إثيوبيا "الحبيسة" والهيمنة البحرية.. الدوافع والمآلات

رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في إحدى جبهات القتال (مواقع التواصل الاجتماعي)

" كيف لبلد يخطو حثيثًا ليصل عدد سكانه إلى نحو 150 مليونًا أن يعيش في "سجن الجغرافيا"!

"إن وجود إثيوبيا مرتبط بالبحر الأحمر"، ينبغي ألا تكون قضية مناقشة أمر البحر الأحمر من التابوهات المحرّمة بالنسبة للإثيوبيين."

هكذا تحدّث آبي أحمد في خطابه الشهير والخطير أمام البرلمان في أكتوبر الماضي، ورغم أنه في الخطاب ذاته حدد طريقة الوصول للبحر عن طريق كل من: " إريتريا أو الصومال أو جيبوتي"، فإنه فاجأ الجميع أوائل هذا العام بتجاهل حكومات هذه الدول الثلاث، والذهاب إلى توقيع مذكرة تفاهم مع جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها رسميًا حتى الآن، تقضي بحصوله على مساحة 20 كيلو مترًا في محيط ميناء بربرة لمدة 50 عامًا، مقابل الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، وحصولها على حصة من شركة الخطوط الجوية الإثيوبية!

هذا التوجه يطرح تساؤلاتٍ حول جديد هذا الاتفاق عن سابقه الذي وقعه أيضًا مع كل من أرض الصومال وشركة موانئ دبي العالمية الإماراتية في مارس 2018 "بعد توليه الحكم بفترة قصيرة"، وحصلت بموجبه أديس أبابا على حصة نسبتها 19% في ميناء بربرة، مقابل 51% لدبي، و30% لأرض الصومال، علاوة على تطوير الطريق البري الرابط بين الأراضي الإثيوبية والميناء بطول 260 كيلومترًا. وهو الاتفاق الذي ألغته حكومة أرض الصومال مع أديس أبابا في يونيو 2022؛ بسبب عدم التزام الأخيرة بتطوير هذا الطريق.

كما يَطرح تساؤلًا آخر-لا يقل أهمية عن توقيته- فهو يأتي بعد يومين فقط من الاتفاق الذي رعته جيبوتي بين الصومال وأرض الصومال، والذي نص على استئناف المفاوضات السياسية بين الطرفين مع التركيز على القضايا المصيرية: " الانفصال أم الوحدة"، وهو ما يعني نسف جهود جيبوتي، ونسف فكرة المفاوضات.

صحيح أنّ أرض الصومال أعلنت في سبتمبر الماضي أنها لن تساوم مع الصومال بشأن قضية الانفصال والاستقلال، وإنما ستبحث معها طرق تحقيق ذلك، إلا أن هذا الاستباق ساهم أيضًا في حدوث تباعد مع الحكومة المركزية في مقديشو التي وقعت مع آبي أحمد في يونيو 2018 اتفاقًا يتضمن استثمار بلاده في أربعة موانئ بحرية صومالية لجذب الاستثمارات الأجنبية.

كما أنها لا تمانع في إبرام مثل هذه الصفقة مع أديس أبابا، كونها تؤكد السيادة الصومالية على الإقليم، خاصة في ظل العلاقات الوطيدة بين الجانبين، والتي تجسدت مؤخرًا في تجديد الاتفاق العسكري بين إثيوبيا والصومال في أكتوبر الماضي.

بالنسبة لجيبوتي، وإريتريا، فقد كان الموقف المبدئي لهما هو رفض الاتفاق، واعتباره تهديدًا محتملًا لسيادتهما، فضلًا عن تأثيره الاقتصادي على عوائد التجارة الإثيوبية التي كانت تمرّ عبر هذه الموانئ

دوافع إثيوبيا نحو البحر الأحمر

من الواضح أن الاتفاق الأخير مع أرض الصومال -رغم قلة المعلومات الواردة بشأنه- يختلف عن اتفاق 2018 في كونه اتفاقًا سياديًا، يعطي لأديس أبابا حرية الحركة في هذه المنطقة، فضلًا عن إمكانية إقامة قاعدة عسكرية بحرية في تلك المنطقة التي لا تبعد كثيرًا عن باب المندب "المدخل الجنوبي" للبحر الأحمر، وربما هذا يفسر لماذا ينص في المقابل على إمكانية اعتراف إثيوبيا بهذه الدولة غير المعترف بها دوليًا. ويبدو أن آبي أحمد لعب على هذه النقطة، مستغلًا في الوقت ذاته سعي موسى بيحي عبدي – رئيس جمهورية الصومال المنتهية ولايته في نوفمبر الماضي – إلى تحقيق أي إنجاز اقتصادي أو سياسي، يساهم في فوزه في الانتخابات القادمة.

الدوافع الداخلية والخارجية لتوجه إثيوبيا صوب البحر الأحمر

  • أولًا: رغبة آبي أحمد في تحقيق طموحاته الإمبراطورية والتي تتجاوز حدود بلاده الحبيسة، وتسعى للهيمنة على الإقليم ككل. فالرجل لم ينكر هذا الحُلم الإمبراطوري في خطاب له عام 2018، حيث صرح بأن والدته أخبرته وهو في سنّ 7 سنوات بأنه سيكون الإمبراطور السابع المقدر إلهيًّا ليوحد ويحكم إثيوبيا، ويمثل الرقْم 7، من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا، الكمال.

ومن ثم فهو يسعى لتكرار الحلم الإمبراطوري لهيلاسلاسي الذي سعى في أربعينيات القرن الماضي لضم إريتريا بالقوة للوصول إلى البحر الأحمر، كما أنه يرغب في قطع الطريق على نخب الأمهرة التي تتبنى الطرح ذاته، خاصة في ظل حالة العداء والحرب بينه وبين قومية الأمهرة التي تقودها جبهة فانو "أحد حلفائه بالأمس القريب في مواجهة التيغراي".

صحيح أنه ربما لن يسعى لتحقيق هذا الحلم بالقوة كما فعل هيلاسلاسي، لكنه لا يمانع في استخدامها عند اللزوم. وهو ما أكده في خطاب أكتوبر الماضي، حيث أشار إلى أن إثيوبيا لديها "حقوق طبيعية" في الوصول مباشرة إلى البحر الأحمر، وإذا حُرمت من هذه "الحقوق"، "لن يكون هناك إنصاف وعدالة، وإذا لم يكن هناك إنصاف وعدالة.. إنها مسألة وقت، سنقاتل".

  • ثانيًا: الرغبة في السيطرة على الموانئ الخمسة الرئيسية في مشروعه القائم على توحيد القرن الأفريقي ككتلة اقتصادية يلعب فيها سلاح البحرية دورًا بارزًا. وربما هذا يفسر أسباب اهتمامه قبل عامين بإعادة إحياء سلاح البحرية عبر اتفاقية مع فرنسا، بعدما تم حل هذا السلاح عام 1996، بعد استقلال إريتريا بثلاث سنوات، وتحول بلاده إلى دولة حبيسة.

وربما يفسر هذا أسباب تركيزه -في الأشهر الأولى من تبوّئِه الحكم- على عقد اتفاقيات اقتصادية تتعلق بالموانئ مع دول القرن الأفريقي بالمعنى الواسع، والتي تضمنت اتفاقًا مع الصومال بشأن 4 موانئ ساحلية على المحيط الهندي، وخليج عدن، واتفاقًا مع إريتريا بشأن تطوير طريق بين البلدين يسهل عملية مرور البضائع إلى ميناء عصب على البحر الأحمر، واتفاقًا ثالثًا مع جيبوتي بشأن شراء حصة من ميناء جيبوتي الذي تدخل منه 95% من صادرات وواردات إثيوبيا، واتفاقًا رابعًا مع السودان بشأن استغلال جزء من ميناء بورتسودان على البحر الأحمر في عملية التصدير، واتفاقًا خامسًا مع كينيا بشأن الحصول على أراضٍ في جزيرة لامو على المحيط الهندي.

  • ثالثًا: خفض رسوم استخدام ميناء جيبوتي، الذي يكلف البلاد قرابة ملياري دولار سنويًا، فضلًا عن التنافس الدولي الكبير الذي تشهده جيبوتي التي باتت قِبلة لدول عالمية: "الولايات المتحدة، فرنسا، الصين"، وبالتالي يخشى الرجل من أن تؤثر هذه المنافسة على تجارة بلاده الخارجية.

وهناك نقطة أخرى ترتبط بميناء جيبوتي، وهي إمكانية قطع الطريق المؤدي إليه من خلال السيطرة على إقليم عفر، وهو ما هددت به جبهة تيغراي في الحرب الأخيرة، ما يعني حال حدوثه، شللًا تامًا لتجارة البلاد الخارجية.

  • رابعًا: الرغبة في زيادة الاستثمارات الخارجية، وتحسين الظروف الاقتصادية بصفة عامة بعد تراجع معدل النمو الاقتصادي من 9% عام 2019 إلى قرابة 5% العام الماضي. وهو التراجع الذي تأثر بصورة كبيرة بأزمة كورونا وحرب تيغراي.
  • خامسًا: توتر العلاقات مع إريتريا؛ بسبب رفضها اتفاق بريتوريا الذي وقعته إثيوبيا مع جبهة تيغراي في نوفمبر 2022، لوقف الحرب، فضلًا عما تردد عن دعم أسمرا جبهةَ فانو الأمهرية في حربها الأخيرة ضد النظام، علاوة على بداية التقارب "مجددًا" بين إريتريا، والنظام المصري.
  • سادسًا: كسب ودّ المجتمع الدولي بعد الانتقادات التي وجهت له بسبب حرب تيغراي، وكذلك كسب ود واشنطن الراغبة في تفكيك التحالف الإريتري-الإثيوبي، بعد توجه أسمرا صوب كل من موسكو وبكين، وتلويحها بمنح روسيا قاعدة على البحر الأحمر.
  • سابعًا: الرغبة في فرض انضمام بلاده لمنتدى البحر الأحمر الذي تشكل عام 2020، ويضم 8 دول: (مصر، السعودية، الأردن، اليمن، السودان، جيبوتي، إريتريا، الصومال)، بعد رفض طلب سابق.. لذا أعلن آبي أحمد في فبراير 2022 أن أمن البحر الأحمر لا يتحقق دون مشاركة إثيوبيا التي ستحافظ على مصالحها الإستراتيجية في المناطق البعيدة خلال السنوات الخمس عشرة القادمة.

كما أنه قد يسعى لإيجاد موطئ قدم لبلاده في التحالف الذي تشكله الولايات المتحدة حاليًا؛ لمواجهة هجمات الحوثيين في باب المندب، وبالتالي كسب ود واشنطن وتل أبيب معًا.

مآلات الاتفاق

إن أول رد فعل على الاتفاق جاء " عمليًا" من الصومال التي اعتبرته ملغى، ويمسّ سيادتها، لكن لم تحدد ما هي الخطوة التالية، هل ستقوم برفع الأمر للاتحاد الأفريقي الذي يرفض ميثاقه المساس بالسيادة الوطنية للدول الأعضاء؟، أم سترفع الأمر للأمم المتحدة؟، كما لم تقرر ما إذا كانت ستمضي قدمًا في تنفيذ اتفاقية 2018 الخاصة بالموانئ الأربعة مع أديس أبابا، أم ستقوم بإلغائها؟

من الواضح أن حكومة مقديشو، لن تذهب بعيدًا عن هذا، وربما هذه الخطوات التصعيدية، هدفها التوصل لاتفاق جديد معها يعود بالنفع عليها من ناحية، ويؤكد تبعية أرض الصومال لها من ناحية ثانية، وهو الموقف نفسه الذي اتخذته إبان اتفاق موانئ دبي مع أرض الصومال 2018، حيث كانت ترغب في أن يتم توقيع الاتفاق معها.

وفي الحقيقة فإن رد الفعل الصومالي تحكمه اعتبارات عدة، أبرزها صعوبة التلويح بشن حرب ضد إثيوبيا، في ظل انشغال مقديشو بمواجهة حركة الشباب، بل إن مقديشو تعتمد على أديس أبابا في هذه المواجهة من خلال مشاركة الأخيرة في القوات الأفريقية العاملة هناك " أتميس".

أما بالنسبة لجيبوتي، وإريتريا، فقد كان الموقف المبدئي لهما هو رفض الاتفاق، واعتباره تهديدًا محتملًا لسيادتهما، فضلًا عن تأثيره الاقتصادي على عوائد التجارة الإثيوبية التي كانت تمرّ عبر هذه الموانئ. وربما تخشى أسمرا من أن يكون الاتفاق الأخير هو محاولة إحياء فكرة الإمبراطور هيلاسلاسي بالسيطرة على عصب، كما تعتبره جيبوتي في المقابل إطاحة بجهودها الدبلوماسية بشأن المصالحة الصومالية.

قد يدفع هذا الاتفاق الأخير إلى إمكانية اتفاق الدول الثلاث: " الصومال، إريتريا، جيبوتي" على تشكيل تحالف في مواجهة إثيوبيا، ولنصبح أمام تكتل جديد، ربما يلقى دعمًا من كل من الولايات المتحدة في حالتَي الصومال وجيبوتي، أو روسيا في حالة إريتريا.

لكن هذا التحالف المزمع يتوقف على عوامل عدة أبرزها، الطمأنات الإثيوبية لهذه الدول من ناحية، ومدى الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه هذه الدول من واشنطن وموسكو من ناحية أخرى. ولا شك أنه في حالة حدوث هذا التحالف، فإن أديس أبابا ستشهد تحولًا من سياسة "صفر مشاكل " التي تبناها آبي أحمد عند وصوله للحكم، إلى سياسة "توحيد الخصوم" في تحالف واحد؛ بسبب الحلم الإمبراطوري والرغبة في الهيمنة على الإقليم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.