الدروز يضيئون شمعة الثورة السورية

مظاهرات السويداء (رويترز)

لا تزال ساحة الكرامة للأسبوع الرابع مزدحمة بالمتظاهرين، واللافت في الأمر أن الأعداد تتزايد، والزخم يتصاعد. ومع دخول شيخ العقل "الحناوي" إلى الساحة، وتوجيه كلمته الفاصلة إلى السوريين، نستطيع القول إن السويداء لم ترفع السقف، بل أطاحت به، وأن خط الرجعة أصبح في الماضي، وأن كذبة "حماية الأقليات" قد كشفت أمام العالم أجمع، وأصبحت بحد ذاتها فضيحة هذا النظام المستبد الذي بقي على مدى 50 عاما يحتمي بالأقليات، وفي المقابل لم يمنحها سوى الفقر والذل والتشرد.

وحتى اللحظة لم يفكر مطلقا بغير الحل العسكري، حيث أوعز لعملائه في حزب البعث في السويداء بإطلاق النار على المتظاهرين كما رأينا يوم الجمعة الماضي. وكذلك قام بسحب قواته من عدة حواجز، وإخلاء ثكنات عسكرية في درعا بالتزامن مع هذه المظاهرات.

لا شك أنه يفكر -كما جرت العادة- بإلباسهم ثياب الدواعش من أجل معركة عسكرية تقضي على هذا الحراك.

لقد جاءت مظاهرات السويداء كنتيجة حتمية لتدهور الأوضاع على جميع الصعد، وجاءت بخطاب لا يمكن القدح فيه من أي جانب على الإطلاق، خطاب وطني بامتياز، مدني يطالب بالعدالة والديمقراطية وفق القرارات الدولية، متعاليا على الطائفية والمذهبية، ويتمتع بقبول لدى كل السوريين حتى من كان منهم من طائفة النظام

عودة إلى نقطة البداية عام 2011

ما يجعل هذا الحراك نموذجيا وكأنما يحيي الوجه الأصلي للثورة السورية، مطالبه العادلة بالحرية والمدنية والديمقراطية، التي نادت بها مظاهرات الثورة الأولى على مدى سنة تقريبا قبل أن يستطيع النظام بمؤازرة دولية تشويهها، وتقديمها للعالم على أنها ثورة إرهابيين، وذلك بعد أن أفرج عن كبار الإرهابيين لديه من السجون ليشكلوا فصائل مسلحة مثل جبهة النصرة وغيرها.

لكن الوضع في السويداء اليوم مختلف تماما، والمطالب المدنية واضحة، والمطلب الأهم هو ما اتفق العالم عليه وهو تنفيذ القرار الدولي 2254، لذلك لا عجب أن نسمع من الولايات المتحدة الإعراب عن قلقها بشأن التقارير حول استخدام النظام المستبد للقوة ضد المتظاهرين، ونسمع منها تأكيدها الحل السياسي وفق القرار الأممي المذكور.

وكذلك لا عجب أن نسمع الكلام ذاته من الخارجية الفرنسية والخارجية البريطانية ومطالبتهما للنظام بوقف الهجمات على المدنيين، والانخراط في حل سياسي وفق القرار الأممي. هذه التصريحات من الدول العظمى الثلاث جاءت متزامنة مع تصريح المفوض السامي لحقوق الإنسان الذي أبدى قلقه أيضا من تفاقم النزاع وتأثيره السلبي على المدنيين، مبينا أن النزاع أثر بشكلٍ كبير على المناطق المأهولة بالسكان وعلى المرافق الحيوية وحرية التنقل، وأسعار المواد الغذائية. مما يذكرنا بقلق الأمين العام السابق للأمم المتحدة "بان كي مون" الذي بقي يعبر عن قلقه 7 أعوام منذ بداية الثورة وحتى انتهاء مدة عمله.

السؤال الذي يشغل بال السوريين الآن هو مصير هذه المظاهرات ومدى تأثيرها على باقي المحافظات السورية، تحديدا الساحل السوري

وضع المزهرية

تقال هذه العبارة وصفا لشخص غير مبال بما يجري حوله. وهو الوضع الذي اتخذه العالم بأسره تجاه القضية السورية. فهو لا يزال ينظر حتى الساعة إلى هذه البقعة الجغرافية (سوريا) على أنها دولة تمتلك قرارها السيادي، وأن بإمكان الناس العيش على هذه الأرض، فتهجير نصف السكان ليس بالأمر الذي يستحق المتابعة، ومقتل ما يزيد على مليوني إنسان ليس بالأمر الذي يستحق المتابعة، ومن تبقى من البشر لم يعد يجد في حاويات القمامة ما يؤكل، لذلك لا يسمع السوري منهم سوى عبارات القلق، وهذا بالضبط يمنح النظام حالة من الطمأنينة على وضعه جعلت أحد المسؤولين فيه يصرح ردا على سؤال حول ما ينتظرهم من عقوبات قائلا: "بل ننتظر المكافأة".

لقد جاءت مظاهرات السويداء كنتيجة حتمية لتدهور الأوضاع على جميع الصعد، وجاءت بخطاب لا يمكن القدح فيه من أي جانب على الإطلاق، خطاب وطني بامتياز، مدني يطالب بالعدالة والديمقراطية وفق القرارات الدولية، متعاليا على الطائفية والمذهبية، ويتمتع بقبول لدى كل السوريين حتى من كان منهم من طائفة النظام.

تقوم الساعة ولا يقوم الساحل

كتب أحد الناشطين السوريين هذه العبارة على حسابه في الفيس بوك مؤكدا أن الطائفة العلوية لن تتحرك مهما ساء الوضع في سوريا، لأن لأبناء الطائفة حساباتهم الخاصة في المشاركة، تبقى قيد التفكير والتداول مغلفة بالمخاوف الكثيرة، خوف من الاعتقال، خوف من خسارتهم قيادة البلد، خوف من عودتهم إلى مظلوميتهم التاريخية المبررة، وغير المبررة، لكنهم في المجمل أصبحوا يدركون تماما حجم الخديعة التي مارستها هذه العائلة عليهم، والتي وصل الشك حتى بأصولها العلوية والسورية إليهم، وذلك بعد أن دفعوا أعظم ثمن دفعوه عبر تاريخ مظلومياتهم، فقد فاق عدد أبنائهم القتلى في سبيل بقاء بشار الأسد على رأس النظام نصف مليون قتيل، وكانت مكافأة أسرة الشهيد ساعة حائط أو صندوق برتقال أو علبة "متة".

لم ينسَ الدروز حتما هديتهم الخاصة التي منحها الأسد للذين قتلوا وهم يدافعون عنه "عنزة سوداء"، وهي هدية مميزة قياسا لعلبة المتة وساعة الحائط التي منحها لأهالي القتلى من العلويين.

السؤال الذي يشغل بال السوريين الآن هو مصير هذه المظاهرات ومدى تأثيرها على باقي المحافظات السورية، تحديدا الساحل السوري.

هل ستطول عملية التفكير والتداول لدى العلويين؟ أم سنرى في المستقبل القريب حدثا ينهي هذه المهزلة؟ في وقت بات على كل سوري حر أن يفكر في آليات إعادة سوريا موحدة، لأن الواقع الواضح للعيان اليوم يقول إن سوريا أضحت 4 أو 4 مناطق، ووحدها الطائفة العلوية من سيحسم هذا الأمر، إما بالبقاء ضمن هذا التقسيم، أو بالعمل على عودة الوحدة إلى هذا الوطن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.