الخطة "ميتسوبيشي".. لماذا تسعى اليابان لبناء أقوى مقاتلة جوية في العالم؟

An artist's rendering of Japan's planned fighter jet, which is to be built in-country. (Illustration: Jacki Belker/Staff; Photos: Japanese Defense Ministry
وقَّع وزراء دفاع اليابان وبريطانيا وإيطاليا معاهدة وُصِفَت بأنها تاريخية، وهدفت لإنشاء مشروع مشترك لتطوير طائرة مقاتلة جديدة من الجيل السادس، يمكنها التحليق بحلول عام 2035 (وزارة الدفاع اليابانية)

في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941، هاجمت القوات الجوية اليابانية قاعدة بيرل هاربر العسكرية الأمريكية في جزيرة هاواي، فدخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. في المرحلة الأولى من تلك الحرب، أثبتت القوات الجوية اليابانية -التي تأسست عام 1912 وعُرِفَت بكفاءة طياريها وطائراتها مثل "ميتسوبيشي أيه 6 إم زيرو" (Mitsubishi A6M Zero)- تفوقا ملحوظا على سلاح الجو الأميركي.

ولكن إدخال جيل جديد من الطائرات الأميركية، مثل "إف 6 إف هِلّ كات" F6F Hellcat و"إف 4 يو كروس أير" (F4U Corsair) منح التفوق للأميركيين، حتى جاءت لحظة الحسم بإسقاط قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي، وما تلاه من إعلان اليابان استسلامها.

فكَّكت الولايات المتحدة الجيش الياباني بعد الحرب، لكنها سرعان ما أعادت تفعيله في سياق ما يُعرف بالحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي باعتباره قوة حليفة للمعسكر الغربي في شرق آسيا. بعد ذلك، اكتسبت اليابان أهمية جديدة بعد ظهور الخطر -من وجهة النظر الغربية- القادم من كوريا الشمالية، ثم مع صعود الصين في العقود الأخيرة. فمنذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، تطورت علاقة إستراتيجية بين قوات الدفاع الجوي اليابانية ونظيرتها الأمريكية، غير أن اليابان لم تكن في أي من تلك المراحل تقود التطور التكنولوجي في هذا المضمار.

ولكن يبدو أن شيئا ما تغير؛ ففي يوم 14 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، وفي اجتماع جرى بالعاصمة اليابانية طوكيو لفت أنظار خبراء التقنية العسكرية في العالم، وقَّع وزراء دفاع اليابان وبريطانيا وإيطاليا معاهدة وُصِفَت بأنها تاريخية، وهدفت لإنشاء مشروع مشترك لتطوير طائرة مقاتلة جديدة من الجيل السادس، والتي يمكنها بدء التحليق والدخول للخدمة العسكرية بحلول عام 2035.

وقد سُمي المشروع "برنامج قتال الجو العالمي" (GCAP)، وسيكون مقره في بريطانيا، وأول رئيس تنفيذي له من اليابان، وسيُمثل شراكة بين ثلاث شركات هي ميتسوبيشي اليابانية، وبي أيه إي سيستمز (BAE Systems) البريطانية، وليوناردو الإيطالية، علاوة على مشاركة عدد من الشركات الأخرى الأصغر حجما.

جاء هذا الاتفاق ليُسرِّع وتيرة الخطى التي بدأتها اليابان بالفعل في وقت سابق، وذلك عندما قررت الولايات المتحدة حظر تصدير طائرات "إف 22 رابتور" (F-22 Raptor) المتطورة إلى حلفائها ضمن تعديل دستوري تم إقراره عام 1997 من أجل حماية التكنولوجيا الأميركية الخاصة بها. وإثر ذلك الحظر الأميركي، قررت الحكومة اليابانية حينها أنه يجب العمل على مشروع خاص لبناء طائرات متطورة تحل محل أسطول البلاد القديم من الطائرات المقاتلة.

وبداية من عام 2009 انطلقت البحوث من أجل بناء طائرة مقاتلة من الجيل السادس وسُمِّيَت "ميتسوبيشي إف إكس"، وهي واحدة من المشروعات التي تعمل عليها الدول الثلاث، بريطانيا وإيطاليا واليابان، عبر دمجها بمشروع بريطاني سُمِّيَ "تِمْبِسْت" (Tempest).

June 26, 2024-Seoul, South Korea-ROK Air Force F-35A, KF-16 ad U.S. Air Force F-22 take part in a joint drill on the South Korea sky. South Korea and the United States on Wednesday staged joint air drills involving some 30 aircraft, including the U.S. F-22 Raptor, the South's Air Force said, in an apparent show of air power against North Korean threats.
طائرة "إف 22 رابتور" (F-22 Raptor) (شترستوك)

وفقًا لتاكاهاشي كوسوكِه، مراسل موقع "ذه ديبلومات" في طوكيو، اختارت اليابان الانضمام إلى إيطاليا وبريطانيا في مشروع تطوير المقاتلة المستقبلية بدلا من الولايات المتحدة لعدة أسباب، منها التشارك في تحمُّل التكاليف المرصودة للمشروع، حيث تُقدَّر تكلفة المقاتلة الجديدة بما بين 200 و300 مليون دولار للطائرة الواحدة.

إضافة إلى ذلك، كان هناك توافق في الجدول الزمني للعمل بين الدول الثلاث، التي تشترك أيضا في المتطلبات التكتيكية المشتركة لطبيعة المقاتلة التي يريدون إنتاجها، علاوة على ما تتيحه بريطانيا لليابان من قدرة على الوصول إلى المعلومات التقنية عن الطائرة، وهو ما يسمح لها بإنتاج نُسَخ محلية مستقلة منها، على عكس شركة لوكهيد مارتن الأميركية التي ترفض مشاركة التكنولوجيا الحساسة و"الأكواد" المتطورة لطائراتها. وإلى جانب ذلك اتفقت اليابان وبريطانيا وإيطاليا على زيادة عدد وحدات الإنتاج وتسويق مقاتلاتها في الأسواق العالمية في المستقبل.

يفترض أن تكون الطائرة مُقاتلة من أجل التفوق الجوي، وهو اصطلاح يستخدم للتعبير عن الطائرات المقاتلة المصممة للسيطرة على المجال الجوي للعدو من خلال الهيمنة التكتيكية وتعدد المهام. ولعلك تتساءل عند هذه النقطة: لماذا تولي اليابان المقاتلات تحديدا أهمية أكبر مما توليه لأي سلاح آخر؟ ولماذا قررت اليابان، وهي دولة تقوم عقيدتها على عدم التدخل عسكريا خارج البلاد، أن تهتم بالصناعات العسكرية فجأة بعد عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة؟

 

الجيل السادس

قبل الدخول في الشرح التقني للطائرة الجديدة، يجدر بنا أن نعود خطوة إلى الوراء، كي نفهم طبيعة الأجيال في عالم صناعة الطائرات. لذا، قد يُفاجئك لو علمت أن تصنيف الطائرات المقاتلة بحسب الأجيال لا يتبع تقسيما واضحا متفقا عليه. فقد تعلن دولة ما أن إحدى طائراتها انضمت إلى جيل رابع أو خامس ثم يظهر معترضون من المتخصصين في الصناعات العسكرية.

والفكرة أن ثمة موجات مرتفعة في التطور التقني للطائرات المقاتلة تحدث كل عقد أو عقدين من الزمن، وتمثل نقلة ثورية في التكنولوجيا والقدرات القتالية؛ مما يشكل تطورا في الدور الإستراتيجي الذي تؤديه تلك الطائرات في العمليات العسكرية.

على سبيل المثال، لم يمتلك الجيل الأول من الطائرات التي شاركت في الحرب العالمية الثانية، سوى محركات نفاثة مع أجنحة مستقيمة، لكن إدخال الأجنحة المجترفة (المائلة) حسَّن من أداء الطائرة بشكل كبير، إضافة إلى رادار تحديد المدى، والصواريخ الموجهة بالأشعة تحت الحمراء في المقاتلات اللاحقة، مثل "ميغ 15" و"إف 86″، ولذا كان حريا بنا أن نقول إنها مثَّلت جيلا جديدا من الطائرات المقاتلة.

إنفوغراف الجيل الأول (1945-1955): الدفع النفاث (مي 262 الألمانية، إف 80). الجيل الثاني (1950-1965): إدخال الأجنحة المجترفة، رادار تحديد المدى، الصواريخ الموجهة بالأشعة تحت الحمراء (إف 86، ميغ 15). الجيل الثالث (1965-1975): قدرات الطيران الأسرع من الصوت، الرادار النبضي، الصواريخ التي يمكنها الاشتباك مع الأهداف من خارج النطاق البصري (ميغ 17، ميغ 21، إف 4، إف 105). الجيل الرابع (1970-2010): مقاتلات متعددة الأدوار، إلكترونيات طيران متقدمة، خفة حركة أفضل، بعض من التخفِّي (إف 16، إف 16، ميراج 2000، ميغ 29). الجيل الرابع +: خفة حركة ممتازة، دمج أجهزة استشعار، درجة أكبر من التخفي (يوروفايتر تايفون، سوخوي 30، الرافال، إف 18، إف/أيه 18). الجيل الرابع ++: رادار متقدم من نوعية "صفيف مسح إلكتروني نشط"، درجة تخفي أفضل من سابقاتها، سرعات أكبر (سوخوي 35، إف 15، إس أي). الجيل الخامس (1995-2025): تكنولوجيا التخفي بأفضل حالاتها، إلكترونيات الطيران المتقدمة، القدرة على الانطلاق بسرعة فائقة، أنظمة الكمبيوتر المتكاملة للغاية. الجيل السادس: قيد التطوير حاليا، التخفي المُحسَّن، قدرات الذكاء الاصطناعي، دمج البيانات، العمليات المأهولة اختيارية، أسلحة الطاقة الموجهة. (للتصميم: كل جيل مقسم إلى تاريخ، خصائص، أمثلة. توضع صورة لنموذج واحد من الأمثلة مع كل جيل).
(الجزيرة)

وهكذا استمرت أجيال الطائرات المقاتلة في التقدم مع كل إضافة جديدة، والملاحظ أنه بوصولنا إلى الجيل الأكثر تطوُّرا اليوم وهو الجيل الخامس، كانت هناك ميزتان أساسيتان: القدرة العالية على التخفي عن عيون الرادار، وهي ميزة كانت تعمل فقط مع القاذفات الأبطأ في الأجيال السابقة، ثم القدرة على تحسُّس الطائرة لمحيطها واستشعار أوامر الطيار القابع داخلها بدقة شديدة، الأمر الذي يسهِّل المناورة بها إلى حد كبير. وفي مواجهة مباشرة، من المرجح أن تنتصر السوخوي 57 مثلا، وهي من طائرات الجيل الخامس الروسية، على أي من نظيراتها من الجيل الرابع.

لا تزال مقاتلات الجيل السادس في محطة الاقتراحات البحثية؛ ولذا فإنه لا توجد محددات واضحة لسماتها. وعلى الرغم من ذلك، هناك عدد من المعايير التي يقول الخبراء بضرورة وجودها كي نتحدث عن مقاتلة من الجيل السادس.

وأول تلك التحسينات يتعلق بقدرات الطائرة على التخفِّي، خاصة مع التطورات الجديدة التي تطرحها دول مثل روسيا بدمج أنظمة الرادار في شبكات الدفاع الجوي المتكاملة لتعزيز الوعي الظرفي وقدرات الاستجابة السريعة تجاه المتغيرات، والتركيز على تكنولوجيا مكافحة التخفي الخاصة بطائرات الجيل الخامس، التي تشكل تحديا كبيرا لأنظمة الرادار التقليدية.

يتطلب ذلك تحسين قدرات الطائرة الإلكترونية بالطبع، لكن تغيير الهيكل كذلك يُحسِّن من عملية التخفي، إذ إن هناك هياكل معينة تُشتِّت أشعة رادار العدو أكثر من غيرها؛ ولذا يمكن أن نجد بعض التشابه بين عدد من طائرات الجيل الخامس في العالم، التي توصف بأن التخفي ميزتها رئيسية.

يلي ذلك تحسينات متوقعة في أنظمة دمج البيانات، بمعنى أنه لا فائدة من زيادة عدد المستشعرات وأنظمة الرادار في الطائرة ما لم تكن هناك طريقة سلسة لجمع تلك البيانات وتنظيمها ثم تقديمها للطيار بشكل يُسهِّل عليه اتخاذ القرار. وتعد أنظمة دمج البيانات الموجودة الآن على متن طائرات الجيل الخامس الأفضل مقارنة بالأجيال السابقة.

إنفوغراف طولي: تغيُّر هيكل الطائرة مع كل جيل لا يساعد على تحسين أدائها فقط، بل يدعم أيضا ميزة التخفِّي.
(الجزيرة)

 

ثورة قادمة في الطائرات المُقاتلة

لكن ما سبق يشتمل على تطوير في مجالات موجودة بالفعل، منها تطوير إلكترونيات الطيران والرادار بحيث يكون أقوى بآلاف المرات لتحقيق التفوق الجوي، وقدرة الطائرة على إدارة معركة كاملة، ثم تطوير السرعة والمدى والارتفاع. ولذلك يفترض الخبراء أن طائرات الجيل السادس يجب أن تمتلك قدرات خاصة بها تمثل ثورة تقنية حقيقية.

والواقع أن الإعلان الأخير لوكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة الأميركية (داربا) يمكن أن يعطينا قبسًا من التحديثات الأخيرة لأجيال الطائرات، حيث تمكنت الطائرة التجريبية "إكس 62 أيه" (فيستا)، التي تعد أول طائرة مقاتلة ذاتية القيادة (تعمل بالذكاء الاصطناعي) في العالم، من الانخراط بنجاح في مناورات قتال جوي ضد طائرة إف 16 مأهولة، والفوز عليها.

وقد تمكَّنت المقاتلة المُدعَّمة بالذكاء الاصطناعي من الفوز على طيار من ذوي الخبرة بنتيجة 5-0 في مناورات عدوانية دقيقة، حيث بدأت الطائرة استخدام المناورات الدفاعية أولا، ثم الهجومية، ثم الاشتباكات المباشرة على مسافة 600 متر من الهدف بسرعة 1800 كيلومتر في الساعة. ويعتمد هيكل الطائرة "إكس 62 أيه" على هيكل الطائرة "إف-16" نفسه، التي تم تعديلها في مشروع مشترك بين شركتيْ جنرال دايناميكس وكالسبان الأميركيتين.

هذه النتيجة عززت من الثقة في أنظمة القتال المستقلة لخوض المعارك الجوية وإدارة مُجرياتها، وهو أحد أهداف الكثير من مشروعات الجيل السادس بما في ذلك الطائرة اليابانية المنتظرة، حيث يُعتقَد أن وجود قائد للمقاتلة سيكون اختياريا بعدئذ، بمعنى أن مقاتلات الجيل السادس يمكن أن تُنفِّذ مهامها بشكل مستقل أو مع وجود طيار على حد سواء.

إنفوغراف طولي: طائرات الجيل السادس أول جزء من الإنفوغراف: تصميم محتمل للطائرة اليابانية الإيطالية البريطانية. (هنا) ثاني جزء من الإنفوغراف: سمات محتملة لطائرات الجيل السادس.       تخفٍّ متقدم: عن طريق تطوير هيكل الطائرة وإلكترونيات التخفي.       أسطول مُسيَّرات: يرافق الطائرة أسطول صغير من المُسيَّرات لأداء مهام متعددة.       قدرات الذكاء الاصطناعي: لتحليل البيانات وإدارة المُسيَّرات أو الطائرات الأخرى.       قائد الطائرة اختياري: يمكن أن تكون مأهولة أو غير مأهولة.       دمج البيانات: عرض كمّ هائل من البيانات على الطيّار بصورة متكاملة تسهل اتخاذ القرار.       أسلحة متطورة: صواريخ بمدى أبعد وأسلحة طاقة موجهة.       حرب سيبرانية: إمكانات صد أو بدء هجوم سيبراني.       مستشعرات متطورة: لبناء أفضل صورة ممكنة عن بيئة المعركة.       واجهة متطورة: تحسين عرض بيئة المعركة للطيار في صورة واقع مُدمَج.
(الجزيرة)

يأتي إلى جانب ذلك دمج الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر في عملية تحليل البيانات الواردة إلى الطائرة، خاصة مع تطور تكنولوجيا المُسيَّرات؛ لأن طائرات الجيل السادس غالبا ما ستعمل قائدا لسلسلة من المُسيَّرات التي تتبعها وكأنها جزء من الطائرة، ولهذا فوائد جمة، حيث تقلل من عدد الصواريخ المُوجَّهة نحو بدن الطائرة، لأن المسيّرات الانتحارية ستؤدي تلك الوظيفة لحماية الطائرة المقاتلة، ولا سيَّما أنها تمتلك قدرات مناورة ذاتية أفضل.

أضف إلى ذلك أن إطلاق الصواريخ من الطائرة يكشف تخفِّيها للرادار، ومن ثمَّ فإيكال تلك المهمة للمُسيَّرات يحافظ على ميزة التخفي. وبالطبع ستوسع المُسيَّرات قدرات الطائرة الاستطلاعية بشكل عام. وفي كل تلك المهام، يؤدي الذكاء الاصطناعي دورا هاما في تخفيف حِمل إدارة هذا الأسطول الصغير عن قائد الطائرة.

ومن المحتمل أن يعتمد الجيل السادس على المحركات ذات الدورة المتغيرة، التي تمثل قمة ما وصلنا إليه من تطور في محركات الطائرات، حيث تُمكِّن (تلك المحركات) المقاتلة من أن تغير طريقة عملها اعتمادا على ما تحتاج إليه وفق الظروف المختلفة. تخيّل مثلا أن لديك دراجة ذات تروس، وعندما تصعد أعلى التل تنتقل إلى سرعة أقل وعزم أكبر، وعندما تسير بسرعة على أرض مستوية تنتقل إلى سرعة أعلى لتتمكن من السير أسرع وبجهد أقل.

وعلى نفس المنوال، يُمكن للمحركات ذات الدورة المتغيرة تغيير طريقة عملها لتكون أكثر كفاءة اعتمادا على ما إذا كانت الطائرة تحتاج إلى التحرك بسرعة، أو الصعود عاليا، أو القيام بأشياء أخرى، وتساعد هذه المرونة الطائرات على تحسين الأداء في المواقف المختلفة، وهي ببساطة أحد أهم مميزات التفوق الجوي.

يطمح مهندسو الطائرة اليابانية البريطانية الإيطالية الجديدة بشكل خاص إلى بناء أول مولد تشغيل كهربائي يضاف إلى الطائرة. وتولد محركات الطائرات الحالية الطاقة عبر علبة تروس موجودة أسفل المحرك، تجعل هيكل الطائرة أكبر، وهو أمر غير مرغوب فيه إذا ما أردنا إضفاء ميزة التخفي. ولكن المولد الكهربائي سيوفر مساحة كبيرة في الطائرة، كما أنه سيوفر كمية كبيرة من الطاقة التي تحتاج إليها المقاتلات المستقبلية.

ويأتي ذلك في سياق مهم، وهو أن جميع المركبات المستقبلية، سواء كانت على الأرض أو في الجو أو في البحر، ستكون بحاجة إلى كميات متزايدة من الكهرباء لأجهزة الاستشعار التي تزيد يوما بعد يوم، وأنظمة الاتصالات المتقدمة، وإلكترونيات الطيران، وغيرها.

إلى جانب ما سبق يحتمل أن تمتلك طائرة الجيل السادس اليابانية أسلحة الطاقة الموجهة، وهي تقنيات عسكرية متقدمة تركز الطاقة على تدمير الأهداف أو إتلافها أو على الأقل تعطيلها عن العمل، وتشمل تلك التقنيات استخدام أشعة الليزر وأشعة الميكروويف وغيرها.

وتمتلك تلك النوعية من الأسلحة مزايا الدقة، وتقليل العبء اللوجستي والتكلفة لكل طلقة مقارنة بالأسلحة التقليدية. ولا يعتقد أن تلك ستكون أسلحة أساسية على متن طائرات الجيل السادس بالطبع، لكنها ستكون مساعدا جانبيا.

ما الذي تريده اليابان؟

التفوق الجوي هو أحد أهم عوامل التفوق العسكري في العموم، وهذه نقطة تختلف فيها طبيعة المعارك البرية. إذ إن قطعة عسكرية برية من جيل قديم يمكنها أن تناور وتجد مكانا وتأثيرا أمام قطعة من جيل أحدث بحسب بيئة المعركة وسياقاتها المختلفة، أما في الجو فإن التفوق التقني يعد حاسما، فلا تكاد توجد فرصة جيدة لطائرة من الجيل الرابع في مقابل أخرى من الجيل الخامس، والأمر كذلك بالنسبة لطائرات الجيل السادس، وهو ما يدفع العديد من الدول للتنافس في هذا النطاق، وهو ما تضعه اليابان في اعتبارها، خاصة في ظل اهتمامها برفع قدراتها الهجومية، ولذلك أسباب عدة.

بالنسبة لليابان، فإن الهدف من الانخراط في مشاريع الصناعات العسكرية جاء جليا على لسان وزير الدفاع الياباني كيهارا مينورو بعد الاتفاق الثلاثي على بناء طائرة الجيل السادس نهاية العام الماضي حينما قال: "بينما تواجه أمتنا بيئة أمنية هي الأكثر قسوة وتعقيدا منذ الحرب العالمية الثانية، يجب علينا تعزيز قدرات الردع لدينا"، وهو يقصد هنا التغيُّر الأمني الكبير في محيط اليابان خلال السنوات القليلة الماضية، سواء بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا أو رغبة الصين في توسيع نفوذها بعد تطور إمكاناتها العسكرية وما تراه بكين توسعا غربيا يحاول تطويقها، ويضاف إلى كل ذلك ما يراه محللون سياسيون انحسار النفوذ الأمريكي في مناطق عديدة يوما بعد يوم.

لذلك، تأتي هذه الخطوة لبناء طائرة مقاتلة جوية من الجيل السادس، أمرا حاسما وجوهريا بالنسبة لليابان على المستوى الأمني المحلي، كما يعزز من علاقاتها الدولية مع كل من إيطاليا وبريطانيا باعتبارهما جزءا أساسيا من التحالف الغربي الأوسع، ويعزز من حضورها كقوة إقليمية في شرق آسيا وثقلا سياسيا للعديد من الدول التي تشترك مع اليابان في التقييم الذي ينظر للصين بوصفها خطرا على الصيغة الأمنية القائمة في المنطقة.

إنفوغراف: التهديدات الثلاثة التي تواجه اليابان وتدفعها لإعادة صياغة عقيدتها العسكرية 1-    كوريا الشمالية النووية: تمتلك نحو 20 سلاحا نوويا ومواد انشطارية كافية لصنع ما بين 45 و55 قنبلة نووية، وتمتلك ما بين 700 و1000 صاروخ باليستي متنوعة المدى. 2-    صعود الصين: التوتر حول تايوان قد يجُر اليابان إلى الحرب، ويأتي ذلك في سياق ازدياد الإنفاق الدفاعي الصيني بنسبة 63% بين عامي 2013 و2022 وهو رقم هائل (في الولايات المتحدة مثلا كانت النسبة 2.7%). 3-    الغزو الروسي لأوكرانيا: أوجد صراعا سياسيا يفتح الباب لتوترات أكبر مستقبلا يُرجَّح أن تكون اليابان جزءا منها.
(الجزيرة)

يتضح هذا الوعي الياباني بتزايد منسوب الخطر بالنظر إلى التقرير السنوي للجيش الياباني، الذي وافق عليه مكتب مجلس الوزراء منتصف عام 2023، وأفاد بأنه على الجيش الياباني تغيير إستراتيجيته العسكرية بسبب ثلاث مشكلات: الصين التي تمثل "التحدي الإستراتيجي الأكبر"، و"الغزو الروسي لأوكرانيا" الذي يشكل "انتهاكا خطيرا للقانون الدولي"، وكوريا الشمالية التي أصبحت تشكل "تهديدا وشيكا".

وتنوي طوكيو بحسب التقرير إعادة التفكير في التزامها المستمر منذ عقود بعدم الانخراط في الصراعات العسكرية خارج حدودها، إذ يبدو أنه بات يتعين عليها الآن أن تعمل على تعزيز قوتها العسكرية، وأن تؤدي دورًا أكثر نشاطا فيما يصفونه بـ "أمن شرق آسيا" عبر التعاون العسكري مع دول مثل كوريا الجنوبية للحفاظ على "الاستقرار الإقليمي"، وعقد اتفاقيات للتعاون مع حلف شمال الأطلسي في مجال الأمن السيبراني والفضاء.

يتضح إذا أن الهدف الأساسي من إستراتيجية الدفاع اليابانية الجديدة هو اكتساب القدرات الهجومية بعدما كان ينظر إلى الجيش الياباني على أنه دفاعي بالأساس. ولتحقيق ذلك، تنوي اليابان البدء في عملية تطوير تكون طائرات الجيل السادس جزءا منها. وتشمل تلك العملية أيضا إدخال الصواريخ الطويلة المدى المضادة للسفن، وصواريخ الهجوم البري من الجو والبر والبحر، من أجل تعزيز الدفاع عن جزر سينكاكو ومحيطها (وهي جزر متنازع عليها بين الصين واليابان)، وكذلك "تنفيذ عمليات قصف لأهداف في أراضي العدو إذا لزم الأمر".

حيث أصبحت الحكومة اليابانية تعتبر العمليات الهجومية على أراضي الخصوم جزءا من جهودها لتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل. إلى جانب ذلك، تُعزز اليابان أصولها الجوية والبحرية غير المأهولة (على السطح أو في الأعماق)، سواء عبر التطوير الداخلي أو الاستيراد الخارجي، ويأتي ذلك في سياق التعويض عن نقص الموارد البشرية الناتج عن انخفاض معدل المواليد في البلاد وشيخوخة السكان.

كما تنوي البلاد تشغيل التلسكوبات البصرية الفضائية لتعزيز وعيها بالمجال الفضائي لكونه قد أصبح نطاق حرب بعد تطوير السلاح المضاد للأقمار الصناعية ولأغراض المراقبة والاستطلاع، كما ستسعى البلاد للحصول على المزيد من معدات الحرب الإلكترونية المتقدمة. وفي هذا السياق تنوي اليابان في خطتها التطويرية تعزيز القدرة على جمع المعلومات الاستخبارية وتسريع عملية صنع القرار، وتطوير شبكة قوية للقيادة والسيطرة، وهي في مجملها تطورات ضرورية من أجل إستراتيجية الضربات البعيدة المدى، وامتلاك القدرات الهجومية على نطاق واسع.

تصميم: إنفاق اليابان العسكري خلال أكثر من ربع قرن
(الجزيرة)

يهدف تطوير اليابان لقدراتها الهجومية للحفاظ على توازن القوى في المنطقة بعد تصاعد التوتر في السنوات الأخيرة، وقد أدى هذه الاتجاه إلى زيادة الميزانية العسكرية للبلاد بنسبة 56%، ونقلها من حوالي 215 مليارا إلى 324 مليار دولار بحسب إعلان الحكومة في منتصف عام 2022. إن العالم يتغيَّر، وليست اليابان وحدها التي قررت تغيير أسس إستراتيجيتها العسكرية، إذ يسهل ملاحظة ذلك في معظم بلدان العالم، مثل بولندا وألمانيا والسويد ونيوزيلندا وغيرها من الدول التي أعادت صياغة عقيدتها العسكرية خلال سنتين.

إن الصراعات الحالية في عدد من المناطق تشي بأن العالم مقبل على مرحلة من تصاعد النزاع والتناحر العسكري، وكلما انخرطت دولة في الإنفاق على الإنتاج العسكري بصورة أكبر، تلتها دول أخرى مثل قطع الدومينو المتساقطة، كلٌّ منها تدفع التي تليها، وفي لحظة ما، يمكن أن يشتعل صراع أوسع، ولا سيَّما في شرق آسيا حيث الصعود الأكبر للصين والقوى الإقليمية الجديدة والإنفاق العسكري المتزايد.

المصدر : الجزيرة