
هل لا تزال الديمقراطية طريقا ممكنا للإصلاح في العالم العربي؟

وقد استضاف البرنامج الدكتور العربي الصديقي، المدير السابق لبرنامج سياسات الشرق الأوسط في جامعة إكستر البريطانية، الذي قدّم قراءة فكرية معمّقة لمسار الديمقراطية عربيا وعالميا.
ويرى الصديقي أن انطلاق اهتمامه بالديمقراطية جاء من غيابها في المجال العربي، ومن تجربته الأكاديمية في الغرب التي كشفت له أن الديمقراطية الغربية نفسها ليست مثالية، بل تمرّ بتراجعات وتناقضات عميقة.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsواستند في رؤيته هذه على تقرير "فيدام 2025" الذي أظهر أن نحو 75% من شعوب العالم تعيش تراجعا ديمقراطيا، يشمل حتى دولا راسخة كأميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا.
وتوقف عند أثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الديمقراطية، موضحا أن صعود الآلة مكان الإنسان في قطاعات عدة سيخلق مشكلات اجتماعية جديدة، وأن الديمقراطية فقدت شيئا فشيئا اهتمامها بالمبدأ الإنساني الذي قامت عليه.
وأكد أن النسخة الأولى من الديمقراطية كانت بريئة، وكانت معنية بوحدة الدولة وسيادة الفرد، لكنها في العقود الأخيرة تغيّرت لتصبح أكثر تركيزا على حماية المجموعات والهويات الفرعية، وهو تحوّل جعلها تتخلى عن كثير من جوهرها الأول.
وانتقل الصديقي إلى تشخيص الواقع العربي، فرأى أن الديمقراطية لم تعرف في منطقتنا حتى نسختها البريئة الأولى، لأن المجتمعات السياسية العربية ظلت مسكونة بفكرة الدولة المركزية، موضحا أن "الهوس بالدولة" جعل المواطن عاجزا عن انتزاع مساحته المستقلة في المجتمع.
المواطن التابع
وأضاف أن هذا التعلق المفرط بالدولة رسّخ نموذج "المواطن التابع" الذي ينتظر منها التوزيع والتحكم والترشيد، بدلا من أن يشارك في صناعة القرار العام، وهو ما مهّد للاستبداد وأضعف الوعي الديمقراطي، وبيّن أن هذا النمط الريعي الذي تتكفل فيه الدولة بكل شيء يقتل الحافز السياسي للمواطن.
وربط الصديقي بين إخفاق التجارب العربية الحديثة –وخاصة الربيع العربي– وبين استمرار تلك البنية الذهنية والسياسية، موضحا أن الثورات كانت فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس المشاركة، لكنها أُجهضت بفعل الثورة المضادة وخوف الأنظمة من أي تغيير يحد من هيمنتها.
واعتبر أن الثورة السورية مثال صارخ على هذا الإرباك، إذ استخدمت السلاح ضد الدولة في منطقة تعتبر احتكار العنف مشروعا للدولة، فوجدت نفسها أمام منظومة إقليمية ودولية غير متقبلة لأي تغيير ديمقراطي مسلح.
وعن تراجع المطالب الشعبية بالديمقراطية، قال الصديقي إن المجتمعات العربية استبطنت رواية الغرب التي تقدّم "الاستقرار" باعتباره القيمة العليا، فصار الحفاظ عليه يبرّر التضحية بالحريات، وذكّر بأن هذا المنطق هو ذاته الذي استخدمه الغرب في الخمسينيات لتبرير دعمه للانقلابات على الديمقراطيات الناشئة بالمنطقة.
لكنه شدد على أن المقابلة بين الاستقرار والديمقراطية مغلوطة، فالشعوب يمكنها أن تطمح للاستقرار دون أن تتنازل عن حقوقها الديمقراطية، بل إن الاستقرار الحقيقي –برأيه– لا يتحقق إلا بترسيخ المشاركة والحوكمة الرشيدة.
وفي محور الثقافة الديمقراطية، رفض الصديقي مقولة إن العرب غير مهيئين للديمقراطية، مبرزا أن في المنطقة فضاءات حية تمارسها فعلا، من نخب ومفكرين ومناضلين وصحفيين، لكنها بقيت محدودة ونخبوية.
نموذج عربي
ودعا إلى البحث عن نموذج عربي خاص للديمقراطية منبثق من الخصوصية الثقافية والحضارية، وليس نسخة من التجارب الغربية، مؤكدا أن "الجنوب الكوني" –من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية– استطاع أن يبتكر أشكالا متنوّعة من الديمقراطية متصالحة مع بيئاتها.
وأشار إلى أن بعض التجارب العربية كالحالة التونسية كانت قابلة للنجاح بحكم التجانس الاجتماعي ووجود نخب مثقفة، لكن فشل النخبة في تبني "العقلانية التواصلية" حال دون استدامة التجربة، ومع ذلك، شدد على أن الارتداد الديمقراطي في العالم العربي لا يلغي المكاسب التي تحققت.
وفي ما يتعلق بالنموذج الديمقراطي العربي، رأى الصديقي أنه ممكن التحقيق إذا استثمرت المنطقة في مخزونها الحضاري الإسلامي والعربي، مع تطوير التعليم والبحث العلمي في مجالات التحول الديمقراطي التي تكاد تغيب عن جامعاتنا.
أما في جدلية الديمقراطية والتنمية، فاعتبر أن العلاقة تكاملية لا تناقضية، فالتنمية المستدامة تعزز الديمقراطية والعكس صحيح، واستشهد بتجارب البرازيل وماليزيا وإندونيسيا التي جمعت بين الانفتاح الاقتصادي والتدرج السياسي، داعيا إلى تعاون إقليمي عربي يخلق سوقا مشتركة تدعم النمو والديمقراطية معا.
وأكد أن التنمية بلا ديمقراطية تنتج مجتمعات تابعة، تحرس حدود غيرها ولا تمتلك قرارها، مشيرا إلى أن بعض الدول العربية تحولت إلى "حراس بوابة" للهجرة غير النظامية بدلا من أن تكون فاعلا في مسار التنمية. لذلك يرى أن الديمقراطية شرط أساسي لأي تنمية حقيقية ومستدامة.
الإسلام والديمقراطية
وفي مسألة علاقة الإسلام بالديمقراطية، استعاد الصديقي نظرية ألفريد ستيبان حول "التسامح المزدوج" التي أثارتها التجربة التونسية، وتقوم على قبول الإسلاميين بقواعد اللعبة الديمقراطية مقابل سماح النظام الديمقراطي للمتدينين بالمشاركة السياسية.
وأشار إلى أن الغرب لا يزال غير مستعد لقبول الإسلام السياسي، مستشهدا بتجارب الجزائر وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث رفضت القوى الدولية نتائج الانتخابات حين فاز الإسلاميون، معتبرا أن هذا الموقف يعكس ازدواجية في الموقف الغربي من الديمقراطية حين لا تأتي بنتائج توافق هواه.
وانتقد في المقابل بعض النخب العربية –إسلامية وعلمانية– التي لم تمارس التواضع الديمقراطي المطلوب، معتبرا أن النظام البرلماني هو الأنسب للدول العربية لأنه يعزز الحوار ويمنع شخصنة الحكم. واستند إلى دراسات حديثة تُظهر أن الدول ذات الأنظمة البرلمانية أكثر استقرارا وتنمية من تلك ذات الأنظمة الرئاسية.
وفي ختام الحلقة، ربط الصديقي بين المشهد الديمقراطي العربي وارتدادات "طوفان الأقصى"، معتبرا أن الإبادة في غزة كشفت هشاشة السيادة العربية وانهيار المنظومة الأخلاقية الغربية التي طالما تغنت بحقوق الإنسان.
وأكد أن العجز العربي عن وقف المأساة الفلسطينية يعكس عمق التراجع الديمقراطي، ليس فقط عربيا بل عالميا، لأن الأنظمة الغربية نفسها باتت تقمع الاحتجاجات المؤيدة للعدالة، حتى في الجامعات والملاعب.