نسخة "خارقة" من النينيو تنتظرنا.. والأمم المتحدة تطلق تحذيرا شديد اللهجة

بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تبلغ احتمالية ظهور ظاهرة النينيو 80% بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب، وترتفع إلى 90% بعد ذلك، ويتوقع فريق من العلماء أن تكون النسخة القادمة إلينا من هذه الظاهرة "خارقة ".
وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست ساولو في بيان رسمي: "هذا التحديث مهم لأن ظاهرة النينيو عامل رئيسي في تشكيل أنماط الطقس والمناخ العالمية. يمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد من منشئها في المحيط الهادئ، ليؤثر على الزراعة، وإمدادات الطاقة، والتجارة، والموارد المائية، وسلاسل التوريد، وسبل العيش في مناطق بأكملها ".
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في معرض تعليقه على تحذير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية يوم 2 يونيو/حزيران: "يجب على العالم التعامل مع هذا الأمر باعتباره إنذارا مناخيا عاجلا"،
وأضاف: "ستزيد آثار النينيو من حدة التغير المناخي، ستكون آثارها أشد وطأة وستتخطى الحدود، بسرعة مدمرة، الاستجابة الفعالة الوحيدة هي اتخاذ إجراءات تتناسب مع حجم الأزمة، عبر إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتسريع الاعتماد على الطاقة المتجددة، وحماية الفئات الهشة، وتوفير أنظمة إنذار مبكر للجميع ".

ما النينيو؟
النينيو ليس عاصفة أو حدثا مفردا، بل جزء من نظام معقد يُعرف بالتذبذب الجنوبي–النينيو (El Niño-Southern Oscillation – ENSO)، وهو تفاعل دوري بين المحيط والغلاف الجوي في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ.
في الحالة الطبيعية، تهب الرياح التجارية من الشرق إلى الغرب، دافعة المياه الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ قرب آسيا، بينما تصعد المياه الباردة من الأعماق على طول سواحل أمريكا الجنوبية.
لكن خلال النينيو، يحدث اختلال في هذا التوازن، حيث تضعف الرياح التجارية، فتتحرك المياه الدافئة شرقا، وتتوقف عملية صعود المياه الباردة، فيتغير توزيع الحرارة على سطح الكوكب.
هذه الزيادة في حرارة المحيط لا تبقى محلية، بل تنتقل إلى الغلاف الجوي، لتعيد تشكيل أنماط الرياح والتيارات النفاثة، وتؤثر في أنظمة المطر والضغط الجوي حول العالم، فتعمل على إعادة برمجة للطقس العالمي، متسببة في أمطار غزيرة وفيضانات في مناطق، وجفاف قاس في أخرى، مع تغيرات في شدة الأعاصير ومساراتها.

التنبؤ بالظاهرة
لم يعد التنبؤ بالنينيو قائما على الرصد التقليدي فقط، بل أصبح علما متعدد الأدوات يعتمد على شبكة عالمية من القياسات والنماذج. أول هذه الأدوات هو رصد حرارة سطح المحيط عبر الأقمار الصناعية والعوامات المنتشرة في المحيط الهادئ.
كما يراقب الباحثون تغيرات الرياح، خاصة ما يُعرف بـ "اندفاعات الرياح الغربية "، وهي اضطرابات قصيرة لكنها قوية يمكن أن تُطلق سلسلة من التفاعلات تؤدي إلى تضخيم الظاهرة.
وفي العقود الأخيرة، أصبحت النماذج المناخية المتقدمة، التي تجمع بين الفيزياء والإحصاء والذكاء الاصطناعي، قادرة على دمج هذه البيانات للتنبؤ بتوقيت النينيو وشدته.

كوارث مناخية
ليست كل ظواهر النينيو متشابهة. فبعضها ضعيف التأثير، بينما تصل بعض الأحداث إلى مستويات "خارقة "، عندما ترتفع حرارة سطح المحيط بأكثر من درجتين مئويتين فوق المعدل الطبيعي.
التاريخ يُظهر أن هذه الأحداث النادرة، مثلما حدث في 1982–1983 و1997–1998 و2015–2016، كانت مرتبطة بكوارث مناخية على نطاق أوسع من المعتاد، من فيضانات إلى موجات جفاف طويلة، وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات.
ما يثير القلق اليوم هو أن هذه الظاهرة قد تتفاعل مع الاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري. فالمحيطات أصبحت أكثر دفئا بالفعل، ما يعني أن أي ظاهرة النينيو جديدة تبدأ من خط أساس أعلى، وقد تكون أكثر قدرة على تضخيم درجات الحرارة العالمية ودفعها إلى مستويات قياسية.

إلى ماذا تشير التوقعات لعامي 2026 و2027؟
إذا تطور النينيو إلى حدث خارق، فإن تأثيراته لن تكون محلية، بل ستطال معظم مناطق العالم. ففي آسيا، قد يؤدي إلى ضعف الرياح الموسمية، ما يهدد الزراعة ويزيد خطر الجفاف. وفي مناطق من أمريكا الجنوبية، قد يجلب أمطارا غزيرة وفيضانات. أما في أستراليا وجنوب شرق آسيا، فقد يتسبب في موجات جفاف وحرائق غابات.
على مستوى المحيطات، قد تزداد شدة الأعاصير في المحيط الهادئ، بينما ينخفض نشاطها في المحيط الأطلسي بسبب زيادة قص الرياح الذي يعيق تشكلها.
لكن التأثير الأبرز سيكون على درجات الحرارة العالمية؛ إذ تشير التوقعات إلى أن 2026 قد يشهد ارتفاعا ملحوظا، بينما قد يصل التأثير ذروته في 2027، التي قد تصبح واحدة من أكثر السنوات حرارة في التاريخ المسجل.
أثر عميق
يمتد الأثر الاقتصادي لظاهرة النينيو إلى ما هو أبعد من مجرد اضطرابات الطقس، ليضرب في عمق سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في الغذاء والطاقة.
فمع التوقعات بوقوع حدث قوي في نهاية 2026، يحذر خبراء الاقتصاد من تزامن خطير بين الصدمة المناخية والاضطرابات الجيوسياسية ما قد يخلق موجة تضخم جديدة تقودها أسعار الغذاء. إذ يؤدي النينيو عادة إلى تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق رئيسية بسبب الجفاف أو الفيضانات، بينما ترفع تكاليف المدخلات الزراعية مثل الأسمدة والطاقة.
وتشير التقديرات إلى أن أسعار الأسمدة ارتفعت بالفعل بشكل ملحوظ بسبب الحرب، مع زيادات في بعض الأنواع بنسبة تصل إلى 30-40%، وهو ما يهدد بتقليل استخدام المزارعين لها، وبالتالي خفض الإنتاج الزراعي ورفع الأسعار عالميا.
ومع اعتماد نحو نصف الإنتاج الغذائي العالمي على الأسمدة، فإن أي اضطراب في هذه الحلقة قد يتحول سريعا إلى أزمة غذاء.