مدينة الحديدة اليمنية.. ملتقى التجارة والتاريخ والصراع

Aerial cityscape view to Hudaydah city at Yemen
مدينة الحديدة تفصلها عن العاصمة صنعاء مسافة تقدر بنحو 226 كيلومترا (غيتي)

مدينة يمنية تقع على الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، وهي مركز محافظة الحديدة، وتُعد أحد أبرز المراكز التجارية في البلاد. أنشئت في القرن الثامن الهجري، وازدهرت منذ العهد العثماني، إذ أدى ميناؤها دورا محوريا في حركة التجارة وإيصال المساعدات في أثناء الأزمات.

تصاعدت أهميتها بعد سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) عليها عام 2014، وأصبحت ساحة للصراع. وتعرضت منذ فبراير/شباط 2023 لسلسلة هجمات جوية إسرائيلية على خلفية إطلاق الحوثيين حملة استهدفت السفن الإسرائيلية والقطع البحرية القادمة من ميناء إيلات أو المتجهة إليه.

الموقع

تقع مدينة الحديدة غرب الجمهورية اليمنية على الشريط الساحلي الغربي المطل على البحر الأحمر، وهي مركز محافظة الحديدة. وتفصلها عن العاصمة صنعاء مسافة تقدر بنحو 226 كيلومترا.

تمتد المدينة على الشريط الساحلي بين خطي الطول 42 و43 شرق غرينتش وبين دائرتي العرض 14 و16 شمال خط الاستواء. وتبلغ مساحتها نحو 13 ألفا و500 كيلومتر مربع ضمن مساحة المحافظة البالغة نحو 117 ألف كيلومتر مربع.

إسرائيل تشن غارة على الحديدة في اليمن

الجغرافيا

تقع الحديدة ضمن سهل تهامة الساحلي، الذي يمتد على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ويشمل أجزاء من غرب السعودية واليمن وإريتريا.

وتتموضع المدينة ضمن نطاق تحده عدد من المدن، منها إب وذمار وصنعاء ويريم والمحويت وحجة من الجهة الشمالية الشرقية، ومدينة تعز من الجهة الجنوبية والبحر الأحمر من الجهة الغربية.

ويُعد مناخ الحديدة استوائيا، إذ تتجاوز درجات الحرارة فيها بعض الأحيان نحو 45 درجة مئوية، ويصل متوسط هطول الأمطار السنوي إلى نحو 130 مليمترا، وتتعرض المدينة لعديد من العواصف الغزيرة غير المنتظمة.

سبب التسمية

تتعدد الروايات حول سبب تسمية مدينة الحُدَيدَة بهذا الاسم، وتشير إحدى الروايات إلى أن الاسم يعود إلى سيدة مسنة تُدعى "حُديدة" كانت تملك قهوة أو استراحة يأوي إليها الصيادون والمسافرون ومرتادو المنطقة، فبدأ الناس يستقرون حول استراحتها حتى اشتهر المكان باسمها.

في حين تقول رواية أخرى إن الاسم مشتق من كلمة "الحديد"، نسبة إلى وجود مناجم حديد في المنطقة التي كانت تشتهر بتجارته في مراحل تاريخية قديمة.

السكان

يشكل سكان محافظة الحديدة نحو 11% من إجمالي سكان اليمن، وتُعد المحافظة الثانية من ناحية الكثافة السكانية على مستوى البلاد.

إعلان

وتتكون التركيبة السكانية من أعراق متعددة، تشمل العرب والإثيوبيين والإيرانيين والهنود والأوروبيين، ويقدر عدد سكان المحافظة بأكثر من 3 ملايين نسمة، حسب تقديرات حكومية.

أما سكان مدينة الحديدة نفسها، فتشير بعض المصادر إلى أن عددهم يبلغ نحو 400 ألف نسمة أي ما يعادل نحو 13% من إجمالي سكان المحافظة.

Hodeida, Yemen - 03 Jan 2013: The street in Hodeida, Red Sea, Bab El Mande, Yemen
مدينة الحديدة يعود تاريخ تأسيسها إلى بدايات القرن الثامن الهجري وكانت تُعرف باسم "المرسى الحديث" (غيتي)

التاريخ

يعود تاريخ تأسيس مدينة الحديدة إلى بدايات القرن الثامن الهجري، وكانت تُعرف قديما باسم "المرسى الحديث"، وهو الاسم الذي ورد في بعض المصادر التاريخية، منها كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار" للرحالة ابن بطوطة.

أما أقدم ذكر موثق للحديدة وساحلها، فيرجع إلى نهاية القرن الثامن الهجري، إذ أورد المؤرخ علي بن حسن الخزرجي في كتابه "العقود اللؤلؤية" أن الشيخ صالح المكي استقر في المنطقة بعدما حادت الرياح بمركبه عن مساره وألقته على ساحل المدينة، وهو الساحل الذي وصفه الخزرجي بأنه أحد سواحل وادي سهام.

وقد تعرضت المدينة لحملات أجنبية عدة، وسعى البرتغاليون والإنجليز إلى السيطرة عليها، لكن سكانها تصدوا لتلك المحاولات خصوصا في عهد السلطان عامر بن عبد الوهاب الطاهري عام 1514.

وفي القرن الـ17 الميلادي، أصبحت الحديدة ثاني أهم الموانئ التجارية اليمنية بعد ميناء المخا، وكانت تنطلق منها سفن التجارة والحج، كما ضمت أساطيل حربية تابعة للدولة العثمانية، وتم عبرها تصدير جزء من منتجات البن القادمة من مدينة بيت الفقيه.

وفي عام 1848، أصبحت الحديدة قاعدة للعثمانيين ومنطلقا لتحركاتهم نحو صنعاء، وتحولت إلى مركز إداري مهم، إذ كان يقيم الوالي العثماني في القشلة وهي قلعة مكونة من عدد من المباني المحاطة بسور تتخلله أبراج متعددة الطوابق كان يستخدمها الجنود في صد أي هجوم معاد.

وازدادت أهمية الحديدة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، إذ بلغ عدد السفن التجارية التي كانت تصل إلى المدينة نحو 80 سفينة في الأسبوع.

وفي عام 1918، احتلت مدينة الحديدة قوة بريطانية، ثم سلمتها بريطانيا عام 1923 إلى محمد بن علي الإدريسي مؤسس دولة الأدارسة في تهامة، قبل أن يتمكن الإمام يحيى بن حميد الدين من السيطرة عليها في العام نفسه.

وفي 26 سبتمبر/أيلول 1962، اندلعت ثورة ضد حكم الأئمة الزيديين شارك فيها أبناء تهامة، وكانت الحديدة آنذاك معبرا مهما للقوات التي أرسلها الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى صنعاء لدعم الثورة.

Hodeida, Yemen - 03 Jan 2013: The street in Hodeida, Red Sea, Bab El Mande, Yemen
مدينة الحديدة أصبحت عام 1848 قاعدة للعثمانيين ومنطلقا لتحركاتهم نحو العاصمة صنعاء (غيتي)

وقد أنشئ ميناء الحديدة عام 1961 بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي، وحظي باهتمام كبير من القيادة السياسية بعد اندلاع الثورة اليمنية، إذ جرى تطويره وتوسيعه حتى صار أهم الموانئ اليمنية بعد ميناء عدن.

ومن العوامل الأخرى التي أسهمت في تطوير المدينة افتتاح طريق الحديدة-صنعاء عام 1961، الذي أنشأه مهندسون صينيون. كما شُق طريق آخر يربط المدينة بتعز، ونفّذ بمساهمة مهندسين سوفيات وألمان.

إعلان

وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2014، سيطرت جماعة الحوثيين على مدينة الحديدة، بعد أقل من شهر على سيطرتهم على العاصمة صنعاء.

وفي مارس/آذار 2015، أعلن الحوثيون توصلهم إلى اتفاق مع إيران يقضي بتوسعة ميناء الحديدة، الذي استمر الصراع عليه لاحقا بسبب أهميته الإستراتيجية.

وقد احتدم الصراع في المدينة عام 2018، وحذر حينئذ متحدث باسم مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني فيها.

وتعرضت مدينة الحديدة لهجمات جوية إسرائيلية أميركية بعد أن أطلقت جماعة الحوثيين عام 2023 حملة استهدفت السفن الإسرائيلية والقطع البحرية القادمة من ميناء إيلات أو المتجهة إليه، ردا على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عقب عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وردا على هذه العمليات، شنت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية استهدفت منشآت حيوية في مناطق سيطرة الجماعة، من بينها ميناء الحديدة.

وفي السابع من يوليو/تموز 2025، شن سلاح الجو الإسرائيلي هجوما على مدينة الحديدة أطلق عليه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس اسم "عملية الراية السوداء"، وقال إن الغارات استهدفت "أهدافا إرهابية في موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى ومحطة رأس الخطيب للطاقة".

 

إحدى الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مدينة الحديدة وميناءها في يوليو/تموز 2024 (رويترز)

أبرز المعالم

تضم مدينة الحديدة عديدا من المعالم السياحية والتاريخية البارزة من أهمها:

  • ميناء الحديدة

أحد أبرز الموانئ اليمنية المطلة على البحر الأحمر، وهو الشريان الرئيس لدخول المساعدات الإنسانية والبضائع إلى البلاد. يحتل مركزا مهما في محافظة الحديدة وما حولها، نظرا لاستقباله شتى الواردات إلى جانب سفن الركاب والسياحة.

أنشئ الميناء عام 1961 في منتصف الساحل الغربي لليمن، بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي، وبدأ بـ3 أرصفة إجمالي طولها 410 أمتار، وبعمق 8 أمتار. وقد حظي باهتمام كبير من القيادة السياسية بعد اندلاع الثورة اليمنية عام 1962، إذ جرى العمل على تطويره وتوسيعه.

وبحلول عام 2014، أصبح الميناء يضم 8 أرصفة و12 مستودعا مخصصة لتخزين وحفظ البضائع التي لا تتحمل حرارة الشمس والرطوبة، ويعد ثاني أهم ميناء تجاري في اليمن بعد ميناء عدن.

وقد برزت أهمية الميناء منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، باعتباره المعبر الرئيسي للمساعدات الإنسانية، وسيطرت عليه جماعة أنصار الله (الحوثيون) منذ ذلك الحين.

وفي أعقاب الهجمات التي نفذتها الجماعة ضد إسرائيل (2024-2025)، مستهدفة مطار بن غوريون ومنشآت حيوية أخرى، شنت المقاتلات الإسرائيلية غارات جوية عدة على ميناء الحديدة.

  • قلعة الكورنيش

تُعد من أبرز المعالم الأثرية في مدينة الحديدة، وتقع جنوب الميناء القديم على تل مرتفع يطل على البحر. بنيت القلعة عام 1538 أثناء فترة الحكم العثماني في اليمن، وكانت تستخدم منشأة دفاعية لحماية المدينة.

وفي فترات لاحقة، تحولت القلعة إلى سجن في نهاية الحكم العثماني، ثم استخدمت في عهد الأئمة الزيديين لأغراض مشابهة، قبل أن تتحول إلى مقر حكومي. وتضم القلعة متحفا يحتوي على تحف وآثار شعبية.

Hodeida, Yemen - 04 Jan 2013: The fishmarket in Hodeida, Red Sea, Bab El Mande, Yemen
الحديدة تنشط بشكل كبير في مجال الصيد البحري نظرا لامتدادها على شريط ساحلي غني بأنواع مختلفة من الأسماك (غيتي)

الاقتصاد

تُعد الزراعة النشاط الاقتصادي الرئيسي لسكان الحديدة، الذين يتركز معظمهم في المناطق الريفية. وتحتل المحافظة المرتبة الأولى بين محافظات اليمن في إنتاج المحاصيل الزراعية، مثل الخضروات والفواكه والأعلاف والقطن.

كما تشتهر بتجارة البن والمواشي والجلود إلى جانب نشاطها الكبير في مجال الصيد البحري، نظرا لامتدادها على شريط ساحلي غني بأنواع مختلفة من الأسماك.

وتشمل الواردات التي تصل عبر ميناء الحديدة المواد الخام والمصنعة والمعادن والسلع الاستهلاكية. وتوجد في المدينة بعض المصانع الصغيرة، منها مصنع لحلج القطن ومصانع عدة لإنتاج المشروبات الغازية.

إعلان

ومن أبرز المعادن الموجودة في محافظة الحديدة الغرانيت، والرمال السوداء، وبعض المواد الخام المستخدمة في صناعة الأصباغ والسيراميك.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان