شيكاغو مدينة أميركية ولدتها قناة بين بحيرة ونهر

Drone,Photograph,Of,Chicago,River,And,Outer,Drive
نهر شيكاغو يعبر وسط المدينةويقسمها إلى شطرين (شترستوك)

شيكاغو ثالث أكبر مدينة في الولايات المتحدة الأميركية وتقع في شمال البلاد. يعود تاريخ نشأتها إلى ثلاثينيات القرن التاسع عشر. شهدت أحداثا تاريخية بارزة من بينها الحريق الهائل عام 1871، الذي دمر 17450 مبنى، وشرد نحو 100 ألف شخص.

وعرفت عام 1886 انفجار قنبلة أثناء احتجاجات ومواجهات عنيفة بين العمال المضربين وقوات الأمن، وسميت الحادثة بـ"قضية هايماركت"، كما أن تنظيمها المعرض الكولومبي عام 1893 أكسبها شهرة واسعة.

الموقع

تقع مدينة شيكاغو شمال شرق ولاية إلينوي الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي لبحيرة ميشيغان، وهي أكبر البحيرات العذبة في أميركا الشمالية.

تأتي المدينة في المرتبة الثالثة بين أكبر المدن الأميركية من حيث عدد السكان بعد مدينتي لوس أنجلوس ونيويورك.

تمتد المدينة الحضرية المعروفة باسم "شيكاغو لاند" إلى جنوب شرق ولاية ويسكونسن وإلى شمال غرب ولاية إنديانا.

كما أن وجودها على الطرف الجنوبي الغربي لبحيرة ميشيغان يجعلها موقعا رئيسيا مهما للنقل والتجارة، وتتربع على مساحة تقدر بحوالي 606 كيلومتر مربع.

Chicago, Il USA July 13, 2024 Crowds of tourists in downtown Chicago by The Bean, Cloud Gate on a summer day
شيكاغو ثالث أكبر مدينة في الولايات المتحدة الأميركية (شترستوك)

المناخ

يتميز طقس المدينة بالتغير السريع بسبب تأثير الرياح القادمة من المناطق الباردة وتصادمها مع بحيرة ميشيغان.

يكون الشتاء فيها باردا، إذ تصل درجات الحرارة في شهر يناير/كانون الثاني إلى 2- درجة مئوية.

أما الصيف فيكون دافئا ومعتدلا مع درجة حرارة تصل إلى 24 درجة مئوية في شهر يوليو/تموز.

السكان

يقدر عدد سكان مدينة شيكاغو بحسب صحيفة شيكاغو تريبون نقلا عن تقديرات مكتب الإحصاء الأميركي بنحو 2.664.452 نسمة حتى تاريخ 1 يوليو/تموز 2023.

وتشير هذه التقديرات إلى أن المدينة فقدت نحو 81 ألف شخص، أي ما يعادل 3% من سكانها، مقارنة بعدد السكان المقدر في 1 أبريل/نيسان 2020.

ناطحات السحاب شيكاغو
أول ناطحة سحاب في العالم بنيت في شيكاغو عام 1884 (غيتي)

ورغم هذا الانخفاض فإن شيكاغو احتفظت بترتيبها ثالث أكبر مدينة من حيث عدد السكان في الولايات المتحدة، وتقدمت على مدينة هيوستن، التي جاءت في الرتبة الرابعة.

وبحلول عام 2024 بلغ عدد سكان شيكاغو 2.721.308 نسمة، وتعتمد هذه التقديرات على معدل نمو سنوي يبلغ 0.8%، وهو المعدل نفسه الذي شهدته المدينة بين عامي 2023 و2024.

إعلان

ووفق برنامج تقديرات السكان الصادر عن مكتب الإحصاء الأميركي، فإن عدد سكان مدينة شيكاغو عام 2025 يقدر بحوالي 2.743.654 نسمة.

ومن حيث التركيب العرقي والإثني يمثل البيض النسبة الأكبر في المدينة، وتقدر بـ32.2%، يليهم الأميركيون من أصل لاتيني بنسبة 29.6%، ثم الأميركيون من أصول أفريقية بنسبة 28%.

ومن الناحية الاقتصادية فقد بلغ متوسط دخل الأسرة في المدينة عام 2023 حوالي 75134 دولارا، وهو دخل عال مقارنة بدخل سكان مدن أميركية أخرى، ومع ذلك يعيش حوالي 13% من العائلات في شيكاغو تحت خط الفقر.

ويبلغ متوسط عمر سكان المدينة حوالي 35.7 سنة، ما يعكس وجود جيل شاب نسبيا في المجتمع.

التاريخ والنشأة

بين عامي 1833 و1848 بدأت ملامح المدينة تتشكل مع ظهور فكرة إنشاء قناة إلينوي وميشيغان، التي تربط بين بحيرة ميشيغان ونهر إلينوي، وتكون ممرا مائيا يربط بين الشرق الأميركي وغربه.

ورغم أن إنشاء القناة استغرق قرابة 25 عاما من التخطيط والتمويل والبناء، فإن الفكرة بحد ذاتها كانت كافية لجذب المستوطنين والمستثمرين، خاصة من منطقة نيو إنغلاند ونيويورك، والذين جلبوا خبرتهم التجارية ورؤوس أموال كافية لبناء مدينة ناشئة.

في تلك المرحلة كانت علاقة شيكاغو الاقتصادية ترتبط أساسا بالولايات الشمالية الشرقية، وكانت معظم تنقلات سكانها تتم عبر بحيرة ميشيغان أو برا عبر جنوب ميشيغان وشمال إنديانا.

أما سياسيا فكانت السلطة التشريعية في الولاية ترتكز في ولايات الجنوب، مما خلف علاقة غير متوازنة بين الشمال "المزدهر" والجنوب "المتحكم به سياسيا".

في تلك الفترة كانت السلطة السياسية مرتكزة في المناطق الجنوبية لولاية إلينوي، ولم تدرك كيف سيؤدي إنشاء القناة إلى انحياز المكاسب نحو شيكاغو والشمال.

لكن الشخصيات السياسية في الجنوب مثل أبراهام لينكولن دعمت المشروع ظنا منها أن الفائدة ستوزع على كل الولاية، ولم تعلم حجم النمو الذي ستشهده شيكاغو بعد تأسيس القناة.

قناة ميشيغان

وفي عام 1848 دخلت المدينة مرحلة مفصلية من تاريخها، فقد افتتحت أخيرا قناة إلينوي وميشيغان، وتزامن ذلك مع بدء تشغيل أول خط للسكة الحديدية يصل إلى المدينة.

وبعد فتح القناة بدأت شيكاغو تكبر وتنمو بسرعة، وأصبحت مركزا تجاريا واقتصاديا ضخما، بينما بقيت مناطق جنوب الولاية، وخاصة الريفية والزراعية، أقل تطورا، مما أورث انقساما بين الشمال و"الداونستيت".

كانت عشرات المباني الخشبية تبنى يوميا، وفي الوقت نفسه بنيت مبان أنيقة مثل دار القضاء ومكتب البريد وكنائس عدة بتصاميم معمارية مستوحاة من مدن الساحل الشرقي.

وقد مولت الحكومة الفدرالية مشاريع البنية التحتية مثل تعديل مجرى نهر شيكاغو، وهو ما أسهم في دعم النمو السريع للمدينة.

وجلب ربط المدينة بالمناطق الزراعية كميات كبيرة من المحاصيل مثل القمح والذرة إليها، وقاد هذا الزخم إلى تأسيس بورصة شيكاغو التجارية التي طورت لاحقا نظام العقود المستقبلية.

وعلى مدار خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر أدت السكك الحديدية إلى طفرة غير مسبوقة في مكانة المدينة، ووضعتها في مصاف المدن الكبرى.

إعلان

وأصبحت شيكاغو مركزا رئيسيا لشبكات السكك الحديدية الوطنية، مما منحها مكانة تنافسية على حساب مدن مثل سانت لويس وإنديانا بوليس وسينسيناتي.

وفي عام 1890 أعلنت شيكاغو ثاني أكبر مدينة أميركية بعد نيويورك، وهو ما عكس بوضوح صعودها الاقتصادي والاجتماعي، وأسهمت التوسعات الإدارية عبر ضم البلدات المجاورة في تعزيز النمو السكاني الكبير.

وقد مهد ذلك الطريق أمامها لاستضافة المعرض الكولومبي العالمي عام 1893، والذي كان نجاحها في تنظيمه شهادة نجاح عالمية ودليل على تفوقها مقارنة بنيويورك المنافسة لها.

حريق شيكاغو الهائل

جاء حريق شيكاغو الكبير في أكتوبر/تشرين الأول 1871 ليشكل نقطة انعطاف ملحوظة في مسار تطورها الحضاري، فقد أدى إلى تدمير مساحة تزيد عن 9 كيلومترات مربعة من المدينة.

واحترق أكثر من 17540 مبنى وشرد ما يقارب 100 ألف شخص من بيوتهم، كما أودى الحريق بحياة نحو 300 شخص.

ومن بين المباني التي دمرت كان مبنى المحكمة ومكتبة شيكاغو العامة وعدد كبير من المنشآت التجارية والمنازل، وقدرت الخسائر المادية بـ200 مليون دولار.

وقد تسببت هذه الكارثة في شل الاقتصاد المحلي بشكل مؤقت، ولكنها في الوقت نفسه كانت بداية لتحول كبير في تاريخ المدينة، فقد استغل السكان الفرصة وأعادوا بناء مدينتهم على أسس حديثة رغم الخسائر الكبيرة.

وبدعم من السلطات شرع رجال الأعمال والمخططون المعماريون في تشييد ناطحات سحاب اعتمد بناؤها على الحجر والحديد، وأصبحت لاحقا علامة مميزة للمدينة.

إلى جانب ذلك بدأت المدينة تولي اهتماما بالغا ومتزايدا بالثقافة والمعرفة، وأنشئت مؤسسات رائدة مثل مكتبة نيوبيري عام 1887 وأوركسترا شيكاغو السيمفونية عام 1890، وجامعة شيكاغو عام 1892 ومتحف فيلد عام 1894.

قضية هايماركت

ورغم هذا التقدم ظلت المدينة تعاني من فوارق اجتماعية صارخة، فقد كان اقتصادها يعتمد على أعداد هائلة من العمال ذوي الأجور المنخفضة الذين يعملون في ظروف قاسية وغير آمنة.

أشعل هذا الوضع توترات اجتماعية حادة، ففي 3 مايو/أيار 1886 اندلعت أعمال عنف أثناء احتجاجات العمال المضربين وعناصر الشرطة عام 1886، فقد كان التجمع في البداية سلميا، إذ حضره عمدة شيكاغو آنذاك كارتر هاريسون بصفته مراقبا.

لكن بعد مغادرته ومغادرة معظم المتظاهرين، وصلت الشرطة وطلبت من الحشود التفرق، وفي تلك الأوقات ألقيت قنبلة على الشرطة، مما أدى إلى انفجار عنيف وردت الشرطة بقصف عشوائي.

أسفرت الحادثة عن مقتل سبعة من رجال الشرطة وإصابة 60 آخرين، إضافة إلى مقتل أربعة إلى ثمانية مدنيين وإصابة 30 إلى 40 آخرين.

ومع دخول القرن العشرين ترسخت مكانة شيكاغو باعتبارها عاصمة صناعية كبرى، خاصة مع امتلاكها شبكة هائلة من الموارد الطبيعية مثل الفحم والحديد والبترول والمحاصيل الزراعية.

كما كانت شيكاغو في الفترة ما بين 1900 و1960 مركزا متكاملا لإنتاج وتوزيع السلع على المستوى الوطني، وتتحكم في تجارة كانت تصل إلى جبال الروكي.

وجهة اقتصادية عالمية

وبحلول عام 1950 أصبح بإمكان سكان شيكاغو السفر إلى أربع قارات في 24 ساعة، بفضل شبكات النقل الجوي ومطار أوهير الدولي، وهو إنجاز لم تكن تنافسها فيه سوى نيويورك.

ساعد ذلك أيضا على توافد الأوروبيين الشرقيين والجنوبيين، إضافة إلى الأميركيين من أصول أفريقية، بأعداد غير مسبوقة من الجنوب هربا من الفقر والتمييز العنصري.

وبذلك أصبحت شيكاغو مدينة متعددة الثقافات والانتماءات، ويحتل المهاجرون موقعا محوريا في تشكيل هويتها.

تزامن هذا النمو السكاني والصناعي مع تمدد عمراني واسع وامتلأت الفجوات بين أحياء المدينة وتوسعت نحو أطرافها. ومع انتشار السيارات ازداد الاعتماد على الطرق السريعة.

وفي 4 سبتمبر/أيلول 2001 نقلت الشركة الأميركية المتعددة الجنسيات والمتخصصة في صناعة الطائرات "بوينغ" مقرها من مدينة سياتل إلى شيكاغو، واستمرت المدينة في الحفاظ على كونها مقرا عالميا للشركات الكبرى.

Chicago skyline from Lincoln Park
حديقة لينكولن في مدينة شيكاغو (شترستوك)

الاقتصاد

تعتمد مدينة شيكاغو على اقتصاد متنوع وقوي يجعلها واحدة من أهم المراكز الاقتصادية في الولايات المتحدة، وتشكل الخدمات المالية مثل البنوك وشركات التأمين ركيزة أساسية لاقتصادها.

إعلان

تحتضن المدينة مؤسسات مالية عالمية مثل بورصة شيكاغو التجارية، إلى جانب الصناعات التحويلية، خاصة في مجالات تصنيع المعدات والآلات والمنتجات الكيماوية والطبية، ويمثل هذا المجال 11% من الناتج المحلي للمدينة.

وبفضل موقعها الإستراتيجي وتعدد السكك الحديدية والمطارات، فهي مركز لوجيستي يدعم قطاع النقل والتوزيع.

كما تسهم قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والسياحة في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل متنوعة.

معالم

مدينة شيكاغو واحدة من أبرز الوجهات السياحية في أميركا والعالم وتزخر بالعديد من المعالم من بينها:

  • ناطحات السحاب ويليس تاور

من أطول المباني في أميركا الشمالية، وتمكن الزوار من الصعود إلى منصة "سكاي داك" للاستمتاع بإطلالة بانورامية على المدينة والبحيرة.

Adler Planetarium, located in downtown Chicago
قبة أدلر السماوية وسط مدينة شيكاغو (شترستوك)
  • حديقة ميلينيوم

مساحة خضراء واسعة تضم العديد من الأعمال الفنية الحديثة مثل تمثال "بوابة السحاب"، الذي صممه المهندس البريطاني من أصول هندية أنيش كابور، وقد أصبح هذا المعلم رمزا للمدينة.

وتعد الحديقة مكانا للفعاليات الثقافية والموسيقية المفتوحة، وفضاء مفضلا لدى السكان والزوار.

  • معهد شيكاغو للفنون

يحتوي على مجموعة ضخمة من اللوحات الفنية الكلاسيكية والمعاصرة، إضافة إلى أعمال فنية أخرى تعود لعصور وثقافات مختلفة.

  • نهر شيكاغو

جولات شيكاغو من أشهر النشاطات التي تساعد الزوار على استكشاف العمارة الفريدة والتاريخ الحضري للمدينة من منظور مائي.

تقود هذه الجولات الزوار عبر النهر وتشرح لهم عن المباني التاريخية والمعمارية التي تشتهر بها المدينة.

  • منصة المشاهدة 360

تمنح منصة المشاهدة في مركز جون هانكوك الزوار فرصة للتمتع بإطلالات على المدينة من على ارتفاع 94 طابقا، كما يمكن للزوار تجربة المطعم الدوار هناك.

Chicago Downtown Cityscape with Chicago River at Sunrise, Illinois
وسط المدينة يطل على نهر شيكاغو (شترستوك)

أعلام ورموز

مدينة شيكاغو موطن للعديد من الشخصيات العالمية البارزة التي تركت بصمة على الصعيدين الوطني والدولي في مجالات مختلفة، أشهرها:

  • والت ديزني: وهو مبتكر ديزني الشهير، ولد عام 1901 بمدينة شيكاغو.
  • هاريسون فورد: نجم سلسلة أفلام إنديانا جونس، ولد بشيكاغو عام 1942.
  • روبين ويليامز: ممثل كوميدي أميركي شهير، ولد بشيكاغو عام 1951.
  • سول بيلو: كاتب أميركي حاز على جائزة نوبل في الأدب عام 1976 ولد بشكاغو.

أخطر مدينة في العالم

في الثالث من سبتمبر/أيلول 2025 وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب شيكاغو بأنها "أخطر مدينة في العالم"، وأتى هذا التصريح في إشارة إلى ارتفاع معدلات الجريمة فيها.

وقد استند في تصريحاته إلى إحصاءات أظهرت أن 54 شخصا تعرضوا لإطلاق نار مما أدى إلى مقتل 8 منهم. وأشارت البيانات الرسمية إلى أن مدينة شيكاغو ورغم تسجيلها أعلى عدد من جرائم القتل في أميركا طيلة 13 عاما متتالية، فإن معدل الجرائم فيها بلغ 17.5 لكل 100 ألف نسمة في عام 2024.

ويعتبر هذا العدد أقل بكثير من مدن أخرى مثل جاكسون، التي سجلت معدل 78.7 لكل 100 ألف نسمة.

وفي الجهة المقابلة كشفت الأرقام أن أعلى معدلات جرائم القتل سنة 2024 سجلت في مدن تحت قيادة الجمهوريين مثل برمنغهام وسانت لويس.

وقد عبر كل من حاكم ولاية إلينوي جاي بي بريتزكر ورئيس بلدية شيكاغو براندون جونسون عن معارضتهما الشديدة لخطة ترامب نشر قوات فدرالية في المدينة، واعتبرا ذلك تهديدا للديمقراطية المحلية.

المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان