شعار قسم مدونات

وهمَّ المعرفة

BLOGS- المعرفة

قد يعيش الإنسانُ عمره بين بحارِ الكتب وعوالم المعرفة ويصل أحيانًا إلى الشك، فالعقل هو القائد الوحيد لتلك الرحلة التي بدأت عندما نبذ الإنسان الشيء الذي لا يستطيع الوصول إليه بالحس المباشر أو التخيل. وقد يصل الفرد أحيانًا إلى المعرفة التامة من وجهة نظره -هكذا يُخيل إليه- ويظن أنه قد حصل علي علم واسع وكأنّ الله قد أرسل إليه رسولاً فعلمه من لدنه علمًا، وقد يسمي نفسه الخضر، ويبدأ حياته كل يوم بهذه الآية "وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا" بعد الانتهاء من قراءة كتاب، وينسي أنّ الله قد خسف بقارون الأرض عندما قال "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي"، فيصلُ إلى مرحلة الجهل المطلق!
 

كل إنسان بداخله فضول واسع وذكاء غير محدود في تحليل الأمور، ويظن الكثير منّا بعد قراءة العديد من الكتب ومتابعة المواقع الإلكترونية والبرامج الوثائقية أنّه قد وُضِع بين عِلية المثقفين، متجاهلين الحقيقة المجردة وضرورة التمعن والتبصر بعقل غير انفعالي، هكذا يخيل إليهم أنهم وصلوا إلى معرفة الحقيقة وأًصبح أحد العلماء الأربعة في الماضي!
 

قد يعتقد البعض بأننّا نمتلك الإجابة على كل تلك الأسئلة العالقة في أذهان الناس فيبدأ بالتخيل أنه يعرف كل شيء ويبدأ بتميزه العقلي والتباهي بما قد لا يعرفه غيره. وعندما يري من هو أعلم منه يبدأ بانتقاده دوماً، فواهم المعرفة يظن أنه يعرف كل شيء.

"فلو أنصف الدهرُ كنت أركب لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب"، هذه الكلمات جاءت علي لسان حمار الحكيم، فحتي التراث العربي لم يخلُ من تلك الشرذمة القلية التي عكرت عليه صفوه التعلم والتبحر في أعماق المعرفة، فالجهل أقل ضرراً من وهم المعرفة، لأن الجاهل يؤمن بأنه لا يعرف ويسعي إلى إشباع تلك الرغبة بالتزود من نبع العلم، ولكن واهم المعرفة يظن أنه يعرف كل شيء، وحدّث ولا حرج، فهو يعرف خبايا الأمور، وتراه قد خرج من عباءة التواضع إلى نقد المعلومات، ويظنّ في النهاية أنّه وصل إلى علم اليقين، ويصح فيه قول: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت واهم فالمصيبة أعظم.
 

فالرغبة الجامحة في الطفو علي السطح مرة أخرى، وحلم السير على النجوم والانحياز الفكري لطائفة معينة دون إمعان النظر والتفكير في الأمور قد يودي بصاحبه إلى الهاوية، والمجتمع العربي يعاني من تلك المشكلة، فكل من قرأ عنوان في جريد أو تعلم شيئاً جديداً يظن أنه قادر على التحليق في جو السماء دون النظر إلى الأرض مرة أخرى، ورغبة الأشخاص في الشهرة والمكانة الاجتماعية الفارهة هي ما تقودهم إلى الوصول إلى ذلك الوهم، فكثيراً ما نرى تلك العناوين في المجلات والدوريات، شاب يحطم نظرية أينشتاين في النسبية، وآخر يضع قانوناً للجاذبية، وفي نهاية الأمر نجد أنها مجرد بعض الأحبار على ورق خفيف تأخذها الريح في مكان سحيق.
 

فالمجتمع يفتقر إلى العقل الناقد الذي لا يقبل كل الأمور ويحللها واحدة تلو الأخرى، وينساق فقط وراء الشهرة، فإذا حطمت نظرية أشهر عالِم سأكون أنا معروف في كل الدنيا، فتطغى الأنا على الإنسان وينسى أنه مازال على النبع لم يغترف حتى غرفه واحدة بيده، ولقد قال ابن القيم: العلم ثلاثة أشبار، من دخل الشبر الأول تكبر، ومن دخل الشبر الثاني تواضع، ومن دخل الشبر الثالث علم أنه لا يعلم.
 

وقد يعتقد البعض بأننّا نمتلك الإجابة على كل تلك الأسئلة العالقة في أذهان الناس فيبدأ بالتخيل أنه يعرف كل شيء ويبدأ بتميزه العقلي والتباهي بما قد لا يعرفه غيره. وعندما يري من هو أعلم منه يبدأ بانتقاده دوماً، فواهم المعرفة يظن أنه يعرف كل شيء وأي شيء، ويظن أنه يرى أشياء لا يراها غيره، كما قال فرعون لقومه: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، وبذلك يقع في الفخ، فهو لا يعرف إلا أشياء قليلة لا تكاد تصلُ إلى خمس المعلومات، ولكنّه يظن أنه يعرفها كاملة، وبذلك يضل الناس، فعدو العلم ليس الجهل بل هو وهم المعرفة، أن تظن أنك تعلم أي شيء رغبةً منك في الظهور وخطف الأنظار، فهذا حقاً من الأمراض النفسية في المجتمع العربي.
 

وهم المعرفة من أكثر المشاكل العظمى التي تسكن المجتمع العربي، وخصوصاً بين المثقفين، فالثقافة والعلم لا يتطلبان منك الحصول على شهادة جامعية عالية، أو وضع اجتماعي في المجتمع، بل هي مفتوحة للجميع.

المشكلة هنا ليست في الوهم أكثر من كونها في عدم التجرد والبحث عن أصل المعلومات، فكم منّا دخل مراحل الشك والإلحاد تحت مسمى أنني بحثت وعلمت أن الأديان أساطير ووهم، هنا تأتي متفردة التجرد التي تدعوك إلى البحث بإمعان تام لتصل إلى الحقائق، والعودة من الانسياق إلى الأوهام التي تسكن مخيلتك.
 

فالعبرة ليست بعدد الكتب التي تقرأها أو تحتفظ بها، بقدر ما هي عملية التجرد التي تستطيع من خلالها أن تبحر في بحار جهلك التي لا يوجد لديها ساحل ترسو عليه، فوهم المعرفة من أكثر المشاكل العظمى التي تسكن المجتمع العربي، وخصوصاً بين المثقفين، فالثقافة والعلم لا يتطلبان منك الحصول على شهادة جامعية عالية، أو وضع اجتماعي في المجتمع، بل هي مفتوحة للجميع، ومن وقف علي النبع شرب، فشجرة المعرفة أصولها ممتدة وفروعها في السماء، تأخذ من ثمارها بقدر ما تستطيع.
 

علينا التجرد وعدم الانسياق وراء الوهم في كل شيء، فكم قتل الوهم أناسًا ظنوا أنّ علمهم سوف يوصلهم إلى السماء. ولا تجعل عدوك بداخلك، اجعله أمام عينيك حتي تستطيع القضاء عليه، فرغبتك في معالجة وهم المعرفة الذي يسكن عقلك هي بداية طريق المعرفة، ونهاية المخاض وبداية الولادة الثانية، بل هي البداية الأولى لتجعلك تمسك بالقرطاس والقلم وتنجو من الطوفان وتركب السفينة، كي ترسو بك على جبال النجاة.
 

هذه الكلمات ظلت عالقة في ذهني لجبران عندما قال: طلبت الانفراد لكي لا أجالس ذوي نصف المعرفة الذين يبصرون في المنام خيال العلم فيتخيلون أنهم أصبحوا من المدارك بمقام النقطة من الدائرة، ويرون في اليقظة أحد أشباح الحقيقة، فيتوهمون أنهم قد امتلكوا جوهرها الكامل المطلق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.