أوروبا.. المهاجرون يدفعون الثمن واليمين المتطرف يستثمر الأزمة

حفظ

GLASGOW, SCOTLAND - JULY 11: Members of the local community take part in an anti-migrant protest in Possilpark on July 11, 2026 in Glasgow, Scotland. Anti-migrant tensions in Glasgow have escalated sharply in recent weeks into street clashes, community-level disturbances, and racist attacks. While Glasgow historically holds a reputation as a welcoming city that strongly resists aggressive UK immigration enforcement, a severe local housing crisis, an influx of asylum seekers, and inflammatory social media rumors have fueled recent far-right activity. (Photo by Jeff J Mitchell/Getty Images)
أزمة السكن والضغوط على البنية الاجتماعية في غلاسكو تزامنت مع تصاعد الغضب المناهض للهجرة (غيتي)

تتزايد الضغوط على المهاجرين في عدد من الدول الأوروبية، في وقت تتداخل فيه أزمات السكن والخدمات العامة مع تصاعد الخطاب المناهض للهجرة وتشديد السياسات المرتبطة بها.

وترصد تقارير بريطانية هذه التحولات بوضوح في مدينة غلاسكو الإسكتلندية، حيث أدت أزمة السكن والضغط على البنية الاجتماعية إلى تغذية احتجاجات مناهضة للهجرة، بينما تتجه الحكومة البريطانية إلى تشديد قواعد الاستقرار الدائم للمهاجرين، في خطوة أثارت اعتراضات حتى داخل حزب العمال نفسه.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

أما في ألمانيا، فيقترب حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف من تحقيق "انتصار غير مسبوق" في ولاية ساكسونيا-أنهالت الواقعة في ألمانيا الشرقية سابقا، وسيكون فوزه أول وصول لحزب من اليمين الراديكالي إلى حكم ولاية ألمانية منذ عام 1945.

وبين أزمات السكن وتشديد سياسات الهجرة وصعود اليمين المتطرف، تبرز أسئلة بشأن أسباب تصاعد الغضب تجاه المهاجرين، وكيف تستثمره القوى اليمينية سياسيا، وما الذي قد يعنيه انتقال هذه القوى من التأثير في الخطاب العام إلى ممارسة السلطة.

GLASGOW, SCOTLAND - JUNE 13: Anti immigration protesters attend the 'Glasgow Reclaims The Streets From Far-right Hatred And Violence' anti-racism protest on June 13, 2026 in Glasgow, Scotland. The recent racially motivated street assaults in Glasgow were fueled by widespread outrage over last week's stabbing in Belfast and the tragic murder of 18-year-old student Henry Nowak in Southampton. Nowak's killer, Vickrum Digwa, was convicted in late May 2026, national anger intensified when police bodycam footage revealed that responding officers mistakenly handcuffed and arrested a dying Nowak instead of assisting him, after Digwa falsely claimed he was the victim of a racial attack. This systemic failure, alongside the Belfast stabbing, has been leveraged by far-right figures to incite a mob of several hundred masked men to march under white nationalist slogans, leading to racially motivated street assaults and an attempted siege of the Glasgow Central Mosque. (Photo by Jeff J Mitchell/Getty Images)
فايننشال تايمز: التصورات بشأن عدم الإنصاف في الإسكان غذت الاحتجاجات المناهضة للهجرة في غلاسكو (غيتي)

أزمة تغذي الغضب

وترسم صحيفة فايننشال تايمز ملامح التوتر المرتبط بالهجرة في غلاسكو، وتقول إنها كانت لأكثر من عقدين وحتى عام 2022، المنطقة الوحيدة في إسكتلندا التي وافقت على إسكان طالبي اللجوء الذين تركز وجودهم في لندن وجنوب شرقي إنجلترا.

وتستضيف المدينة اليوم أعلى عدد من طالبي اللجوء، نسبة إلى السكان في المملكة المتحدة، بزيادة تبلغ الربع عن أي سلطة محلية أخرى، وبنحو 4 أضعاف نسبتهم في لندن، إذ يزيد عدد طالبي اللجوء في غلاسكو على 3900 شخص.

وتشير الصحيفة إلى أن هذه الأوضاع يجري "تسييسها" بصورة مكثفة، إذ تزامنت الضغوط على الخدمات والبنية الاجتماعية، لا سيما الإسكان، مع شكاوى بشأن الجريمة في وسط المدينة، مما غذى غضب اليمين المتطرف.

إعلان

وتعزو رئيسة اتحاد نقابات العمال الإسكتلندي روز فوير هذا الغضب إلى انعدام الأمن الاقتصادي الذي هيأ أرضية خصبة له داخل مجتمعات الطبقة العاملة، قائلة إن "اليمين يؤجج قضية الهجرة على مدار جيل كامل الآن"، في حين أن النظر إلى الواقع الاقتصادي البحت في إسكتلندا يظهر أن البلاد تحتاج إلى مزيد من المهاجرين.

وزادت الضغوط بعدما أدى تسريع وزارة الداخلية معالجة طلبات اللجوء، في إطار مساعٍ بدأت عام 2023 لتقليص الطلبات المتراكمة، إلى انتقال أعداد متزايدة من اللاجئين الجدد إلى نظام المشردين في المدينة، في وقت تقول فيه الحكومة إنها تعمل على توزيع إسكان طالبي اللجوء بصورة عادلة في أنحاء البلاد، بالتنسيق مع السلطات المحلية للحد من تأثير ذلك على المجتمعات.

لكن المجلس الإسكتلندي للاجئين ينفي أن يكون اللاجئون "يتخطون قوائم الانتظار" للحصول على السكن، موضحا أن المشردين يحصلون على أولوية أكبر بسبب ظروفهم، وليس بسبب جنسيتهم أو وضعهم المتعلق بالهجرة، حسبما نقل التقرير.

وتلفت روبينا قريشي، الرئيسة التنفيذية لجمعية "بوزيتيف أكشن إن هاوسينغ" الإسكتلندية، إلى أن الضغوط على الإسكان سبقت دخول اللاجئين إلى قوائم الانتظار، مشيرة إلى عدم بناء مساكن كافية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ورغم ذلك توضح الصحيفة أن التصورات بشأن عدم الإنصاف في الإسكان أسهمت في تأجيج الاحتجاجات المناهضة للهجرة التي شهدتها المدينة هذا الصيف، في وقت حقق فيه حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني اختراقا في مناطق الطبقة العاملة، رغم أن غلاسكو لا تزال ذات توجه يساري في الغالب.

LONDON, ENGLAND - JULY 17: Home Secretary Shabana Mahmood gives a speech at Trades Union Congress, after it was announced that Andy Burnham MP will become the new leader of the Labour Party and Prime Minister of the United Kingdom on July 17, 2026 in London, England. Andy Burnham, MP for Makerfield ran unopposed to succeed Sir Keir Starmer, who announced his resignation in June 2026. Burnham secured overwhelming support from 379 Labour MPs and the majority of affiliated trade unions. (Photo by Carl Court/Getty Images)
تسعى وزيرة الهجرة لمضاعفة المدة التي على المهاجرين قضاؤها قبل التأهل للحصول على الإقامة الدائمة (غيتي)

التشدد ينتقل للحكومة

ومن غلاسكو إلى داونينغ ستريت، تسلط صحيفة آي بيبر الضوء على اتجاه الحكومة البريطانية إلى تشديد سياسات الهجرة، في وقت تواجه فيه وزيرة الداخلية شبانة محمود "تمردا متزايدا" من نواب حزب العمال على "إصلاحاتها المثيرة للجدل".

وتسعى الوزيرة إلى مضاعفة المدة الافتراضية التي يتعيّن على المهاجرين قضاؤها قبل التأهل للحصول على الإقامة الدائمة من 5 إلى 10 سنوات، وهي خطوة يشير التقرير إلى أنها أثارت ردود فعل معارضة واسعة، دفعت محمود ورئيس الوزراء آندي بيرنهام إلى بحث تقديم تنازل للنواب المعارضين للخطة.

ولا تقتصر التغييرات المقترحة على الوافدين الجدد، إذ تريد محمود إخضاع المهاجرين الموجودين بالفعل في البلاد للقواعد الجديدة، وهو ما أثار مخاوف خاصة بين نواب حزب العمال بسبب تطبيقها بأثر رجعي.

وتقول الصحيفة إن 10 نواب آخرين من حزب العمال يتوقع أن يعلنوا معارضتهم للخطة وينضموا إلى مقترح برلماني يطالب بتخفيف التغييرات المقترحة على قواعد الإقامة الدائمة، ويحظى حاليا بتأييد 64 نائبا، بينهم 37 من حزب العمال. وقدم المقترح النائب العمالي نيل دنكان-جوردان، الذي وصف خطط الوزيرة بأنها "غير بريطانية".

ويطالب دنكان-جوردان ومؤيدوه بالإبقاء على مسار السنوات الخمس لجميع حاملي تأشيرات العمال المهرة، ومن بينهم العاملون في الرعاية الاجتماعية، مشيرين إلى أنهم "يدفعون الضرائب ويسهمون في مجتمعاتهم، ولا يحق لهم الحصول على الأموال العامة".

إعلان

ويعتبر المقترح أن هؤلاء العمال قدموا إلى المملكة المتحدة على أساس واضح بأن 5 سنوات من العمل والإقامة ستتيح لهم مسارا للحصول على الإقامة الدائمة، وأن كثيرين منهم بنوا حياتهم في البلاد على هذا الأساس، مضيفا أن التغييرات المقترحة قد "تقوض الثقة في نظام الهجرة، وتضر بسمعة المملكة المتحدة الدولية، وتفاقم نقص المهارات".

وفي سياق متصل، يحذر النائب العمالي من أن الخدمات العامة والمستفيدين منها والعاملين فيها "سيتضررون" من هذه السياسات.

ويأتي هذا التحذير في وقت نشرت فيه آي بيبر تحليلا أجرته نقابة "يونيسون"، أشار إلى أن العمال البريطانيين لا يسدون الوظائف الشاغرة في قطاع الرعاية الاجتماعية التي خلفها تراجع أعداد العاملين المهاجرين.

Ulrich Siegmund, far-right Alternative for Germany (AfD)'s main candidate in the Saxony-Anhalt state election, speaks to delegates during the federal congress of Generation Germany, the youth organization of the far-right Alternative for Germany (AfD) party, in Magdeburg, eastern Germany, on August 29, 2026. (Photo by Jens SCHLÜTER / AFP)
أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت (الفرنسية)

اليمين نحو السلطة

لكن ماذا يمكن أن يحدث عندما يصبح اليمين نفسه قريبا من الحكم؟ تقول صحيفة تايمز إنه من المتوقع أن يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا فوزا كبيرا في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت المقررة في 6 سبتمبر/أيلول الجاري، مع احتمال حصوله على أغلبية مطلقة في برلمان الولاية.

وإذا تحقق ذلك، سيجد الحزب نفسه مسؤولا عن الشرطة وجهاز الاستخبارات في الولاية ونظام اللجوء والمدارس، فضلا عن تمويل الثقافة والمجتمع المدني وهيئة البث العامة في المنطقة.

وتوضح الصحيفة أن الحزب يرى في الوصول إلى حكم الولايات الألمانية طريقا نحو السلطة على المستوى الوطني، ووفقا لهذه الرؤية، ستكون ساكسونيا-أنهالت أول نموذج لـ"ألمانيا الجديدة" التي يسعى الحزب إلى تشكيلها.

وتكشف ملامح هذا النموذج في البرنامج الانتخابي للحزب بالولاية، الممتد على 258 صفحة، والذي تصفه تايمز بأنه برنامج "مفصل وراديكالي"، ويسعى إلى إقامة ولاية يستطيع فيها الألمان من أصول عرقية ألمانية وضع أنفسهم في المقام الأول واستعادة ثقتهم القديمة بأنفسهم بوصفهم إحدى أبرز حضارات العالم.

وأزال المرشح الأبرز للحزب أولريش سيغموند أي غموض بشأن الفئات المستهدفة بهذه السياسة، عندما قال في مناظرة تلفزيونية إن تطبيقها "لم يكن ليكون ضروريا قبل عام 2015″، في إشارة إلى تدفق مهاجرين من خارج أوروبا في ذروة أزمة الهجرة، بحسب التقرير.

وفي ملف الهجرة، يدعو الحزب إلى "حملة لإعادة الهجرة" تشمل إعادة اللاجئين الأوكرانيين إلى بلادهم، كما يرفض استقبال العمال المهرة الذين يعدهم "غرباء ثقافيا"، ويسعى إلى إلغاء الحق الأساسي في اللجوء.

لكن الصحيفة تشير إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن الغالبية العظمى من الألمان، وحتى نسبة كبيرة من مؤيدي الحزب، تتحفظ على بعض هذه السياسات، مما يثير تساؤلات بشأن مدى جدية الحزب في تنفيذها.

وبينما يرى منتقدو الحزب أن ما يعلنه لا يكشف سوى جزء مما يعتزم فعله، تظهر استطلاعات أخرى أن أقل من نصف الناخبين يتوقعون أن يمضي الحزب فعليا في تنفيذ مقترحاته الأكثر إثارة للجدل.

المصدر: آي بيبر + تايمز + فايننشال تايمز

إعلان