدل" بقيادة بعض المؤسسين وآخر "تقدمي راديكالي" بقيادة لومومبا.

وفي هذه المرحلة كان نشاطه لا يقتصر على الخطابات والاجتماعات السياسية فقط، بل شمل تنظيم الجماهير وزيادة الوعي الشعبي ضد الاستعمار، وهو ما دفع السلطات البلجيكية إلى اعتقاله بتهمة التحريض أثناء احتجاجات شعبية في أكتوبر/تشرين الأول 1959، وصدر بحقه حكم بالسجن.

أفرجت عنه السلطات البلجيكية في يناير/كانون الثاني 1960 من أجل تمكينه من المشاركة في مؤتمر الطاولة المستديرة في بروكسل (يناير/كانون الثاني – فبراير/شباط 1960)، وهو المؤتمر الذي جمع القادة الكونغوليين بالمسؤولين البلجيكيين وأسفر عن الاتفاق على جدول زمني مهد لاستقلال الكونغو في 30 يونيو/حزيران 1960.

المناصب والمسؤوليات

عقب انتخابات مايو/أيار 1960، حصد حزب لومومبا أكبر عدد من المقاعد في الجمعية الوطنية، كما فاز أعضاؤه بمناصب مهمة في بعض الحكومات الإقليمية، مما أهّله لتشكيل الحكومة وتولي منصب رئيس وزراء بلاده في 30 يونيو/حزيران 1960، موازاة مع توليه وزارة الدفاع.

إعلان

في غضون فترة وجيزة، واجه لومومبا سلسلة من الأزمات الحادة، تمثلت أساسا في تمرد الجيش وانفصال إقليمي كاتانغا وكاساي الجنوبية، علاوة على بروز صراع على الصلاحيات مع الرئيس كاسافوبو.

ولمواجهة الانفصال لجأ لومومبا أولا إلى الأمم المتحدة طلبا للدعم، إلا أن المنظمة رفضت استخدام القوة ضد الانفصاليين وتبنت موقفا حياديا من الأزمة، فتوّجه بعدها إلى الاتحاد السوفياتي لطلب المساندة السياسية والعسكرية.

أدت هذه الأزمات في النهاية إلى عزله والإطاحة به سياسيا، ودخلت البلاد في مرحلة من الفوضى والانقسامات الإقليمية.

Patrice Lumumba in Mr. Anicet Kashamura's house at Leopoldville, Congo on Sunday, Oct. 9, 1960. (AP Photo/H. Babout)
لومومبا تمحور خطابه ونهجه السياسي حول توحيد المكونات العرقية والإقليمية داخل الكونغو (أسوشيتد برس)

دوره في حركات التحرر في أفريقيا

في ديسمبر/كانون الأول 1958، وقبيل استقلال الكونغو، شارك باتريس لومومبا في مؤتمر الشعوب الأفريقية الذي انعقد في أكرا عاصمة غانا، وجمع قادة وزعماء حركات التحرر من مختلف أنحاء القارة، من بينها مصر والمغرب وتونس وليبيا. وقد شكّل هذا المؤتمر محطة محورية لتبادل الرؤى بين الحركات الوطنية الأفريقية، ومناسبة لتعزيز مبادئ الوحدة القارية ومناهضة الاستعمار، وهي الأفكار التي تأثر بها لومومبا بعمق وانعكست في مشروعه السياسي لاحقا.

وتمحور خطاب لومومبا ونهجه السياسي حول توحيد المكونات العرقية والإقليمية داخل الكونغو، في تجاوز واضح لمنطق الانقسامات الداخلية التي غذّاها الاستعمار، وهو توجه انسجم مع روح القومية الأفريقية الصاعدة آنذاك، وجعل من تجربته نموذجا مبكرا للسعي إلى بناء دولة وطنية جامعة ضمن أفق أفريقي أوسع.

ويعد استقلال جمهورية زائير سنة 1960 أحد أبرز إنجازات حركات التحرر في أفريقيا، نظرا لاتساع رقعة البلاد وغناها بالموارد الطبيعية، فضلا عن خضوعها لسيطرة بلجيكية مباشرة وصارمة. وفي هذا السياق، خلّف خطاب لومومبا في يوم الاستقلال أثرا بالغا، حين وصف الكفاح ضد الاستعمار بمعركة لتحرير الكرامة الإنسانية من العبودية المفروضة بالقوة، وهو خطاب وجد صداه لدى العديد من الحركات المناهضة للاستعمار في القارة بأكملها.

غير أن هذا التوجّه التحرري أثار قلق قوى دولية كبرى، إذ تشير مصادر تاريخية متعددة إلى أن الولايات المتحدة، في سياق الحرب الباردة، ساندت تحركات هدفت إلى إضعاف لومومبا والإطاحة به، خشية امتداد تأثيره السياسي في أفريقيا وتقاربه المحتمل مع المعسكر الشرقي.

تحوّل باتريس لومومبا بعد اغتياله إلى أيقونة للتحرر ومناهضة الاستعمار في أفريقيا والعالم الثالث، واستُحضرت ذكراه في الخطاب السياسي في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بوصفه رمزا لرفض الهيمنة الأجنبية والنضال من أجل السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية.

Patrice Lumumba speaks at the Senate meeting opposing him to Justin Bomboko at Leopoldville, Congo on September 10, 1960. He was victorious that day as well as the day before, and got 41 votes to two. (AP Photo/H. Babout)
لومومبا (وسط) اغتيل رميا بالرصاص مع اثنين من رفاقه في يناير/كانون الثاني 1961 (أسوشيتد برس)

عملية اغتياله وتداعياتها

في ديسمبر/كانون الأول 1960، وأثناء محاولته الوصول إلى أنصاره في شرق الكونغو، اعتُقل باتريس لومومبا على يد جنود من الجيش الوطني الكونغولي الموالين للعقيد جوزيف موبوتو، الذي نفّذ انقلابا عسكريا في سبتمبر/أيلول 1960 وأطاح بحكومته.

نُقل لومومبا إلى معسكر للجيش في ثيسفيل، ثم إلى إليزابيثفيل، عاصمة إقليم كاتانغا الانفصالي في 18 يناير/كانون الثاني 1961. وهناك اختطفه مسؤولون محليون من حكومة كاتانغا بمشاركة مرتزقة أجانب وقتلوه رميا بالرصاص مع اثنين من رفاقه، في حادثة شكلت صدمة على المستوى الوطني والدولي.

حاولت سلطات إقليم كاتانغا الانفصالي التستر على عملية اغتيال باتريس لومومبا، إذ أخفت جثته وطمست معالمها، في محاولة لتجنب تداعياتها المحلية والدولية، غير أن الحادثة أثارت ردود فعل قوية على المستوى الدولي، فدفعت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاحقا إلى السماح باستخدام القوة لاستعادة النظام في المناطق المنفصلة.

إعلان

وساهمت تلك التدخلات في إعادة الحكومة المدنية المركزية وإنهاء الانفصالات الإقليمية، مما عكس مدى الأثر السياسي والرمزي لاغتيال لومومبا على مستقبل الدولة الكونغولية الفتية آنذاك واستقرارها.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان