
موازين
كيف تخطط إسرائيل لإجهاض النسل الفلسطيني؟
ويتفوق عدد الفلسطينيين على المستوطنين الإسرائيليين بفارق بسيط لكنه يثير حفيظة الكيان الصهيوني، إذ يُقدَّر إجمالي السكان بنحو 7.5 ملايين فلسطيني مقابل 7.4 ملايين إسرائيلي.
ويفكك مدير مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات الدكتور محسن صالح العقلية الإسرائيلية وهندستها في قطع النسل الفلسطيني وتجفيف منابع الحياة فيه، مشيرا إلى أن ما يحدث في قطاع غزة خير دليل على التفكير الإسرائيلي.
قصص مقترحة
list of 2 itemsإذ لم تكن المعركة الإسرائيلية يوما معركة عسكرية وميدانية فحسب، بل هي بالأساس معركة ديموغرافية وجودية يشكّل فيها الثبات الفلسطيني على أرضه كابوسا يؤرق مضجع الكيان الصهيوني، بحسب الدكتور صالح.
ويشير إلى أنه بعد أكثر من 130 عاما من بدء المشروع الصهيوني ونحو 78 عاما على قيام كيانه، يقف الفلسطيني اليوم حقيقة كبرى وثابتة على أرض فلسطين التاريخية، متجاوزا مخططات الإبادة والإحلال كافة.
وتتجلى حرب الإبادة الإسرائيلية بأبشع صورها في استهداف الحاضنة الشعبية والنسل الفلسطيني بشكل مباشر، إذ تحوَّل استهداف الأرحام والأجنة إلى حرب وجودية ممنهجة.
فلم يكتفِ الاحتلال بالتسبب في إجهاض آلاف الحوامل جراء الخوف، وسوء التغذية وانعدام الرعاية الطبية، وقصف المستشفيات، بل امتد توحشه إلى القصف المباشر لمراكز الإخصاب والتلقيح الاصطناعي، وعلى رأسها "مركز البسمة" -أكبر بنك للأجنة في القطاع- مما أدى إلى تدمير آلاف الأجنة المخصبة، بحسب ما جاء في الحلقة.
ويمثل تدمير هذه الحاضنات وقتل أمل المستقبل لآلاف العائلات الفلسطينية -وفق مدير مركز الدراسات- تطهيرا عرقيا صريحا وهندسة مقصودة لإجهاض التفوق الديموغرافي الفلسطيني "هذا التفوق الذي يضع الاحتلال أمام كابوس يؤرقه، بعد أن تساوى تقريبا عدد الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية (نحو 7.5 ملايين فلسطيني مقابل 7.4 ملايين يهودي) بعد عقود من مشروعه الإحلالي".
تدمير مقومات الحياة
في مواجهة هذا التفوق الديموغرافي الصامد، تحاول العقلية الإسرائيلية إجهاض المستقبل الفلسطيني وإيقاف نسله عبر هندسة واقع غير صالح للحياة؛ حيث لا يقتصر الاستهداف على أجساد الضحايا والمجازر التي حصدت أرواح عشرات الآلاف وجرحت أضعافهم، بل يتعداه إلى تدمير ممنهج للبنى التحتية والمرافق الحيوية من مستشفيات ومدارس ومساجد وكنائس.
وتعتمد دولة الاحتلال على تحويل قطاع غزة إلى بيئة طاردة للسكان ومستحيلة العيش، بدءا بتلويث أكثر من 95% من مصادر المياه في قطاع غزة وتجريد الأهالي من الحقوق الأساسية كالمياه النظيفة والرعاية الصحية، مرورا بإحكام السيطرة الإسرائيلية على المعابر والتضييق الصارم لمنع إدخال أدوات ومواد إعادة الإعمار، وصولا إلى محاولة فرض التهجير بالأمر الواقع، ودفع البيئة السكانية إلى نزيف بشري تلقائي ومؤقت بحثا عن أسباب الحياة أو التعليم أو العلاج في الخارج.
وفي سياق المحاولات المباشرة لإفراغ قطاع غزة من سكانه، يبرز مشروع غيورا إيلاند -المعروف بـ"خطة الجنرالات"- وهو المخطط الإستراتيجي الذي اقترحه الجنرال الإسرائيلي السابق غيورا إيلاند بهدف إخلاء شمال غزة وتحويله إلى منطقة عسكرية مغلقة.
وتعتمد الخطة على حرمان السكان المحاصرين من المساعدات الإنسانية والغذاء والمياه لاستخدام الجوع سلاحا، وفرض حصار خانق يجبر المدنيين على الاختيار بين الموت جوعا أو التهجير القسري.
ويتحدث مدير مركز الدراسات عن هذا المشروع الذي يمثل التطبيق العملي لمفهوم "التطهير العرقي" و"خلق البيئة المستحيلة للعيش"، ضمن محاولات الاحتلال للالتفاف على الكثافة السكانية الفلسطينية وإعادة رسم جغرافيا القطاع بقوة السلاح.
وعلى الجانب الآخر، تطل المخططات الاستعمارية بقناع استثماري ناعم يُعرف بمشروع "ريفييرا غزة" -أو ريفييرا الشرق الأوسط- الذي يسعى إلى تسويق القطاع بوصفه فرصة عقارية رائعة ووجهة سياحية عالمية.
ويقدّم هذا المشروع الرؤية الاستعمارية بذريعة "الرفاهية والإنقاذ"، من خلال نقل السكان الفلسطينيين وتوزيعهم على دول أخرى لتفريغ الساحل الغزي وتجريد أهل الأرض الأصليين من ملكيتهم وثرواتهم.
ووفق صالح، فإن خطورة "مشروع ريفييرا" تكمن في محاولته شرعنة التهجير وتغليفه بشعارات التطوير والتنمية، محولا قضية حقوق الشعب الفلسطيني واستقلاله على أرضه وثرواته -مثل حقوق الغاز والساحل- إلى صفقة استثمارية، تهدف إلى محو الوجود الديموغرافي الفلسطيني بأسلوب ناعم.
لكن صالح يشدد على أهمية تمسك الفلسطيني وصموده على أرضه، مشيرا إلى أن هذا سيبقى الشوكة في حلق أي مشروع استيطاني، إلى جانب الدعم الدولي والعربي للقضية.
من مشروع الحسم
ويرى مدير مركز الدراسات أن ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية يتكامل مع ما يُعرف بـ"مشروع الحسم" الصهيوني الذي تبنته الحكومة الإسرائيلية، والذي يسعى لإنهاء أي أمل في قيام دولة فلسطينية وتحويل الفلسطينيين في أرضهم إلى مجرد رعايا بلا مواطنة.
وتلجأ أجهزة الكيان واستخباراته إلى تغليف هذه السياسات القمعية والتطهير العرقي بمصطلحات مزيفة لإخفاء توحشها أمام العالم، مثل استبدال ما يوصف بالهجرة الطوعية أو حرية التنقل والانتقال الحر بمفهوم التهجير القسري.
ورغم هذه الحرب المفتوحة على الوجود والنسل الفلسطيني، فإن الحسابات الإسرائيلية تصطدم في كل مرة بعامل الصمود الذاتي، فالفلسطيني -وخاصة ابن غزة- يظل متمسكا بأرضه وبارتباطه الهيكلي بها، فإن خرج للدراسة أو العمل أصر على العودة والاستثمار في أرضه وبنائها مجددا.
ومع وجود ترسانة حقوقية وقرارات دولية تدعم حق الشعب الفلسطيني في أرضه والعودة إليها، يرى صالح أن المحاولات الإسرائيلية لإجهاض الحياة وتصفية الديموغرافيا الفلسطينية رهينة الفشل أمام ثبات الإنسان الفلسطيني على أرضه.