فريدريش ميرتس.. لماذا يشكر إسرائيل على قيامها بـ"أعمال قذرة"؟

German Chancellor Friedrich Merz arrives for the cabinet meeting at the chancellery in Berlin, Germany, Wednesday, June 11, 2025. (AP Photo/Markus Schreiber)
German Chancellor Friedrich Merz arrives for the cabinet meeting at the chancellery in Berlin, Germany, Wednesday, June 11, 2025. (AP Photo/Markus Schreiber)
كاتب وصحفية ألمانيان نشرا سيرة ميرتس في كتاب عنوانه "العنيد" (أسوشيتد برس)
كاتب وصحفية ألمانيان نشرا سيرة ميرتس في كتاب عنوانه "العنيد" (أسوشيتد برس)

"... إسرائيل تقوم بأعمال قذرة من أجلنا جميعا".

" كل ما أستطيع قوله هو أنني أكنّ احتراما عميقا للجيش الإسرائيلي ولقيادة الدولة الإسرائيلية التي امتلكت الشجاعة للقيام بذلك". (مهاجمة إيران).

المستشار الألماني فيدريش ميرتس في مقابلة مع القناة التلفزيونية الثانية (ZDF) على هامش قمة مجموعة (جي 7) الأخيرة في كندا.

مجددا، يتعثر المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الكلام. فبعد ضجة أثارها اتهامه للألمان بـ"الكسل" تعليقا على نقاش خفض أيام العمل الأسبوعي إلى أربعة وإصراره على إيجاد "وسائل وطرق" للحيلولة دون اعتقال بنيامين نتنياهو إذا لبّى دعوته لزيارة ألمانيا، عاد ميرتس بعد شهرين من تسلمه مهام رئيس حكومة ألمانيا في السادس من مايو/أيار الماضي إلى أسلوبه غير المحسوب في مخاطبة الرأي العام، ولكن الضجة التي أثارها هذه المرة عندما قدم الشكر لدولة متهمة بارتكاب جرائم حرب لأنها تقوم "بأعمال قذرة من أجلنا جميعا" -كما قال- وإعرابه عن "احترامه العميق" لجيش هذه الدولة لأنه امتلك "الشجاعة" اللازمة لمهاجمة إيران، كل ذلك جعل الضجة هذه المرة أكبر وكان سببا للجوء شخصيات ألمانية اعتبارية إلى محاسبته أمام القضاء بتهمة "التحريض".

Dieter Hallervorden presents his Bambi 2015 media award during the awarding event in Berlin, Thursday, Nov. 12, 2015. (AP Photo/Markus Schreiber)
الفنان هالفوردين من بين الذين رفعوا الشكوى ضد المستشار (أسوشيتدبرس)

فبعد أيام من الإدلاء بهذه التصريحات، بادرت مجموعة من النخب الألمانية على رأسها الفنان الشهير ديتر هالَفوردن والسياسي السابق في حزب اليسار ديتر ديم ورئيس قسم التخطيط السابق في المستشارية الألمانية ألبرشت موللر بتقديم شكوى قضائية ضد المستشار الألماني بتهمة "التحريض على شن حرب عدوانية".

واستندت المجموعة المكونة من 20 شخصية إلى المادة § 80 (a) من قانون العقوبات الألماني (StGB) التي تنص على التالي: يُعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وخمسة أعوام كل من يحرض علنا وضمن النطاق الإقليمي لهذا القانون على ارتكاب جريمة العدوان (المادة 13 من القانون الجنائي الدولي)، وذلك في العلن أو عن طريق نشر محتوى".

أبرز الموقعين على الشكوى كان ألبريشت موللر، رئيس قسم التخطيط في المستشارية الألمانية مرتين في عهد المستشارين السابقين فِلي براند وهِلموت شمِتّ.

موللر بدأ الحديث مع الجزيرة نت بالتساؤل عن معنى المصطلح المستخدم في التصريح قائلا إن القيام بأعمال قذرة يعني في هذه الحال "تدخلا عسكريا إسرائيليا غير مبرر (...) قول المستشار الألماني إنه يدعم القيام بهذه الأعمال القذرة هو إفادة تفوق التصورات في أي نظام ديمقراطي وتتخطى حدود تعريفي لآليات التعامل بين السياسيين وبين الشعوب لهذا أعتبر هذه التصريحات غير لائقة مطلقا". موللر الذي كان مسؤولا عن تخطيط سياسة مستشارين اشتراكيين ديمقراطيين يعتبر أن سياسة ميرتس تتوافق مع "التقاليد غير الديمقراطية لحزبه المسيحي الديمقراطي".

المستشار "العنيد"

ولأن فريدريش ميرتس ما زال جديدا في منصبه، لم يجرؤ أحد حتى الآن على كتابة سيرته الذاتية. رغم ذلك غامر الكاتب دانييل غوفارت مع الصحفية يوتا ـ فالكِه إيشنغر ونشرا قبل تولي ميرتس منصبه بعدة أشهر كتابا عن ميرتس بعنوان "العنيد" (Der Unbeugsame).

غوفارت يختلف مع موللر بخصوص رأيه في شخصية ميرتس ويرى أن ميرتس شخص "مندفع ومُستهلك ومعروف باستخدام صياغات حادة، الأمر الذي يتسبب دائما في نقاشات وخلافات في الرأي العام".

ويضيف غوفارت في حديث مع الجزيرة نت: "ميرتس يلعب دائما في الهجوم، ولكن الآن وبعد تسلمه منصبه عليه تغيير مساره والتحول من الهجوم إلى القيادة والحكم، فالحكم بالنسبة له شيء جديد لأنه لم يقم بذلك من قبل ولم يتقلد أي منصب عام وهذا ما جعل بدايته في المستشارية صعبة".

عودة ميرتس

وتوصف عودة ميرتس إلى عالم السياسة بعد غياب استمر 19 عاما وفوزه في الانتخابات الأخيرة بأنهما فريدان من نوعهما. فبعد إقصائه عام 2002 من قِبل المستشارة الألمانية المعمرة أنجيلا ميركل من رئاسة الكتلة النيابية للاتحاد المسيحي الديمقراطي في البرلمان (بوندستاغ)، توارى ميرتس فعليا عن الأنظار.

Former German Chancellor Angela Merkel talks with author Alexander Osang, in Berlin
أنجيلا ميركل بدأت تتخلى عن مناصبها الواحد تلو الآخر بعد العام 2018 (رويترز)

في عام 2018 بدأت أنجيلا ميركل تفقد بريقها وتتخلى عن منصب تلو الآخر. فقد أعلنت في نهاية العام رغبتها في عدم الترشح لمنصبي رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة.

شكل أفول نجم المستشارة ميركل فرصة لا تعوض بالنسبة لميرتس الذي لم يجتهد كثيرا من أجل حسم الصراع على السلطة في الحزب المسيحي الديمقراطي، لكنه تمكن في عام 2022 من الفوز برئاسة الحزب، وبعد ذلك بشهر برئاسة الكتلة النيابية للاتحاد المسيحي الديمقراطي وأخيرا في فبراير/شباط الماضي بمنصب المستشار.

صحيح أن 28,52 بالمئة من الناخبين في ألمانيا كانوا سعيدين بفوز ميرتس في الانتخابات المبكرة التي أجريت في نهاية فبراير الماضي، ولكن جائزة المليون كانت من نصيب شركات المال التي تعرف ميرتس جيدا وهو يعرفها أيضا. فبعد الخلاف مع ميركل ومغادرته البرلمان تقلد في هذه الشركات مناصب قيادية وكان من أبرز وجوه جماعات الضغط التي تعمل لصالح شركات ألمانية وأخرى متعددة الجنسيات.

ميرتس وبلاك روك

فقبل التحاق المحامي الشاب الذي ولد في عام 1955 في بلدة بريلو بجنوب وسط ألمانيا في عائلة ذات تقاليد عريقة في مهنة المحاماة قبل التحاقه بعالم السياسة في عام 1989، بدأ ميرتس مبكرا توزيع أوراقه على عدة شركات ألمانية وعالمية أبرزها شركة إدارة الاستثمار المتعددة الجنسيات (بلاك روك) التي تدير 8 تريليونات دولار أي ضعف الناتج القومي المحلي الألماني الذي يعد الأكبر في أوروبا.

وبحسب مصادر متطابقة تقلد ميرتس في شركات ألمانية وعالمية مناصب قيادية في مجالس إدارة وأمناء واستشارة هذه الشركات التي كان أبرزها:

  • مكتب المحاماة المتعدد الجنسيات (Mayer, Brown, Rowe & Maw LLP).
  • الفرع الألماني لشركة التأمينات العالمية (AXA).
  • شركة التأمينات الألمانية (DBV-Winterthur Holding AG).
  • أكبر شركة في العالم لمواد العزل (ROCKWOOL).
  • الشركة الألمانية العملاقة لصناعة مواد التنظيف (WEPA Industrieholding SE).
  • شركة الصناعات الكيميائية الألمانية .(BASF)
  • عضو المجلس الاستشاري في ثاني أكبر بنك ألماني (كوميرتس بنك).
  • عضو المجلس الاستشاري في نادي الدرجة الأولى لكرة القدم (بوروسيا دورتموند).
  • رئيس المؤسسة الألمانية المعنية بالعلاقات بين ألمانيا والولايات المتحدة (Atlantic Bridge).
  • الفرع الألماني للبنك العالمي (HSBC Trinkaus).
  • عضو مجلس الإدارة للبورصة الألمانية (Deutsche Börse) والقائمة تطول.

ولكن القفزة الكبرى التي حققها ميرتس قبل ترشحه لرئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي ولمنصب المستشار كانت في عام 2016 عندما أصبح عضوا في مجلس إدارة الفرع الألماني للشركة الأميركية "بلاك روك".

بلاك روك ليست مجرد شركة لإدارة الاستثمارات، فهي أكبر شركة من نوعها في العالم وتعد أكبر مساهم فردي في معظم الشركات الألمانية العملاقة المسجلة في مؤشر الأسهم الألمانية الرئيسي (داكس)، وتعد أيضا أكبر مساهم في شركات عالمية مثل غوغل وآبل ومايكروسوفت وإيكسون موبايل وشيفرون وغيرها من الشركات العملاقة.

بحسب البرنامج الاستقصائي "مونيتور" للقناة التلفزيونية الألمانية الأولى ((ARD فإن بلاك روك لها حصص في 17 ألف شركة عالمية عملاقة.

ويعد ماضي المستشار الألماني في هذه الشركة نقطة سوداء في مسيرته. فكيف يرى ألبريشت موللر عمل رئيس الحكومة الألمانية لصالح هذه الشركة علمًا بأن مهامه تحتم عليه العمل لخدمة الصالح العام وما تأثير ذلك في عمله مستشارًا لأكبر دولة أوروبية في السنوات الأربع المقبلة؟

زعيم المحافظين ميرتس يعلن النصر في الانتخابات الحاسمة في ألمانيا في فبراير/شباط الماضي (الأناضول)
زعيم المحافظين ميرتس يعلن النصر في الانتخابات الحاسمة في ألمانيا في فبراير/شباط الماضي (الأناضول)

موللر سياسي سابق ومن هنا لا يفضل الإجابة عن أسئلة افتراضية، ولكنه "متأكد" من أن عمل ميرتس السابق في الشركة سيكون له تأثير في مهامه الحكومية مشيرا إلى أنه لن يتمكن من العمل بشكل مستقل للصالح العام في ألمانيا وإلى أن نشاطه في بلاك روك ستكون له تبعات سلبية على عمله رئيسًا للحكومة.

يضيف موللر بتهكم "أمر شاذ أن يقف على رأس الحكومة الألمانية شخص عمل لشركة من طراز بلاك روك أي لشركة مال أميركية (...) سنكون ساذجين إذا اعتقدنا أن عمل ميرتس في بلاك روك لن يؤثر في مهامه الحكومية الجديدة. إذ إن مهمة ميرتس الرئيسية في هذه الشركة كانت نسج العلاقات وليس أي علاقات، بل علاقات من نوع خاص الأمر الذي سيؤثر في المصالح الاقتصادية لألمانيا".

ووفق تقرير للمؤسسة الألمانية المختصة في رصد أنشطة جماعات الضغط (لوبي كونترول) فإن مهمة ميرتس في بلاك روك كانت تركز على نسج العلاقات بين كبرى الشركات الأوروبية والألمانية من جهة والحكومات من جهة أخرى.

ميرتس والقرية الفلسطينية المهجرة هِرِبيا؟

في 12 مايو/أيار الماضي، نشر ميرتس على صفحة المستشار الاتحادي (ليس على صفحته الشخصية) فيديو بعنوان "الأمل يمحو الظلام" يظهر فيه جانب من زيارة قام بها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ للمستشارية الألمانية. في بداية هذا الفيديو بدا هيرتسوغ مستغربا صورة فوتوغرافية من الحجم الكبير معلقة في مكتب ميرتس. استفسر هيرتسوغ مضيّفه قائلا: "رائع. أنت تعلق هنا صورة لشاطئ زِكيم؟"، فردّ ميرتس: "علقت هذه الصورة لمدة سنوات في مكتبي عندما كنت نائبا في البرلمان واليوم أحضرتها إلى هنا وسأبقي عليها معلقة في المستشارية. هيرتسوغ رحب طبعا بهذه اللفتة التي لا تخلو من التملّق ولكنها بلا شك تشير إلى حرص مستشار ألمانيا على إحسان ضيافة هيرتسوغ الذي رد بدعوة ميرتس إلى زيارة هذا الشاطئ عندما يزور إسرائيل.

ولم تبرمج الحكومة الألمانية لغاية الآن زيارة من المستشار ميرتس لإسرائيل. كما أننا لا نعرف ما إذا كان ميرتس سيفي بوعده ويلبي دعوة هيرتسوغ لزيارة شاطئ زِكيم، ولكن السؤال الأهم الذي يتبادر إلى الأذهان بعد نشر ميرتس هذا الفيديو هو لماذا ينشره تحديدا قبل ثلاثة أيام من حلول ذكرى النكبة الفلسطينية في 15 مايو؟

  • فهل يعرف ميرتس أن شاطئ زِكيم أقامته العصابات الصهيونية على أنقاض قرية فلسطينية مهجرة لم يبق من معالمها إلا مسجد وسيظلّ الفلسطينيون يسمونها هِرِبيا؟ وهل يعرف أن أبناء عائلات الشرافي والغول وغيرها من العائلات الفلسطينية التي سكنتها قبل نكبتها يرون بساتينها من غزة بالعين المجردة؟
  • أم أنه أراد استفزاز أحد؟
  • أم أن هذه اللفتة كانت مزيجا من الجهل والتملّق ومجاملة ضيف استغرب هو نفسه هذه الحركة؟
  • أم أنه تعثر مجددا ولكن هذه المرة ليس في الكلام فحسب؟

في اليوم التالي، جاءني مراسل الموقع الألماني "Nachdenkseiten" فلوريان فارفِغ وسألني هل شاهدت الفيديو؟ فأجبت بنعم. قال إنه اجتهد كثيرا وبحث عند المؤرخيْن الإسرائيلي إلان بابيه والفلسطيني وليد الخالدي عن قصة القرية وسيستفسر المتحدث باسم الحكومة الألمانية عن سبب نشر المستشار الألماني هذا الفيديو.

وهذا ما حدث. ولكن المشكلة هنا هي أن سؤال الصحفي كان أطول من إجابة نائب المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن ماير بعشرة أضعاف.

ورغم تحايل الصحفي في طرح الأسئلة وتقديمه مصادر موثوقا بها على تهجير القرية الفلسطينية، فإن ماير اكتفى بجملة واحدة: "لا معلومات لدينا عن ذلك"، ولكنه تعهد -كما تفعل الحكومة في العادة في مثل هذه الحالات- بتقديم معلومات للصحفي إن توفرت. فارفِغ يقول إنه ينتظر لغاية الآن إيضاحات من المكتب الإعلامي للحكومة الألمانية حول هذا الفيديو، في إشارة منه إلى تجاهل نائب المتحدث باسم الحكومة الألمانية لاستفساره حول الفيديو "الاستفزازي".

دعوة نتنياهو

فريدريش ميرتس يعرف القوانين الدولية أفضل من غيره. فهو محامٍ من العيار الثقيل رافع عن كبرى الشركات. ولكن "العناد" لدرجة المبالغة يعد من أهم السمات التي تميز شخصيته بحسب عنوان سيرته الذاتية المتوفرة في الأسواق للصحفيين المشار إليهما في بداية التقرير دانييل غوفارت ويوتا ـ فالكِه إيشنغر.

إذ إن مفاخرته بصورة فوتوغرافية لشاطئ استجمام بني على تهجير شعب يتعرض الآن للإبادة لا يعد سوى حلقة من مسلسل طويل من أسلوبه الهجومي وتصريحاته غير المحسوبة منذ عودته إلى العمل السياسي وترؤس الحزب المسيحي الديمقراطي قبل فوزه في الانتخابات الأخيرة.

فما الذي يجبر رئيس حكومة أكبر دولة أوروبية بعد دقائق فقط من إعلان فوزه في الانتخابات المبكرة في 23 فبراير الماضي على المفاخرة بإجراء مكالمة هاتفية مع نتنياهو دعاه فيها إلى زيارة ألمانيا؟ علما بأن المواطن الألماني انتخبه بسبب برنامجه الاقتصادي وليس بسبب علاقة صداقة مع رئيس حكومة مطلوب للعدالة الدولية.

Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu arrives for a meeting with lawmakers at the US Capitol in Washington, DC, on July 9, 2025.
ميرتس سيبذل جهده لاستضافة نتنياهو من دون التعرض للاعتقال (الفرنسية)

وبعد الضجة التي تلت هذا الإعلان أعرب ميرتس عن إصراره على إيجاد "وسائل وطرق" لتمكين بنيامين نتنياهو من زيارة ألمانيا ومغادرتها دون التعرض للاعتقال، الأمر الذي سيدخل ميرتس المحامي في صراع ليس مع القوانين الدولية ومع المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر ألمانيا أكبر داعميها ومموليها فحسب، بل أيضا مع القوانين الألمانية.

فبحسب مدونة الحقوقي المختص في القانون الدولي كاي أمبوس (Verfassungsblog) ستواجه المستشارَ الألماني إذا نفذ وعده ودعا نتنياهو إلى زيارة ألمانيا مشكلتان الأولى مع المحكمة الجنائية الدولية والثانية مع الدستور الألماني الذي يؤكد ضرورة الفصل بين السلطات.

فوفقا للمادة 86 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تتعهد الدول الـ125 الموقعة على اتفاقية المحكمة باعتقال المتهمين بارتكاب جرائم وتسليمهم حتى لو كانوا من بلدان لم توقع على اتفاقيتها مثل إسرائيل.

ولكن إيجاد ميرتس "وسائل وطرق" لعدم اعتقال نتنياهو سيضع أحد أهم إنجازات الدولة الألمانية الحديثة أمام تحد كبير وهو تقويض مبدأ الفصل بين السلطات. إذ إنه إذا أراد رئيس الحكومة الألمانية عرقلة اعتقال نتنياهو، فيجب على السلطة التنفيذية (الحكومة الاتحادية أو حكومات الولايات الألمانية الـ16) التدخل بشكل سافر في صلاحيات السلطات القضائية، أي المحكمة التي ستصدر قرار الاعتقال والتسليم، علما بأن وزارة العدل الألمانية أكدت التزام حكومة ميرتس بهذا المبدأ.

"فقط من يغير نفسه يستطيع البقاء"

فهل سيغامر ميرتس في بداية مشواره في رئاسة حكومة ألمانيا ويدعو متهما بارتكاب جرائم حرب إلى زيارة برلين، أم سيستجيب لكاتب سيرته الذاتية دانييل غوفارت ويغير مساره من الهجوم إلى القيادة؟ علما بأنه هو نفسه اختار قبل قرابة عقدين العنوان التالي لكتاب من تأليفه: "فقط من يغير نفسه يستطيع البقاء" (Nur wer sich ändert, wir bestehen) ولهذا الكتاب ولمغزى عنوانه قصة طريفة:

في 23 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2018 نشرت صحيفة تاتس الألمانية اليسارية مقابلة مع مشرد يدعى إنريكو (ج). يقول إنريكو إنه عثر في عام 2004 في محطة قطارات أوست بانهوف ببرلين على كمبيوتر شخصي وإنه عرف منذ البداية بأن "الموضوع حساس" لأن الكمبيوتر الشخصي فيه أرقام هواتف شخصيات سياسية ألمانية مثل رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي في حينها أنجيلا ميركل والمستشار الألماني آنذاك غيرهارد شرودر وغيرهم من الشخصيات القيادية.

لاحقا تبين للمشرد أن هذا الكمبيوتر لفريدريش ميرتس نائب رئيس الكتلة النيابية للاتحاد المسيحي الديمقراطي آنذاك، وبدلا من بيع الكمبيوتر مثلا، قرر "المشرد الأمين" تسليمه للشرطة.

BERLIN, GERMANY - MAY 28: German Chancellor Friedrich Merz and Ukrainian President Volodymyr Zelensky (not pictured) speak to the media following talks at the Chancellery on May 28, 2025 in Berlin, Germany. Merz recently said he will allow Ukraine to use German weapons to hit targets deep inside Russia. Germany is the second biggest supplier of military aid to Ukraine after the United States. (Photo by Sean Gallup/Getty Images)
مشرد عثر على كمبيوتر ميرتس وأعاده له (غيتي إيميجز)

يضيف إنريكو (ج) أنه أعطى للشرطة كمكان للسكن عنوان إحدى دور السكن المعنية برعاية المشردين وبعد أربعة أسابيع "سلمتني إحدى الموظفات في المؤسسة كعربون شكر كتاب فريدريش ميرتس الجديد "فقط من يغير نفسه يستطيع البقاء".

يختم المشرد المقابلة بالقول "اعتبرت ذلك حينها وقاحة وقمت بإلقاء الكتاب فورا في نهر شبري (...) الموضوع بالنسبة لي ليس له علاقة بمكافأة مالية، فكل ما أردته منه أن يأتي شخصيا ويشكرني. هذا كل شيء".

إنريكو (ج) لم يقرأ الكتاب لأنه ألقاه في النهر، ولكنه رغم ذلك غيّر نفسه وتمكن قبل عشر سنوات -بحسب صحيفة "FAZ" الألمانية- من العثور على عمل ثابت ومن إيجاد شريكة حياة يعيش معها منذ سنوات في شقة سكنية عادية، وذلك كله دون الحاجة إلى مساعدة من فريدريش ميرتس.

فرصة للصحفيين الاستقصائيين

المصدر: الجزيرة