مدى جدّية ترمب في شن هجوم قريب على إيران

FILE PHOTO: A 3D printed miniature of U.S. President Donald Trump and Iranian flag are seen in this illustration taken January 9, 2026. REUTERS/Dado Ruvic/Illustration/File Photo
صورة أرشيفية لمجسّم مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى جانب العلم الإيراني (رويترز)

ما إن بدأت تنطفئ نيران الحرب في غزة تدريجيا-‏ رغم هشاشة وقف إطلاق النار فيها- حتى اتجهت أنظار المراقبين في العالم مرة أخرى إلى منطقة الشرق الأوسط ‏في ظل تصاعد الضغوط العسكرية الأمريكية المتوالية في الأيام الأخيرة ضد إيران ‏وارتفاع صوت دقات طبول الحرب الأمريكية.

ليبقى ‏السؤال الكبير هنا: هل ستدخل الولايات المتحدة الأمريكية في حرب ‏شاملة لتغيير النظام الإيراني، أم ‏إن الغرض من هذه الحشود العسكرية ‏هو فقط محاولة إرغام إيران للوصول إلى اتفاق سياسي تتخلى بموجبه عن برنامجها النووي وأسلحتها الباليستية وحلفائها في المنطقة؟

‏للإجابة عن هذا السؤال العريض علينا ‏تناول العديد من الجوانب السياسية المتعلقة بتوجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجديدة- خاصة بعد نجاحه في إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو- وكذلك ‏تناول ‏وضع إيران ومنطقة الشرق الأوسط ‏وتأثيرهما على استقرار الاقتصاد العالمي بتأمين إمدادات النفط الأكثر أهمية في العالم.

‏وكذلك يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أيضا الأدوار المتوقعة لكل من الصين، وروسيا في حال ‏نشوب حرب أمريكية إيرانية، لطالما حاولت ‏إيران وأمريكا تجنبها طيلة العقود الخمسة الماضية.

تصريحات ترمب الأخيرة نحو إيران مثيرة للجدل، فهو تارة يتوعدها ويهددها ‏بتغيير نظامها واستهداف قيادتها السياسية- خاصة بعد المظاهرات الشعبية الأخيرة في إيران- وتارة يعلن رغبته في عقد اتفاق نووي معها يجنبها مصيرا مدمرا

صعوبة التنبؤ ‏بما سيقرره ترمب

يمتاز الرئيس ترمب بقدرة فائقة على إرباك خصومه السياسيين الساعين في استقراء وفهم خطواته السياسية التالية، ‏سواء على صعيد مستوى السياسة الأمريكية الداخلية أو الخارجية.

‏اكتسب ترمب هذه القدرة الفائقة على إرباك الخصوم من خلال تجربته الشخصية الطويلة الممتدة في مجالات الأعمال التجارية والإعلامية ‏لتظهر عصارتها في برنامج تلفزيوني شهير حاول فيه دوما الإبقاء على عنصر المفاجأة والإثارة الإعلامية حاضرا في معظم حلقاته، مما جذب له ‏انتباه عشرات الملايين من المشاهدين الأمريكيين وغيرهم من خارج ‏الولايات المتحدة.

إعلان

‏وكثيرا ما اتسمت تصريحات ترمب وقراراته العسكرية بعنصر الدراما الإعلامية المثيرة، مثل عملية اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، أو عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، ومما ‏يزيد هذه الدراما الإعلامية السياسية ‏إثارة واهتماما عالميا غير مسبوق، هو تقلبات آراء وتصريحات الرئيس ترمب المتناقضة في بعض الأحايين.

‏فعلى سبيل المثال، أطلق ترمب في فترة ولايته الأولى تصريحات نارية ضد رئيس كوريا الشمالية مطلقا عليه ألقابا مثل "الرجل الصاروخ"، وأنه سوف يضرب كوريا الشمالية بقوة ‏نارية لم يعرف العالم مثيلا لها ‏من قبل، ولكن سرعان ما تبدلت هذه اللهجة ‏غير الدبلوماسية الحادة إلى ‏لقاء نادر مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وتبادل رسائل "الحب الأخوي" بينهما.

‏وبينما لم تتنازل كوريا الشمالية عن برنامجها النووي، ‏أو تلبي مطالب إدارة ترمب السياسية، نجد أن الرئيس ترمب سرعان ما تخلى عن سياسته الصارمة حيال كوريا الشمالية، ‏والآن نادرا ما يذكرها في تصريحاته السياسية.

ومن المفارقات ‏في السياسة الأمريكية أن تتجه الآن التصريحات المثيرة للجدل نحو الدانمارك وكندا لإقناع الأولى ببيع جزيرة غرينلاند للولايات المتحدة، والأخيرة بالانضمام للاتحاد الأمريكي لتصبح الولاية رقم 51 ‏في النظام الفدرالي الأمريكي.

‏وكذلك الحال في تصريحات ترمب الأخيرة نحو إيران، فهو تارة يتوعدها ويهددها ‏بتغيير نظامها واستهداف قيادتها السياسية- خاصة بعد المظاهرات الشعبية الأخيرة في إيران- وتارة يعلن رغبته في عقد اتفاق نووي معها يجنبها مصيرا مدمرا.

‏وعليه فإن صعوبة التنبؤ بما سيقرره ترمب هو في الحقيقة سلاح ذو حدين، فمن ناحية يساعد هذا الغموض الرئيس الأمريكي في امتلاك زمام المبادرات السياسية والعسكرية لتحقيق أعلى سقف من الأهداف المرجوة منها، ومن ناحية أخرى ربما ‏يخطئ أعداؤه في المبالغة في تفسير خطواته ليجد الرئيس الأمريكي نفسه في مستنقع حرب، أو صراع مسلح لا يرغب بالدخول فيه.

إيران ليست فنزويلا

‏‏لا شك أن غرور الرئيس الأمريكي بقدراته الشخصية بعد عملية فنزويلا الناجحة- دون رادع من القوى الدولية أخرى مثل الصين وروسيا- جعله أكثر جرأة في التوجه نحو إيران لتخليص الولايات المتحدة من عدو لدود طالت عداوته حوالي خمسة عقود من الزمان.

‏والملاحظ هذه المرة ‏ارتفاع سقف مطالب ترمب السياسية من إيران ‏لتشمل إيقاف برنامجها النووي كلية، والتخلي عن حلفائها في المنطقة ‏وأسلحتها الصاروخية.

‏كما ‏دعم الرئيس ترمب المتظاهرين الإيرانيين وحثهم على المضي قدما في إسقاط النظام، ووعدهم بالمساعدة في تحقيق ذلك الهدف، وربما يعتقد ترمب هنا أن اغتيال بعض القادة الإيرانيين ربما يعجل بنهاية النظام الإيراني، وتمكين المعارضة الشعبية داخل البلاد.

‏‏ولكن على ‏ترمب إدراك أن إيران ليست فنزويلا وأن الشرق الأوسط ليس أمريكا الجنوبية. ‏تمتلك إيران عقيدة قتالية راسخة، والكثير من القدرات العسكرية، وخبرة قتالية طويلة في الحروب والتدخلات صمدت رغم الحصار الاقتصادي الخانق منذ ميلاد الجمهورية الإسلامية في أواخر السبعينيات ‏من القرن الماضي.

إعلان

‏تستطيع إيران وبكل بساطة إشعال نيران الحرب في منطقة مضيق هرمز، واستهداف تجارة النفط العالمي- حوالي 20% من تجارة النفط عبر البحار في العالم ‏تمر بهذا المضيق البحري إلهام- استهدافا يصيب الاقتصاد العالمي بشلل كبير.

‏ وبينما رضخت ‏حكومة فنزويلا ‏رضوخا شبه كامل لمطالب ترمب واستسلمت لسياسة الأمر الواقع؛ رغبة منها في تجنب صدام عسكري مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن التاريخ السياسي لإيران والشعور القومي فيها لا ينبئان أن يكون حالها كذلك مع الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما استهدفت الأخيرة القيادات الإيرانية السياسية العليا. ‏

بيد أن خطر سقوط النظام الإيراني يبدو من داخله أكبر من أي اعتداء خارجي عليه؛ نسبة للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها شرائح واسعة من الشعب ‏الإيراني ذي التاريخ الطويل في الثورات الشعبية العارمة.

‏وكما يبدو أيضا أن المحيط الإقليمي لإيران يرغب رغبة صادقة في تجنب ويلات الحرب، حيث أكدت الدول الخليجية في تصريحات رسمية رفضها ‏التام استخدام أراضيها في أي هجوم عسكري أمريكي ضد إيران.

كما تحاول تركيا جاهدة ‏العمل على خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لمواصلة المفاوضات النووية بينهما، ولكن تعتمد فرص نجاح هذه الوساطة التركية ‏على مرونة الجانب الإيراني، وكشف خبايا الأهداف الحقيقية للرئيس ترمب من خلال هذا التصعيد العسكري.

ويبدو ‏كذلك أن الموقف الروسي، والصيني حتى الآن يعارض التدخل العسكري الأمريكي في إيران أكثر منه في فنزويلا؛ ‏نسبة للعلاقات الاقتصادية والعسكرية المتينة التي تجمع إيران بهاتين القوتين الدوليتين.

السر الغامض؟

‏ولكن يبدو أن هنالك سرا غامضا وأمورا تُدار خلف الكواليس لا نعلمها حتى هذه اللحظة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ‏حول إيران، وربما ‏تشمل تواصلا استخباراتيا مع بعض القادة العسكريين الإيرانيين- الطامحين في السلطة داخل ‏البلاد- ‏لإحداث انقلاب عسكري يطيح بالنظام تدعمه القوى الثورية المناهضة، وتحميه الآلة الحربية الأمريكية المتواجدة في المنطقة.

ربما يبدو هذا السيناريو إسرافا بعيدا في الخيال السياسي، ولكن متى ما أدركنا ضخامة الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي داخل إيران وقدرة المخابرات المعادية لإيران في مساندة الشارع الإيراني في المظاهرات الأخيرة- مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها إيران- أدركنا أن مثل هذا السيناريو ربما يكون أقل السيناريوهات تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة في الإطاحة بالنظام الإيراني.

‏يبدو أن الرئيس ترمب عاقد العزم هذه المرة على تحقيق أهدافه السياسية في إيران-‏ مستغلا الضعف غير المسبوق للنظام الإيراني هذه الأيام- إما عبر الضغوط العسكرية المباشرة ‏لتحقيق تنازلات إيرانية أساسية، أو عبر ضربات جوية تصحبها عملية تغيير للنظام من الداخل.

‏قد تساعد التحركات الدبلوماسية المكوكية الأخيرة في نزع فتيل الحرب بين إيران والولايات المتحدة، والاتفاق على مبادئ عامة تتعلق ببرنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية، ما يسمح للرئيس ترمب أن يعلن للشعب الأمريكي أن الضغوط العسكرية والتلويح باستخدام القوة هما السبيل الوحيد لإرغام أعداء أمريكا على الرضوخ لمطالبها السياسية.

وعلى كل حال، يبدو أن درامية المشهد الأمريكي الإيراني قد دخلت مرحلة حرجة يمسك خيوطها ‏حاليا الرئيس ترمب، ولكن أقدار الله وحده هي من ستحدد نهايات هذا المشهد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان