اختطاف وقطع رؤوس.. أطفال ريف موزمبيق يستعيدون كوابيسهم

Ismael, 13, from northern Mozambique, was abducted by al-Shabab in 2024 [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
Ismael, 13, from northern Mozambique, was abducted by al-Shabab in 2024 [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
إسماعيل (13 عاما) من شمال موزمبيق، اختطفه الشباب عام 2024 ( الجزيرة)
إسماعيل (13 عاما) من شمال موزمبيق، اختطفه الشباب عام 2024 (الجزيرة)

أمام منزلهما المبني من الطين في تشير -وهي بلدة في مقاطعة كابو ديلغادو شمال موزمبيق- يجلس إسماعيل* وإستباو* وهما ينظران إلى الأرض، مستغرقين في استعادة ذكرى واقعة ما زالت تطاردهما.

وكان الطفلان -وهما شقيقان يبلغان من العمر 13 عاما و10 أعوام- قد تعرضا للخطف في نوفمبر/تشرين الأول الماضي على يد أفراد من فرع تنظيم الدولة الإسلامية في موزمبيق (ISM)، المعروف محليًا باسم "الشباب"، رغم أنه لا صلة له بالجماعة المسلحة الصومالية "حركة الشباب".

"كنا نلعب.. كانت الساعة الخامسة بعد الظهر عندما دخلت مجموعة من الرجال المسلحين إلى القرية وأمسكوا بنا جميعًا"، يهمس إسماعيل متحدثًا بالبرتغالية عبر مترجم، وإلى جانبه إستباو يجلس مستمعا لرواية شقيقه بصمت، وبعيون شاردة.

تم أخذ الفتيان مع أربعة آخرين من أبناء جيرانهم. كانت تلك مجرد حادثة ضمن موجة من عمليات اختطاف أطفال من قبل مقاتلين مسلحين، أصبحت واسعة الانتشار في تلك المنطقة، حسب ناشطين حقوقيين.

ويقول تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) صدر في يونيو/حزيران أن مثل هذه الحوادث "تزايدت بشكل كبير"، مشيرا إلى أن منظمات المجتمع المدني الوطنية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أكدت بدورها أن حالات الاختطاف في تزايد.

وينقل تقرير -حسبما ذكر- لمنظمة هيومن رايتس ووتش عن عبودو غافورو، مدير منظمة كوينديليا، وهي منظمة وطنية تراقب الهجمات وتقدم الدعم للضحايا، قوله: "في الأيام الأخيرة، تم اختطاف 120 طفلا وربما أكثر".

ويقول بعض المراقبين إن الإحصائيات لا تشمل جميع حالات الاختطاف، وحتى تلك المسجلة بالكاد تحصل على اهتمام دولي.

يأتي هذا وسط استمرار تسبب النزاع في تشريد الآلاف في واحدة من أفقر المناطق في العالم، لكنها في الوقت ذاته غنية بالموارد مثل الغاز الطبيعي المسال والمعادن والأحجار الكريمة.

Children play in a displacement camp in Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
Children play in a displacement camp in Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
أطفال يلعبون في ملعب مؤقت داخل مخيم للنازحين(الجزيرة)
أطفال يلعبون في ملعب مؤقت داخل مخيم للنازحين (الجزيرة)

"كنا خائفين"

اختُطف إسماعيل وإستباو من مسقط رأسهما؛ قرية مازيزي، وتقول والدتهما ماريا* للجزيرة إن هذه لم تكن المرة الأولى التي تتعرض فيها القرية للهجوم.

يشار إلى أن الهجمات على التجمعات الريفية باتت أمرًا شائعًا منذ أن بدأ تنظيم "الشباب" عملياته في المقاطعة عام 2017، كما أفاد مراقبون.  يتذكر إسماعيل في هذا الصدد ما وقع له قائلا "مشينا لساعات حتى أخذونا إلى مكان في الأدغال حيث يتواجد كثير من المسلحين والأسرى".

تم اقتياد الفتيان عبر الأدغال بدون قيود إلى حين وصولهم إلى معسكر المتمردين، وهو عبارة عن  موقع ناءٍ يقولان إنه لم تكن به أي بيوت مسقوفة.

عند الوصول، أعطى رجل مسلح سكاكين كبيرة للصبيان الستة، وخاطبهم قائلا "هل تعرفون ما هذا؟"، ثم أضاف: "لتقطيع الخشب والقتل".

في أعماق الغابة قضى الشقيقان يومين كاملين مع أولاد آخرين كأسرى، شهدا خلالها مشاهد مروعة. يقول إسماعيل: "رأيناهم يقطعون رأس امرأة مسنة، وهي معالجة تقليدية، أمام أعيننا". وأضاف "في الليلة ذاتها، تشاورنا فيما بيننا.. كنا خائفين، لكننا كنا متأكدين أن علينا الهرب".

في صباح اليوم التالي، طلب المسلحون من الصبية جمع الحطب.. بقي صبيان، بينما تمكن أربعة -بمن فيهم الشقيقان- من الهرب إلى عمق الغابة. وصلت المجموعة المذعورة إلى مكان آمن قبل أن تواصل مسيرة الهروب، وبعد مسيرة يوم كامل وصلوا أخيرًا إلى قرية تشير. يقول إسماعيل بحزن "لا نعرف أي شيء عن الاثنين (الولدين] اللذين بقيا".

يقول تقرير هيومن رايتس ووتش إنه تم إطلاق سراح بعض الأطفال المختطفين، لكن بقي آخرون في عداد المفقودين. وبالنسبة للعائدين، فإن الموارد المتاحة لمساعدتهم على الاندماج في بيئتهم؛ قليلة.

إسماعيل وإستباو يعيشان الآن في مخيم للنازحين على بعد 35 كلم من مكان اختطافهما (الجزيرة)
إسماعيل وإستباو يعيشان الآن في مخيم للنازحين على بعد 35 كلم من مكان اختطافهما (الجزيرة)

تمرد كبير

كابو ديلغادو، التي كانت ذات يوم جنة أرضية، أصبحت الآن جبهة تنقيب، حيث يتناقض وجود عمالقة صناعة النفط مثل شركة توتال إنرجيز، مع المنازل المصنوعة من القش والطوب اللبني، بما يجعل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي العميق في المنطقة أكثر وضوحًا.

كما أن العنف الذي بدأ في المقاطعة عام 2017، ما لبث أن هدأ بعد يوليو/تموز 2021، عندما تم نشر القوات المسلحة الرواندية بناءً على طلب حكومة موزمبيق، للمساعدة في العمليات ضد تنظيم الشباب.

لكن الهجمات تصاعدت في شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز، وفقًا للأمم المتحدة ومراقبي النزاعات. وقد فرّ حوالي 60 ألف شخص من كابو ديلغادو في الأسبوعين الماضيين، 42 ألفا منهم في منطقة تشيوري، حسبما قالت وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة في 5 أغسطس/آب الجاري.

كما شهدت كابو ديلغادو "نشاطا تمرديًا كبيرًا" في يونيو/حزيران، وفقًا لمراقب الصراعات "كابو ليغادو"، الذي أُطلقه مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) وشركاء إعلاميين لتتبع العنف السياسي في موزمبيق.

وأبلغ "كابو ليغادو" منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2017، عن أكثر من 6100 وفاة في المقاطعة، تشمل مقتل أكثر من 2500 مدني. وقد تميزت حملة تنظيم الشباب الوحشية التي استمرت لسنوات طويلة؛ بقطع الطرق والنهب والخطف والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وفقًا لخبراء.

وقد أصبحت عمليات الاختطاف -خصوصا للأطفال- جزءًا أساسيًا من تكتيكات هذا التنظيم، وهو ما فسر تقرير هيومن رايتس ووتش أسبابه الرئيسية باستخدامهم "معظم الأطفال المختطفين في نقل البضائع المسروقة، والعمل القسري، والزواج القسري، والمشاركة في القتال".

Ana Joao inside the family home where she now lives with her aunt [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
Ana Joao inside the family home where she now lives with her aunt [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
آنا جواو داخل منزل العائلة حيث تعيش الآن مع عمتها (الجزيرة)
آنا جواو داخل منزل العائلة حيث تعيش الآن مع عمتها (الجزيرة)

يشير روفينو سيتوي، المحاضر في كلية الدراسات الدولية بجامعة جواكيم شيسانو في مابوتو، إلى أن "النساء والأطفال أصبحوا الأهداف الرئيسية، حيث يُجبر الأطفال خصوصا على لعب أدوار نشطة في أعمال العنف"، ويقول حقوقيون إن ضحايا هذا العنف المنهجي يُقدرون بالآلاف.

من هؤلاء الضحايا آنا جواو* (15 عاما)، وهي فتاة من منطقة ماكوميا، تعرضت للنزوح مرتين خلال حياتها القصيرة.

المرة الأولى كانت في عام 2020، عندما أحرق مسلحون قريتها وقطعوا رؤوس عدد من سكانها. فرت جواو، واختبأت في الغابة،  ثم سارت أيامًا للوصول إلى تشيوري.

لكن أشباح الماضي ما لبثت أن عادت في عام 2024، عندما هاجم تنظيم الشباب القرية مرة أخرى.

تُوضح جواو بالبرتغالية عبر مترجم "في اليوم الذي قبضوا عليّ فيه، قالوا لي إنني سأكون زوجتهم، وأنهم سيتزوجونني وسيتعين علي إنجاب الأطفال.. أعلم أن هناك فتيات أنجبن أطفالًا من المتمردين".

هربت جواو مرة أخرى وهي تعيش حاليا مع عمتها. تقول للجزيرة "لقد تعبت للغاية من النزوح.. كل ما أريده هو مواصلة الدراسة"، وحلمها أن تصبح معلمة لا يزال بعيد المنال، مثل السلام في كابو ديلغادو.

Aerial view of Xinavane displacement camp in Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
Aerial view of Xinavane displacement camp in Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
لقطة جوية لمخيم النزوح في شينافانى بمقاطعة ماكوميا (الجزيرة)
لقطة جوية لمخيم النزوح في شينافانى بمقاطعة ماكوميا(الجزيرة)

مخاطر الحماية

شهد شهرا يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2025 أزمة إنسانية متفاقمة في شمال موزمبيق، وفقًا للمكتب الأممي لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" (OCHA)، فقد أدى عنف تنظيم الشباب "إلى موجة نزوح جديدة، وتعطيل الخدمات الأساسية، وتقييد الحركة بشكل حاد، وزيادة انعدام الأمن الغذائي، وإعاقة إيصال المساعدات المنقذة للحياة".

يوضح سيتوي قائلا إن الصراع تغيّر بشكل دراماتيكي في أبريل/نيسان 2024، عندما بدأت قوات بعثة جماعة التنمية للجنوب الأفريقي في موزمبيق (SAMIM)؛ بالانسحاب. وانتهى عمل هذه البعثة -الذي  بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023- يوم 15 يوليو/تموز 2024. وأضاف: "كان هذا هو العامل الأكثر أهمية في تصاعد العنف الأخير".

تسببت هجمات الجماعات المسلحة بين 20 يوليو/تموز و3 أغسطس/آب من هذا العام، في نزوح أكثر من 57 ألف شخص عبر مناطق تشيوري وأنكويب ومويدومبي، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة (IOM). ومنذ يناير/كانون الثاني الماضي، نزح ما يزيد عن 95 ألفا بسبب انعدام الأمن في كابو ديلغادو، وفقًا للأمم المتحدة.

في الوقت نفسه، عاد مئات الآلاف من النازحين إلى ديارهم، وفقًا للأمم المتحدة. ويعود ذلك إلى تحسن عام في الأمن داخل بعض المناطق، بفضل الجيش الموزمبيقي والقوات المحلية وجيش رواندا ، ولكن أيضًا بسبب الظروف السيئة في مخيمات النزوح ونقص الخدمات الأساسية، الذي دفع الناس إلى المغادرة.

في عام 2023، خلصت المقررة الأممية الخاصة بحقوق الإنسان للنازحين (IDPs)، باولا غافيريا بيتانكور، إلى أن عملية تمكين الناس من العودة إلى ديارهم كانت مشوبة بغياب آلية استشارية منظمة ورسمية وشفافة للنازحين داخليًا.

وقد كتبت في بيان نهاية مهمتها أن السلطات المحلية وقادة المجتمع "شجعوا أو سعوا أو مارسوا ضغطًا غير مباشر على النازحين للعودة إلى أماكنهم الأصلية، إما عن طريق وعدهم بالمساعدة الإنسانية أو تقديم معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة، عن الظروف في مكان العودة، مما أعاق قدرتهم على اتخاذ قرار مستنير وطوعي بالكامل".

تضم مقاطعة ماكوميا حاليا قرابة مليوني شخص، يُصنف رُبعهم -أي ما يوازي 461 ألفا- ضمن فئة  النازحين ويواجهون نقص الغذاء، وانفصال الأسر، وصدمات نفسية شديدة.

A mother and her child cross the road at the exit of Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
A mother and her child cross the road at the exit of Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
أم وطفلها يعبران الطريق عند مخرج ماكوميا (الجزيرة)
أم وطفلها يعبران الطريق عند مخرج ماكوميا (الجزيرة)

عاجزون عن الأكل

في مخيم نزوح في تشيوري (35 كلم عن المكان الذي أُخذوا منه)، يعيش إسماعيل وإستباو حاليا، مع والدتهما ماريا بين سكان معظمهم من النازحين.

والمخيم هو عبارة عن بحر من بيوت الطين والقش، كلها متشابهة ولا يزيد ارتفاعها عن مترين وبدون نوافذ. منزل الأسرة مربع بسيط مكون من أرضية حمراء بسقف من القش، فارغ تمامًا من الداخل، دون أي أدوات أو حصير.

تقول ماريا: "عندما عاد أطفالي، كنت سعيدة"، وأضافت: "لكن لم يدم ذلك طويلًا لأنني رأيت أنهم مصابون بصدمة، وغير قادرين على الأكل".

تجلس بجانب أبنائها، وتراقبهم بعناية بينما يتحدث إسماعيل.. قدماها عاريتان، مثل أقدام أطفالها ومعظم السكان الآخرين الذين يعيشون في المخيم.

وتقوم برامج المنظمات غير الحكومية المتخصصة بالدعم النفسي ومساعدة الأطفال المختطفين على العودة إلى مدارسهم بمساعدة الضحايا، الذين غالبًا ما يُظهرون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.

لكن هذا الدعم ليس دائمًا منتظمًا أو كافيًا. تقول إيزا نارتشيا مويسس، منسقة حماية الطفل والتعليم في حالات الطوارئ بمنظمة "أنقذوا الأطفال" في هذا الصدد: "عندما تعرفنا على الأخوين (إسماعيل وإستباو)، سجلناهما على الفور في قوائم الأنشطة". وتضيف: "ومع ذلك، لم نعد نعمل في هذه المنطقة ولم نتمكن من متابعة العملية".

Children participate in one of Save the Children's activities in Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
Children participate in one of Save the Children's activities in Macomia [Juan Luis Rod/Al Jazeera]
أطفال يشاركون في إحدى أنشطة منظمة "أنقذوا الأطفال" في ماكوميا (الجزيرة)
أطفال يشاركون في إحدى أنشطة منظمة "أنقذوا الأطفال" في ماكوميا (الجزيرة)

فرصة للصحفيين الاستقصائيين

منذ تولي دونالد ترامب منصب رئيس الولايات المتحدة، واجهت القطاعات الإنسانية والتنموية تخفيضات كبيرة في أماكن مثل موزمبيق. ففي عام 2023، تلقت الدولة الواقعة في جنوب إفريقيا أكبر قدر من تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بين دول المجتمع الناطق باللغة البرتغالية (CPLP).

يقول الخبراء إن ملايين الأرواح تعرضت بالفعل للخطر منذ بدء سريان هذه التخفيضات، لكن حتى مع تقديم مساعدة كافية، تبقى أوقات الاستجابة والرعاية المستمرة للأطفال في شمال موزمبيق تحديًا كبيرًا.

تقول بينيلدي نهاليفيلو، المديرة في منتدى المجتمع المدني لحقوق الطفل، لمنظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في يونيو/حزيران الماضي: "تحتاج البلاد إلى استراتيجية واضحة لما يجب فعله عندما يعود طفل، وخاصة الطفل الذي تم إنقاذه".

في هذه الأثناء، يُجبَر الأطفال الذين أُعيدوا بعد اختطافهم على العيش في القرى ومخيمات النزوح، مع صدماتهم، وسط خوف دائم من هجوم آخر. يقول إسماعيل بينما يجلس إستباو، صامتًا: "كنا نسترجع ما حدث عندما اختُطفنا". ويضيف: "بصراحة، تلك الذكرى تعود دائمًا، حتى اليوم".

* لأسباب أمنية تم تغيير أسماء الشهود الذين وردت أسماءهم في التقرير 

إعداد: دييغو مينخيبار رينيس

تصوير: خوان لويس رود 

المصدر: الجزيرة