الدول المارقة.. حكم القوة في الشؤون الدولية

عرض/ إبراهيم غرايبة
يلعب مفهوم "الدول المارقة" اليوم دورا بارزا في عمليتي التخطيط والتحليل السياسيين. وعليه، فإن أزمة العراق أكدت، من خلال إعلان واشنطن ولندن عام 1998، أن العراق دولة مارقة تشكل تهديدا لجيرانها وللعالم وأنها دولة خارجة عن القانون.

 

 

 

undefined

 

-اسم الكتاب: الدول المارقة.. حكم القوة في الشؤون الدولية
المؤلف: نعوم تشومسكي
-ترجمة: محمود علي عيسى
-عدد الصفحات: 274
-الطبعة: الأولى 2003
الناشر: دار الكتاب العربي، نينوى للدراسات والنشر، دمشق

 

والواقع أن المصطلح ينطبق موضوعيا على الدول التي لا تلتزم بالمعايير الدولية. وتدل الأحداث على أن الولايات المتحدة تعتبر نفسها معفاة من الشروط والالتزامات التي أقرت عالميا بعد الحرب العالمية الثانية في ميثاق الأمم المتحدة وقرارات محكمة العدل الدولية وغيرها من المعاهدات والمواثيق. ويسعى المفكر الأميركي وعالم اللغة المشهور نعوم تشومسكي في هذا الكتاب إلى تتبع التاريخ الأميركي في انتهاك المواثيق الدولية والشرعية السياسية ورعاية الإرهاب.

الولايات المتحدة دولة مارقة
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، زادت الولايات المتحدة من انتهاكاتها للقوانين والقرارات والمواثيق الدولية، وهي لم تكن قبل ذلك ملتزمة بالشرعية الدولية. ففي الأمم المتحدة كانت السياسة والمواقف الأميركية توجهها مقولة إذا لم تكن المنظمة الدولية تعمل لخدمة المصالح الأميركية فلا مبرر لاستمرارها.

وقد أدانت محكمة العدل الدولية واشنطن مرات عدة بسبب أعمالها العدوانية، واستخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الذي يدعو جميع الدول للالتزام بالقانون الدولي، وكانت وحدها ضد عدد كبير من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ففي عام 1993، أبلغ الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الأمم المتحدة بأن الولايات المتحدة ستتصرف جماعيا عندما يكون ذلك ممكنا، وستتصرف أحاديا عندما يكون ذلك ضروريا. وفي عام 1999، أعلن وزير الدفاع الأميركي وليام كوهين أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة أحاديا للدفاع عن المصالح الحيوية التي تشمل ضمان الدخول غير المقيد إلى الأسواق ومصادر الطاقة والمصادر الإستراتيجية.

 


المدهش أن الأزمة العراقية لم تحظ بحوارات جدية، ولم يُبحث عن الخيارات المتاحة لإيجاد الحلول المناسبة، مما أدى إلى فرض شروط قاسية وبعيدة عن إيجاد حل لها

إن الميزة الأكثر إدهاشا في النقاش الدائر حول الأزمة العراقية هي أنها لم تحظ بحوارات جدية أبدا. وما جرى في الواقع لم يتعد بعض المداولات التي تناولت كيفية تفاقم الأزمة العراقية، وتجاهل الخيارات المتاحة لإيجاد الحلول المناسبة لها، وهذا ما جعل القضية ضمن شروط قاسية وبعيدة عن إيجاد حل لهذه الأزمة. وهكذا بدا وكأن على الولايات المتحدة وبريطانيا أن تتصرفا وفقا لقوانينهما وتفسيرهما الخاص، وليس وفقا لشروط الاتفاقيات الدولية والتزاماتها، والتي تشكل أساس القانون الدولي الذي يعتبره الدستور الأميركي القانون الأعلى في العالم.

ولا تملك أية دولة الحق أو السلطة في استخدام تأويلاتها الخاصة والتصرف وفق قوانينها متجاهلة القانون الدولي، كما جرى في الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد بررت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت سلوك بلادها المخالف للقانون الدولي بقولها "إننا نرفض أية قيود خارجية على سياستنا كما أننا ندرك حيوية هذه المنطقة لمصالحنا القومية".

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن صادق بالإجماع على عدم شرعية استخدام القوة ضد العراق إلا بتفويض من المجلس وفق ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما لم تقم له واشنطن وزناً، والواقع أن احتقار دور القانون الدولي متجذر بعمق في ممارسة الولايات المتحدة، كما حدث في نيكاراغوا عام 1986 وفي أنحاء كثيرة في العالم.

والفكرة الأساسية هنا، كما يراها المؤلف، هي أن الولايات المتحدة تتصرف بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وكأنها مسؤولة عن حماية العالم. ولكن مم تحميه؟ وما هو التهديد بعد الشيوعية والاتحاد السوفياتي؟ إنه لا يبدو غير عدم الخضوع لإرادة القوة العظمى، إذ أصبح واضحا أن التعبئة التقليدية للناس، مثل فكرة إمبراطورية الشر التي أطلقها الرئيس الأميركي رونالد ريغان في الثمانينيات، فقدت فاعليتها وأنه لا بد من أعداء جدد.

وفي عام 1995، نشرت دراسة عن الردع الإستراتيجي، أعدت برعاية القوات الجوية الأميركية، اقترحت أن العدو التقليدي الجديد بعد الاتحاد السوفياتي هو الدول المارقة وهي: العراق وليبيا وإيران وكوبا وكوريا الشمالية.

اعتبر العراق بدءا من عام 1990 الدولة العدوة المارقة، ولم تعد إيران وليبيا كذلك، وهو عكس ما حدث في إندونيسيا الدولة التي كانت عدوة حتى عام 1965 ثم تحولت إلى صديقة، فقد كان العراق شريكا وصديقا لأميركا ثم تحول إلى عدو.

لقد دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق في الثمانينيات وزودتاه بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وهي الأسلحة التي استخدمت في حلبجة الكردية عام 1988، وكان ذلك بتغاض وتسامح أميركي وبريطاني.

والجدير بالذكر أن القوات البريطانية استخدمت الغاز السام ضد العرب والأكراد والأفغان عام 1919 بأمر من وزير الحربية البريطانية تشرشل، واستخدمته القوات الأميركية في فيتنام عامي 1961 و1962.

وقد ذكر الصحفي الإسرائيلي أمنون كابيلوك عام 1988 بعد رحلة له إلى فيتنام أن الآلاف من الفيتناميين ما يزالون يموتون بسبب آثار الحرب الكيماوية، وقدر عدد الوفيات بين الفيتناميين بسبب الحرب الكيماوية بربع مليون وفاة.

الأزمة في البلقان والتدخل الإنساني

undefined
قادت الولايات المتحدة الأميركية قوات حلف الناتو يوم 24 مارس/ آذار 1999 إلى حرب ضد يوغسلافيا مستخدمة صنوف الأسلحة الكثيرة بدءا بإلقاء القنابل وانتهاء بضرب المنشآت الاقتصادية بصواريخ كروز الأميركية الصنع. وعلق الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون على تلك الحرب بقوله "إننا ندعم أهميتنا بقصفنا ليوغسلافيا، ونحمي مصالحنا ونعمل في الوقت نفسه على صيانة السلام العالمي".

وأدت القناعة المتولدة لدى الولايات المتحدة -التي لا تفهم إلا بلغة القوة- إلى إنشاء حرب عصابات وظهور جيش تحرير كوسوفو. وكانت هجمات هذه القوات على الشرطة الصربية مبرراً لإجراءات صربية قاسية، ولانتقامات من المدنيين الألبان في كوسوفو.

لماذا جرت الأحداث في كوسوفو على ذاك النحو؟ فقد نشأ صراع مسلح بين صربيا وجيش تحرير كوسوفو، ثم أعمال انتقام من المدنيين، ثم تدخل من الناتو بقيادة أميركية، بل أقصي دعاة الحل السلمي والديمقراطي من الكوسوفيين، وهو إجراء يذكر بما جرى في كردستان عام 1988، عندما حوصر القادة السياسيون الأكراد ومنعوا من العمل والاتصالات الخارجية. كما حجبت المساعدات العسكرية والسياسية والإعلامية عام 1991 عن الشيعة المناهضين لحكم صدام حسين في العراق، وتعرضوا لمجزرة كبيرة على مرأى من القوات الأميركية في الكويت وفي العراق أيضا.

كان العنف في البلقان ضروريا كما تدل الأحداث والتصريحات الأميركية والبريطانية لتسويق وإنتاج الأسلحة، وتوفير الغطاء للتدخل الأميركي في العالم وتكوين جبهة داخلية مؤيدة للإدارة الأميركية.

والسؤال هنا: ماهي قواعد النظام العالمي المقبولة والقابلة للتطبيق، وكيف طبقت في كوسوفو؟ دخلت أميركا إلى يوغسلافيا تحت غطاء التدخل الإنساني لحماية المدنيين الذين يتعرضون للمذابح، وحتى يكون هذا التدخل مبررا ومقبولا يجب أن تكون هناك مذابح وحشية، وقد رفضت العروض الإيرانية للتدخل غير العسكري وتسوية الأزمة على نحو يناسب ويرضي الطرفين الصرب والألبان.

إعلان

ولماذا كانت كوسوفو من بين مناطق العالم هي التي حركت الضمير الأميركي لإنقاذ المدنيين والأبرياء؟ فالذين يقتلون في كولومبيا على يد العصابات والجيش ويهجرون من أراضيهم يزيدون كثيرا على الكوسوفيين، والذين قتلوا في لاوس بسبب الحروب والتدخلات الأميركية والألغام التي بقيت مزروعة في كل مكان يزيدون على القتلى والضحايا في كوسوفو، وفي أفريقيا يموت مئات الآلاف ويشرد الملايين وأميركا تكتفي بالمراقبة والصمت وربما تحريك الأزمات وزيادتها.

وقد سئلت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت عام 1996 في مقابلة تلفزيونية عن ردها حول مقتل نصف مليون عراقي خلال خمس سنوات فأجابت بقولها "نعتقد أن الثمن يستحق كل تلك النتيجة"، وهي أمثلة يجب استحضارها عند التفكير في الغطاء الأخلاقي الذي قدمته الإدارة الأميركية للتدخل في كوسوفو.

تيمور الشرقية
دخلت القوات الإندونيسية إلى تيمور عام 1976 بدعم وتأييد من الولايات المتحدة، وعندما أجرت الأمم المتحدة استفتاء عام 1999 وكانت نتيجته الاستقلال عن إندونيسيا، تعرض السكان التيموريون لمذابح واضطهاد وكان هذا متوقعا ومنتظرا. وبرغم ذلك لم تفعل أميركا شيئا حتى على مستوى تقديم مساعدات إنسانية للمشردين واللاجئين الذين يزيدون على نصف السكان في الجزيرة.
وقد ترافقت أعمال العنف بحق التيموريين مع مناورات مشتركة بين الجيشين الإندونيسي والأميركي.

فإندونيسيا بلد له أهمية كبيرة للولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا وإستراتيجيا، ولا يمكن التضحية بالاستثمارات الأميركية والتعاون الاستخباري والعسكري الأميركي والإندونيسي لأجل أقل من مليون فقير يقيمون في جزيرة صغيرة اسمها تيمور.

وعندما أعلن الرئيس الإندونيسي يوسف حبيبي عن استفتاء في تيمور عام 1999، تحرك الجيش الإندونيسي وقتل أكثر من عشرة آلاف إنسان. ورفضت أميركا تقديم أية مساعدة، وعلق الدبلوماسي الأسترالي باتلر على ذلك بالقول "إن الموقف الأميركي تلخصه حقيقة تحالف المصالح الأميركية".

كولومبيا


كررت أميركا في أفغانستان سيناريو تحول كولومبيا من منتج رئيسي للقمح إلى مستهلك للقمح الأميركي

تعتبر كولومبيا الدولة الأولى في استيراد الأسلحة وتلقي المساعدات الأميركية في القارة الأميركية. ويزيد ما تتلقاه من مساعدات على مجموع دول أميركا اللاتينية والكاريبي، هذا برغم أنها الدولة الأسوأ في سجل حقوق الإنسان.

فالجيش الكولومبي والقوات العسكرية المرتبطة بالحكومة تمارس المجازر والتهجير والطرد بحق مئات الآلاف، وحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان فقد أجبر أكثر من مليون إنسان على ترك أراضيهم وقراهم في الريف الكولومبي، وقتل في التسعينيات مابين 5000 – 7000 فلاح أعزل على يد القوات الحكومية أو المليشيات المرتبطة بالحكومة، ونفذت إعدامات واغتيالات بدون تهم أو محاكمة على يد فرق الموت الحكومية.

ولم تضع وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي عن الإرهاب المنظمات الكولومبية العسكرية ذات السجل الأسود في قائمة الإرهاب، برغم إقرار الإدارة الأميركية بمسؤولية هذه المنظمات عن 8% من جرائم القتل والإبادة. وقد اضطر الكثير من نشطاء حقوق الإنسان إلى الفرار للخارج بعد قتل مجموعة منهم والتهديد بقتل الآخرين.

ويؤكد تقرير اتحاد العمل الأميركي أن عددا كبيرا من النقابيين يقتلون على نحو منتظم من قبل فرق الموت الحكومية. وتضاعفت عام 1999 نسبة المشردين من بيوتهم، وتعتبر كولومبيا ثالث دولة في العالم من حيث عدد المهجرين بعد السودان وأنغولا.

وبرغم ذلك رحب الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بكولومبيا كدولة ديمقراطية رائدة، وأعجب كلينتون بإنجاز الرئيس الكولومبي سيزر غافيريا على نحو خاص لأنه استطاع أن يكون الأمين العام لمنظمة الدول الأميركية على أساس أنه يمتلك بعد نظر في بناء المؤسسات الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي، وهي تعبيرات تعطي شيفرة يمكن فكها بسهولة.

وقد أعلن الرئيس السابق كلينتون "خطة كولومبيا" لمحاربة المخدرات والإرهاب، ولكنها في حقيقتها لم تكن سوى ترتيبات عسكرية لتسهيل السيطرة الأميركية على النفط الكولومبي، واستخدام قواتها للمطارات والموانئ والقواعد العسكرية دون إعاقة رسمية أو مقاومة من قبل المنظمات المعارضة.

ويعلم الأميركان جيدا أن تجارة المخدرات وإنتاجها ترعاه شخصيات ومؤسسات حكومية في كولومبيا موالية للولايات المتحدة. وذكر مسؤولون حكوميون كولومبيون صراحة أن المخدرات تشكل معظم مصادر الثروة والتمويل لمجموعات اقتصادية ومالية مرتبطة بالحكومة الكولومبية والولايات المتحدة التي تحصل في المقابل على السيطرة على الموارد النفطية في البلد.

ومن المثير للاهتمام أن كولومبيا التي كانت منتجا رئيسيا للقمح في الخمسينيات تحولت إلى زراعة المخدرات، وأصبحت تعتمد على الولايات المتحدة تماما في القمح والغذاء، والأمر نفسه حصل في أفغانستان، فهل هي مصادفة أم مجرد غباء؟

المصدر: الجزيرة

إعلان