برامج متفرقة

من كيدال إلى باماكو.. تحالف غير مسبوق بين "تحرير أزواد" و"نصرة الإسلام"

يشير المشهد الأمني في مالي إلى تحالف غير مسبوق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، حيث نفذ الطرفان هجوما منسقا في 25 أبريل/نيسان الماضي امتد من مناطق الشمال حتى العاصمة باماكو.

 

واستخدمت قوات التحالف طائرات مسيّرة بكفاءة عالية في الهجوم، مما يعكس تدريبا متقدما وخبرات متراكمة لأكثر من عقد، وتؤكد هذه القدرات تحولا نوعيا في أساليب القتال داخل المنطقة.

كما تحولت منطقة الشمال المالي -التي تمثل نحو ثلثي مساحة البلاد- إلى فضاء للجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والحركات المسلحة، مع غياب أي أفق إستراتيجي لحل أزمة تمتد جذورها إلى أول تمرد للأزواد عام 1962، أي بعد سنتين فقط من الاستقلال.

وتناولت حلقة (2026/5/6) من برنامج "محاولة فهم" طبيعة الهجوم الذي تميز بقدرات لوجستية متطورة، حيث نفذ المهاجمون حصارا لمواقع محصنة، وضربوا بدقة متوسطة المدى، وقادوا مسيّرات بكفاءة طيارين لا تشبه عمليات المليشيات في مناطق أخرى، مما يشير إلى تراكم خبرات لأكثر من عشر سنوات.

ويوضح خبراء أن جبهة تحرير أزواد -التي تطالب بحكم ذاتي أو استقلال لإقليم أزواد التاريخي الممتد من تخوم الجزائر إلى عطفة نهر النيجر عند غاو– تحالفت بشكل اضطراري مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة إياد آغ غالي، رغم اختلاف المشروعين جذريا؛ فالأول قومي طارقي، والثاني يوصف بأنه "جهادي" يسعى لإسقاط نظام باماكو.

وفي السياق ذاته، يوضح البرنامج أن إياد آغ غالي -العسكري السابق في الجيش الليبي وعازف الغيتار الذي تحول إلى قائد سلفي- تخلت جماعته مؤخرا عن الخطاب العالمي واعتمدت خطابا محليا، في محاولة لاستدرار عطف الإقليم والمجتمع الدولي، وربما الدخول في أي حوار وطني مستقبلي على غرار تجربة هيئة تحرير الشام في سوريا.

سيناريو مستبعد

غير أن محللين يستبعدون هذا السيناريو في مالي، لأن مجموعة البمبارا العرقية، التي تشكل أكثر من 60% من السكان وفق إحصاءات الإدارة الفرنسية عام 1950، لن تقبل بحكم أقلية طارقية لا تمثل 5%، حتى لو انضمت إليها أقلية عربية (البرابيش والكنتة) أو السونغاي أو الفلان، مما يجعل البديل الأزوادي أو "الجهادي" مستحيلا سياسيا.

وعلى النقيض من المقاربة الفرنسية، التي نجحت عملياتيا خلال عملية "سيرفال" (2013-2014) في استعادة المدن الشمالية، لكنها فشلت إستراتيجيا بسبب غياب مسار سياسي جدي مرافق للعملية العسكرية، مما جعل فرنسا تخسر ثقة كل من جنوب مالي وشماله في آن واحد، وتخرج لاحقا بعد الانقلاب العسكري.

ويوضح البرنامج أن الوجود الروسي (فاغنر ثم الفيلق الأفريقي) كان أقل تقييدا بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، حيث لم تردعه أي اعتبارات عند دخول مناطق حساسة إثنيا وثقافيا، لكنه تعرض لهزيمة منكرة في معركة "تينزاوتين" (2024) حين قُتلت سرية كاملة (84 من فاغنر و47 من الجيش المالي) وصورت العملية ونشرت، مما أحدث أثرا سيكولوجيا كبيرا.

وتأكيدا لهذا المعنى، تشير تقارير إلى أن الوضع الحالي أصبح أسوأ مما كان عليه عند استلام المجلس العسكري بقيادة الرئيس الحالي أسيمي غويتا للسلطة؛ فمدينة كيدال في يد الطوارق، والعاصمة باماكو محاصرة لا تصلها إمدادات الوقود القادمة من كوت ديفوار وبنين إلا بحراسة مشددة من عناصر الفيلق الأفريقي، والواقع الميداني يتجه في غير صالح الدولة.

ويخلص المحللون إلى أن الدولة المالية فشلت على مدى سبعة عقود في بسط سيطرتها على شمالها بسبب إرث استعماري أسس لتهميش مناطق بأكملها، وانعدام مؤسسات جامعة للتنوع الثقافي والإثني، واعتماد الحكومات المتعاقبة على الحل العسكري الخالص دون مسار سياسي دبلوماسي برعاية جوار إقليمي، وهو ما يفرض اليوم البحث عن حلول بديلة قبل فوات الأوان.

المصدر: الجزيرة