ما بعد الديمقراطية المعاصرة.. هل هناك أمل؟

جانب من المسيرة الاحتجاجية لجبهة الخلاص المعارضة للمطالبة بتحديد موعد الانتخابات وتنقية المناخ السياسي/العاصمة تونس/مايو/آيار
جانب من مسيرة لجبهة الخلاص المعارضة للمطالبة بتحديد موعد الانتخابات وتنقية المناخ السياسي في تونس (الجزيرة)

كم استعملنا مصطلح "الانتقال الديمقراطي" في السنين الأخيرة توهّمًا أننا ننتقل بصفة حتميّة، وفي العالم أجمع، من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي، ونحن لا ننتبه أن ما نعيش في الواقع هو الانتقال الاستبدادي.

انظر كيف تعاملت السلطات في أميركا وأوروبا مع تظاهرات الطلبة؛ دعمًا لغزة المعرضة بوضوح للإبادة الجماعية. أخطر من العنف البوليسي اتضاح هيمنة الأرستقراطيات المخفية على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لخنق كل الأصوات الحرّة وفرض السردية الصهيونية.

ما برز بوضوح أثناء أشهر الحرب على غزة هو انكماش الحريات الفردية والجماعية حتى في هذه البلدان الديمقراطية، لا بإرادة أو لمصلحة حكومات فقدت منذ زمن بعيد كل سلطة حقيقية، ولكن بإرادة ولمصلحة الشركات العملاقة للإعلام والإنترنت. هل سيجعل كل هذا قريبًا – حتى في الديمقراطيات القديمة – من ترديد مقولات تمتّع الناس بالحريات الفردية والجماعية وسيادة الشعب عبر الانتخابات الحرة والنزيهة، مزحةً سخيفة يموّه بها مخادعون على مخدوعين؟

انظر ما يحصل في بلد كنا نسميه أكبر ديمقراطية في العالم. في زيارة خاطفة لجامعة برنستون تعرفت على الدكتورة كريتي كابيلا (Kriti Kapila)، وهي باحثة هندية في العلوم الاجتماعية، وتدرس حاليًا تبعات عملية بالغة الخطورة في بلدها تمت في الصين؛ أي فرض بطاقة إلكترونية على قرابة مليار هندي تحتوي على ملامح الوجه والبصمات وقرنية العين والمهنة، ولا يمكن قضاء أي حاجة تجارية أو إدارية بدونها.

مما يعني أنه سيكون بوسع السلطة معرفة كل شيء عن حياة المواطنين من تنقلاتهم إلى معاملاتهم البنكية إلى من يصوّتون، وماذا يقرؤون، ومع من يتعاملون. تخيّل كيف ستستعمل هذه المعطيات ولمصلحة مَن؟

كم يبدو اليوم مثيرًا للشفقة والسخرية الاستبدادُ القديم الذي لم يكن يملك لمراقبة المجتمع إلا جواسيس يجلسون في المقاهي يفتعلون قراءة الجرائد، ولم يكن له، للتحكم في العقول والقلوب، إلا نشرات وسائل إعلام مكتوبة ومسموعة ومرئية كان الوحيد الذي يملكها. أما الاستبداد الذي بدأت ملامحه تتشكل بسرعة رهيبة تحت أعيننا، فهو شيء غير مسبوق في تاريخ البشرية.

ففي الشرق، يُلقي المحور الاستبدادي المكوّن من الصين والهند وروسيا بظلاله على ثلث البشرية، وفي الغرب لا ينذر رجوع ترامب في أميركا والصعود المتواصل لليمين المتطرف في أوروبا بأي ضمان لتواصل الديمقراطية في أقدم معاقلها. حدّث ولا تسَلْ عن عودة الانقلابات في أفريقيا، أو عن مغزى انتخاب شخص مثل الرئيس الأرجنتيني. وفي عالمنا العربي أجهضت الثورات الديمقراطية بالثمن الرهيب الذي نعرف.

من أين لنا دخول عقول وقلوب شرائح واسعة من مجتمعاتنا ترى في الوضع الكارثي الذي تتخبط فيه بلدان ثورات 2011 مسؤولية الثورة لا جريمة الثورة المضادة، بل وفيها مَن لا يزال مصرًّا على أن الديمقراطية أيديولوجيا غربية استعمارية علينا رفضها، رغم أن شباب الغرب هو الذي تجنّد لفلسطين وليس شباب العرب؟

أليس من باب السذاجة إذن التمسّك بالمشروع الديمقراطي، وهو اليوم في انحسار في جلّ أماكن العالم، وفي أخطر وضع قد يكون عرفه طوال تاريخه؟

لمواجهة تسونامي الإحباط لنسأل المشككين في جدوى التمسك بالمشروع الديمقراطي: أليست جلّ الكوارث والمآسي التي نتخبط فيها من تبعات عاملين أساسيَين: فشل الحوكمة الرشيدة في كل بلداننا دون استثناء أي حكم الاستبداد، وفشل الدولة القُطْرية الشمولية المتخلفة، كما رسم حدودها الاستعمار الغربي في الإيفاء بالحاجيات الدنيا لمواطنيها، ناهيك عن المحافظة على الحدّ الأدنى من استقلالية القرار؟

القاعدة التي تجاهلها الوحدويون العرب أن الدكتاتوريات لا تتحد فيما بينها، وكل ديكتاتور يعتبر بلده مزرعته الخاصة، ولا يقبل بالتسليم في سلطته المطلقة عليها تحت أي سبب. الفشلان إذن مرتبطان ببعضهما البعض، ففشل الدمقرطة لم يكرّس فقط سطوة أنظمة فاسدة قمعية تابعة وغير كفؤة، وإنما منع هذه الدول من إيجاد صيغة مماثلة للاتحاد الأوروبي الذي لم يظهر للوجود إلا بعد انهيار الأنظمة الاستبدادية النازية والفاشية والشيوعية.

هل كانت الأمة تعرف كل هذا الهوان، وأربعمائة مليون عربي هم اليوم كاليتامى في مأدبة اللئام، لو كان هناك اتحاد عربي بين دول ديمقراطية مثل الاتحاد الأوروبي؟

قناعتي المطلقة المستمدة من نصف قرن في المعارك النظرية والسياسية أنه لا مستقبل لشعوب أمتنا إلا ببناء دول قانون ومؤسسات على أنقاض حكم الفرد والعصابات. فهي الوحيدة القادرة من جهة على خلق شعوب من المواطنين الخلّاقين المبدعين بدل شعوب الرعايا السلبيين الذين خلّقهم الاستبداد. من جهة أخرى هي الوحيدة التي تسمح ببناء اتحاد بين شعوب حرة ودول مستقلة على شاكلة الاتحاد الأوروبي الذي لم يتأسس إلا على أنقاض الدكتاتوريات.

صفّفْ الآن للأجيال المحبطة وللأجيال الشاكة بقية الحجج للإمعان في مشروعنا الديمقراطي، وضعْ أمام أعينها الحقيقة التي لا ينكرها إلا مخادع أو مخدوع وهي أن النظام الديمقراطي هو:

  • الوحيد القادر على حماية المجتمع من الوقوع في قبضة زعيم غير كفؤ. معرض للخطأ كل البشر مع فارق هام أن خطأ منه يكلف حياة الملايين.
  • الوحيد الأقدر على بناء استقرار حقيقي عبر التداول السلمي على السلطة، والصراع العنيف حولها أهم سبب في مآسي مجتمعاتنا.
  • الوحيد القادر على أن يوفّر لأفراد المجتمع الحد الأدنى من الحماية القانونية.
  • الوحيد القادر على مواجهة آفة الفساد المتسببة في استنزاف خيرات المجتمع لمصلحة أقلية أنانية وشريرة.
  • الوحيد القادر على حماية الحريات الفردية والجماعية التي تضمن للأفراد والجماعة حقوقهم المشروعة، وأولها الكرامة.

لقائل أن يقول: كلام جميل، لكن لماذا نرى إذن مثل هذا النظام العبقري يترنّح ويتراجع في الأماكن التي استتب فيها، ويفشل في البقاء في الأماكن التي وفرت له الثورة فرصة ذهبية مثلما حصل في بلدان الربيع العربي، وخاصة تونس؟ قناعتي اليوم أن مصاعب الديمقراطية ليست فقط بسبب شراسة الاستبداد وعمق تجذّره في غرائزنا الحيوانية وتجدد آلياته وتزايد فاعليتها، وإنما هي في جزء كبير منها بسبب آلياتها والخيارات الفكرية والقيمية التي تسندها.

من هذا المنطلق إذا أردنا التمسك بالمشروع الديمقراطي ومواصلته بحظوظ معقولة للنجاح، فعلينا ألا نغيّر شيئًا من أهداف الديمقراطية، لكن علينا أن نغير كل شيء في وسائلها؛ لأنها اليوم من أهم أسباب أزمتها الخانقة، بل هي من تفرش البساط الأحمر لعودة الاستبداد وهلاكها.

الحلقة المقبلة: المراجعات الضرورية

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.