البنك الدولي.. ملجأ الدول المالي أم المتحّكم في سياساتها؟

حفظ

393293 01: A view of the World Bank building October 5, 2000 in Washington, DC. The World Bank bank lends money to developing countries around the world. (Photo by Per-Anders Pettersson/ Getty Images)
البنك الدولي مقرّه في واشنطن (غيتي)

أحد أكبر المؤسسات الإنمائية في العالم. تأسس في يوليو/تموز 1944 في مؤتمر بريتون وودز، بهدف وضع إطار للتعاون الاقتصادي وإعادة إعمار الدول التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى رفع مستوى التنمية الاقتصادية في الدول النامية.

يقدّم البنك الدولي القروض المالية للحكومات المؤهلة ويربطها بالتنمية وبرامج الإصلاح الاقتصادي، لكن توجّه إليه انتقادات بالسعي للتحكم في السياسات الداخلية للدول والتأثير في خياراتها الاقتصادية والمؤسسية وحتى الاجتماعية، وتقليص هامش القرار أمام الحكومات، ودفعها لتبني سياسات قد تخالف أولوياتها الوطنية.

التأسيس والتطور

تعود جذور تأسيس البنك الدولي إلى يوليو/تموز 1944، عندما اجتمع مندوبون من 44 دولة في مؤتمر الأمم المتحدة للشؤون النقدية والمالية، الذي عُقد في فندق ماونت واشنطن بمدينة بريتون وودز في ولاية نيوهامبشير الأمريكية.

وكان الهدف من المؤتمر وضع إطار للتعاون الاقتصادي الدولي وإعادة إعمار الاقتصادات التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية. وقاد المؤتمر فكريا كل من جون مينارد كينز مستشار وزارة الخزانة البريطانية، وهاري ديكستر وايت مساعد وزير الخزانة الأمريكي. وأسفر المؤتمر عن تأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، فيما لم يكن تأسيس البنك المحور الرئيسي للمؤتمر.

بدأ البنك نشاطه عام 1946، وتركزت جهوده الأولى على إعادة إعمار أوروبا، حيث حصلت فرنسا على أول قرض في تاريخه. ومع إطلاق الولايات المتحدة خطة مارشال عام 1947 وتوليها جهود إعادة إعمار أوروبا، تحوّل اهتمام البنك تدريجيًا إلى تمويل مشروعات البنية الأساسية في مختلف أنحاء العالم، مثل النقل والكهرباء والري.

وفي عام 1948، قدّم البنك أول قرض لدولة خارج أوروبا، وكان من نصيب شيلي بقيمة 13.5 مليون دولار؛ لتمويل توليد الطاقة الكهرومائية. وشهدت هذه المرحلة أيضًا توسعًا في هيكل البنك، مع تأسيس مؤسسة التمويل الدولية عام 1956 لدعم القطاع الخاص، والمؤسسة الدولية للتنمية عام 1960 لتمويل الدول الأشد فقرا.

FILE PHOTO: The World Bank Group logo is displayed on a office wall at the International Finance Corporation in Karachi, Pakistan February 4, 2026. REUTERS/Akhtar Soomro/File Photo
البنك الدولي بدأ نشاطه عام 1946 وتركزت جهوده الأولى على إعادة إعمار أوروبا (رويترز)

وفي الفترة بين 1968 و1981، انتقل البنك إلى مرحلة جديدة ركّز فيها بصورة أكبر على مكافحة الفقر وتحسين الظروف المعيشية للفقراء. وجاء هذا التحول أثناء رئاسة الأمريكي روبرت ماكنمارا، الذي استخدم مصطلح "الفقر المدقع" في خطابه عام 1973.

إعلان

كما توسّعت عمليات الإقراض بصورة كبيرة وامتدت إلى قطاعات جديدة، بينها التعليم والتنمية الريفية والمياه والصرف الصحي وحماية البيئة. وكان أول قرض بيئي يقدمه البنك عام 1971 مخصصا لمكافحة التلوث في البرازيل.

ومع أزمات النفط والديون في ثمانينيات القرن العشرين، دخل البنك مرحلة التكيف الهيكلي والتحوّل الاقتصادي. وبدأ في تقديم قروض التكيف الهيكلي المرتبطة بشروط إصلاحية، شملت الإصلاح الضريبي وتحرير الاستثمار، وهي سياسات أثارت جدلًا واسعًا بشأن فاعليتها.

وفي تسعينيات القرن العشرين، ومع تفكك الاتحاد السوفياتي، ساعد البنك الدول المستقلة حديثًا على الانتقال إلى اقتصاد السوق، كما شهدت هذه المرحلة تأسيس الوكالة الدولية لضمان الاستثمار عام 1988.

ومنذ منتصف التسعينيات، اتّجه البنك بصورة أكبر نحو التنمية المستدامة ومكافحة الفساد. ففي عام 1996، أطلق رئيس البنك جيمس وولفنسون حملة ضد الفساد الحكومي، مؤكدًا ضرورة تعزيز المساءلة في عمليات التنمية.

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تطوّر البنك ليصبح مؤسسة تركز على المعرفة والشفافية، وربط جهوده بأهداف التنمية المستدامة، مع التركيز على التنمية التي تقودها المجتمعات المحلية، وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، والتصدي لتغير المناخ.

المقرّ

يوجد مقر البنك الدولي في واشنطن، ويعمل فيه أكثر من ثمانية آلاف موظف، أكثر من نصفهم من الأميركيتين، والبقية من جميع أنحاء العالم.

الأهداف

الهدف العام للبنك هو تشجيع استثمار رؤوس الأموال لإعمار وتنمية الدول الأعضاء ومساعدتها في إنشاء المشاريع الضخمة.

وتقدم كل دولة عضو في البنك من اشتراكها المحدد في رأس مال البنك ذهبا أو دولارا أمريكيا ما يعادل 18% من عملتها الخاصة، والباقي يظل في الدولة نفسها، ولكن البنك يستطيع الحصول عليه في أي وقت لمواجهة التزاماته.

وبشكل عام، يقوم البنك بإقراض الحكومات مباشرة أو بتقديم الضمانات التي تحتاجها للاقتراض من دولة أخرى أو من السوق الدولية. لكن ممارسات البنك وسياساته أظهرت أنه كان متحيزا في إقراض دول ومنع أخرى.

*****داخلية***** The Mount Washington Hotel in Bretton Woods, New Hampshire. credit : world bank group
فندق ماونت واشنطن بمدينة بريتون وودز الذي عقد فيه اجتماع تأسيس البنك الدولي (مجموعة البنك الدولي)

اتهامات بالتدخل في سياسات الدول

توجّه للبنك الدولي انتقادات تتعلق بتوسع نفوذه في السياسات الداخلية للدول النامية، إذ يرى منتقدوه أن دوره لم يعد يقتصر على تقديم التمويل ودعم مشاريع التنمية، بل امتد إلى التأثير في الخيارات الاقتصادية والمؤسسية والحَوْكمية لهذه الدول.

وتتركز أبرز الانتقادات على شروط القروض وبرامج الإصلاح التي يربط البنك من خلالها التمويل في بعض الحالات بتنفيذ سياسات وإجراءات محددة. ويعتبر منتقدون أن هذه المشروطية تقلص هامش القرار أمام الحكومات، خصوصًا الدول التي تواجه أزمات مالية وتحتاج إلى التمويل الخارجي، وتدفعها إلى تبني سياسات قد لا تكون نابعة بالكامل من أولوياتها الوطنية.

كما يتهم البنك بالترويج لنماذج اقتصادية ومؤسسية موحدة، من بينها سياسات تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة وتطبيق نموذج الإدارة العامة الحديثة. ويرى هؤلاء أن تعميم هذه النماذج قد يتجاهل الاختلافات السياسية والاجتماعية والثقافية بين الدول، ويحد من قدرتها على تطوير سياسات ومؤسسات تتناسب مع ظروفها المحلية.

إعلان

وامتد الجدل إلى مجال الحوكمة وسيادة القانون، مع توسّع البنك في تمويل برامج إصلاح المؤسسات وتعزيز الحوكمة. وينتقد باحثون هذا التوجه باعتباره يتيح للبنك التأثير في تعريف معايير الحكم الرشيد والمؤسسات الفعالة، بما قد يؤدي إلى تفضيل نموذج مؤسسي معين على حساب خيارات أخرى.

اقتصاديًا، ارتبطت الانتقادات بصورة خاصة ببرامج التكيف الهيكلي التي تبناها البنك خلال ثمانينيات القرن العشرين، والتي ركزت على تحرير الأسعار وتقليص تدخل الدولة في الاقتصاد. ويرى منتقدون أن تطبيق هذه السياسات على نطاق واسع أدى إلى تهميش قضايا الفقر والعدالة الاجتماعية، وإلى فرض أجندة اقتصادية اتسمت بطابع نيوليبرالي على الدول النامية.

ولا تقتصر الانتقادات على شروط التمويل، بل تشمل أيضًا آليات تقييم أداء الدول وسياساتها، مثل مؤشر تقييم السياسات والمؤسسات القطرية (CPIA). ويعتبر منتقدون أن هذه التقييمات، التي تتضمن قدرًا من التقدير الذاتي، تمنح البنك نفوذًا إضافيًا في تحديد السياسات التي تُصنف باعتبارها جيدة، بما قد يؤثر بصورة غير مباشرة في توزيع التمويل والمساعدات.

****داخلية***** John Maynard Keynes (centre) played a leading role in the formulation of the Bretton Woods agreements and instrumental in the establishment of the IMF. Photograph: Hulton Archive/Getty Images
البنك الدولي تأسس عام  1944، عندما اجتمع مندوبو 44 دولة في مؤتمر الأمم المتحدة للشؤون النقدية والمالية (غيتي)

الهيكلة

يُدار البنك الدولي وفق هيكل تنظيمي هرمي يربط بين الدول الأعضاء والقيادة التنفيذية، ويعمل وفق آلية تشبه المؤسسات التعاونية التي يملكها أعضاؤها، البالغ عددهم 189 دولة، باعتبارهم المساهمين في البنك.

تتكون مجموعة البنك الدولي من خمس مؤسسات:

  • البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD).
  • المؤسسة الدولية للتنمية (IDA).
  • مؤسسة التمويل الدولية (IFC).
  • الوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA).
  • المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID).

وتتوزع منظومة الحوكمة وصنع القرار في البنك على ثلاثة مستويات رئيسية. يأتي في مقدمتها "مجلس المحافظين" الذي يمثل أعلى سلطة في وضع السياسات، حيث تعين كل دولة عضو محافظًا عنها، يكون عادة وزير المالية أو التنمية. ويجتمع المجلس مرة واحدة سنويا خلال الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ويأتي في المستوى الثاني "مجلس المديرين التنفيذيين" الذي يفوضه مجلس المحافظين مسؤوليات محددة تتعلق بالإدارة اليومية للبنك. ويضم المجلس 25 مديرًا تنفيذيًا مقيمين في مقره؛ إذ تعين الدول الخمس صاحبة أكبر حصص في رأس المال مديرًا تنفيذيًا لكل منها، بينما تنتخب بقية الدول ممثليها لشغل المقاعد الأخرى. ويجتمع المجلس مرتين أسبوعيًا على الأقل لاتخاذ قرارات تتعلق بالقروض والضمانات والميزانية الإدارية واستراتيجيات المساعدة القطرية.

أما المستوى الثالث فيتمثل في "رئيس مجموعة البنك الدولي وجهاز الإدارة العليا". ويرأس رئيس المجموعة اجتماعات مجلس المديرين التنفيذيين ويتولى المسؤولية العامة عن إدارة البنك، ويُنتخب من قبل مجلس المديرين التنفيذيين مدة خمس سنوات قابلة للتجديد، ويعاونه في أداء مهامه جهاز من كبار المسؤولين ونواب الرئيس، يتولون الإشراف على الممارسات العالمية والمناطق الجغرافية والقطاعات المختلفة.

المصدر: الجزيرة

إعلان