رقصة الموت بين البرهان وحميدتي

الخلافات بين البرهان (يسار) وحميدتي ليست لها علاقة من قريب أو بعيد بالمسألة الديمقراطية في السودان (الجزيرة)

عندما يختلف العسكريون على السلطة، نكون أمام أحد 3 سيناريوهات: إما وقوع انقلاب يحسم الصراع لأحد الأطراف المتنازعة، وإما انقسام الجيش بين هذه الأطراف، وإما دخول البلاد في حالة حرب أهلية وفوضى عارمة.

ويمكن استشعار شيء من هذا القبيل على خلفية ما يجري حاليا في السودان من تطورات وتوترات، ليست بين القوى المدنية والعسكرية فحسب، بل داخل المكون العسكري نفسه أيضا. فالخلافات التي ظلت مكتومة لشهور بين رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، الشهير بحميدتي، خرجت للعلن خلال الأسابيع الماضية، ودخل الرجلان في حالة من التلاسن والتهديد المتبادل بشأن الخلاف على طريقة إدارة المرحلة الانتقالية الثانية، وذلك بعد الانقلاب الذي نفذاه معا يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

رغم هذه الخلافات، فإن البرهان وحميدتي يتفقان على شيء واحد فقط، وإن لم يصرحا به علانية، وهو إجهاض المسار الديمقراطي في السودان

في مفارقة غريبة، الخلافات هي التي دفعت حميدتي إلى أن يعترف صراحة بالانقلاب، وأن يقر بندمه على المشاركة فيه. فقد قال حميدتي -في خطاب متلفز ألقاه يوم 19 فبراير/شباط الماضي- إنه ابن بادية بسيط، سئم من الحروب التي خاضها، ويرغب في السلام، وإن مسيرته تخللتها أخطاء عديدة من قبله، آخرها كان المشاركة في "الانقلاب على حمدوك". وهي أيضا الخلافات نفسها التي دفعت البرهان إلى القفز للأمام والمزايدة على حميدتي بالقول، والتصريح أكثر من مرة بأن "الجيش السوداني سوف يترك السياسة ويعود لثكناته"، وأنه شخصيا "لن يترشح للرئاسة" بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

الخلافات بين البرهان وحميدتي ليست لها علاقة من قريب أو بعيد بالمسألة الديمقراطية في السودان. ويخطئ من يقرؤها كذلك أو يظن أن أيا من الرجلين هو النسخة الجديدة من المشير الراحل عبد الرحمن سوار الذهب، الذي تسلم السلطة بعد انتفاضة أبريل/نيسان 1984، ثم سلمها بعد ذلك بعام إلى حكومة منتخبة في مايو/أيار 1985. فالرجلان ليسا طامعين في السلطة فقط، بل يخشيان أيضا تركها والخروج منها حتى لا تتم معاقبتهما على ما وقع من جرائم في حق الشعب السوداني، سواء في أثناء خدمتهم مع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير أو ما حدث بعد خلعه، خاصة مجزرة "القيادة العامة" التي راح ضحيتها أكثر من 66 شخصا يونيو/حزيران 2019. وما يصدر عنهما حاليا ليس سوى مزايدات سياسية هدفها الضغط النفسي والسياسي وإحراج بعضهما بعضا محليا وإقليميا ودوليا.

تدور الخلافات بين البرهان وحميدتي حول 3 ملفات:

  • أولها، وأهمها، ملف دمج قوات الدعم السريع ضمن قوات الجيش السوداني.
  • وثانيها ملف المرحلة الانتقالية وترتيبات نقل السلطة من العسكر إلى المدنيين، انطلاقا من الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه في الخامس من ديسمبر/كانون الأول الماضي بين المكونين المدني والعسكري.
  • وثالثها، ملف التحالفات الإقليمية. وهي الخلافات التي أشار إلى بعضها صراحة عضو مجلس السيادة السوداني الفريق أول ياسر العطا أواخر فبراير/شباط الماضي.

1- دمج قوات الدعم السريع

أما الملف الأول وأكثرها تعقيدا وحساسية، فهو ملف دمج قوات الدعم السريع ضمن الجيش النظامي. إذ يريد حميدتي تأجيل عملية دمج قوات الدعم السريع إلى ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، ويطالب بأن يكون التركيز حاليا على نقل السلطة للمدنيين بأسرع وقت؛ وليس ذلك إيمانا منه بالحكم المدني، ولكنه خوف من أن يتم التخلص منه إذا تم دمج الدعم السريع.

أما البرهان، فيُصر -من جانبه- على ضرورة أن يتم دمج قوات الدعم السريع قبل الانتهاء من المرحلة الانتقالية، وذلك باعتبارها جزءا أساسيا من الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه في الخامس من ديسمبر/كانون الأول الماضي؛ وهو بذلك يحاول تجريد حميدتي من واحدة من أهم أوراق قوته، ليس داخليا فقط، بل خارجيا أيضا.

فقد استغل حميدتي قوات الدعم السريع وحولها إلى ما يشبه قوات مرتزقة، سواء في اليمن أو ليبيا، وهو يحقق مكاسب مالية خيالية من خلال هذه المسألة، خاصة دورها في استخراج وتهريب الذهب لبلدان مثل روسيا، حسب ما تم كشفه مؤخرا. لذلك، فإن حميدتي على قناعة تامة بأن أي عملية دمج لقوات الدعم السريع حاليا تعني أنه سوف يقع تحت رحمة البرهان، وبالتالي التخلص منه ومن قواته التي تحميه ويستند إليها منذ أكثر من عقد، وهي التي ساهمت في بروزه ليس فقط على الساحة المحلية في السودان، وإنما أيضا حفظت لها مقعدا مهما على طاولة التفاوض الإقليمي والدولي، ونقلته من مجرد "تاجر إبل وأغنام" وزعيم مليشيات إلى رجل سياسة لديه طموحات وأحلام بملء الفراغ السياسي في السودان بعد سقوط البشير.

2- المرحلة الانتقالية

أما الملف الثاني، فهو ملف المرحلة الانتقالية وما ينطوي عليه من بنود، خاصة الانتهاء من المرحلة الانتقالية وتشكيل حكومة مدنية. فمن جانبه، يرى حميدتي أنه يجب المضي قدما في تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه ديسمبر/كانون الأول الماضي بين العسكر والقوى المدنية، وأهمها قوى إعلان الحرية والتغيير- المجلس المركزي، وهو الاتفاق الذي ينص على تشكيل سلطة مدنية انتقالية، وعودة الجيش لثكناته. ويصر حميدتي على أن يتم ذلك من دون انتظار انضمام بقية القوى السياسية للاتفاق، خاصة الكتلة المنشقة عن قوى إعلان الحرية والتغيير- الكتلة الديمقراطية، التي رفضت الاتفاق الإطاري ولم توقع عليه، بل تعهدت بالعمل على إسقاطه.

إصرار حميدتي على الانتهاء من المرحلة الانتقالية ليس حرصا منه على الانتقال الديمقراطي في السودان، وإنما بالأساس يتعلق بهدفين: أولهما أنه يريد التخلص من سيطرة البرهان على المجلس السيادي، وثانيهما أن يتم ذلك قبل أن يتم دمج قوات الدعم السريع في الجيش على نحو ما شرحنا آنفا. أما البرهان، فيصر على ضرورة انضمام أكبر عدد من القوى السياسية للاتفاق، وذلك لضمان وجود تمثيل لها ضمن الحكومة الجديدة. وهو بذلك يحاول أن يضمن وجود حلفاء مدنيين له بعد نقل السلطة للمدنيين خلال الشهور المقبلة.

3- التحالفات الإقليمية

والملف الثالث المختلف عليه بين البرهان وحميدتي هو ملف التحالفات الإقليمية، إذ نجح كلا الرجلين في نسج شبكة علاقات وتحالفات إقليمية خلال المرحلة الانتقالية ساعدت في تقوية أوراقه التفاوضية داخليا. ففي الوقت الذي يتمتع فيه حميدتي، وبعض القوى المدنية التابعة له، بدعم بعض الدول الخليجية، فإن البرهان يراهن على الدعم المصري والإسرائيلي من أجل دعم موقفه وتحسين وضعه التفاوضي سواء مع حميدتي أو مع القوى المدنية. ولذلك، فقد سارع كلا الرجلين من أجل تجيير مواقف هذه الأطراف لمصلحته خلال المرحلة الماضية، بحيث أصبح لها وزن مهم ومؤثر في المرحلة الانتقالية بالسودان، وهو ما بدا واضحا في الاتفاق الإطاري الذي جاء برعاية هذه البلدان بالإضافة إلى الأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد" (IGAD) وكذلك الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي.

ورغم هذه الخلافات، فإن البرهان وحميدتي يتفقان على شيء واحد فقط، وإن لم يصرحا به علانية، وهو إجهاض المسار الديمقراطي في السودان. وما قد يبدو منهما الآن، وكأنه قبول بتسليم السلطة للمدنيين، فمرده الأساسي قناعة الرجلين بأن القوى المدنية التي ستتولى السلطة خلال العامين المقبلين سوف تفشل فشلا ذريعا في إدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما قد يمهد الطريق لعودة أحدهما إلى السلطة من بابها الكبير، وبما سوف يسمح له بالتخلص نهائيا، وبالضربة القاضية، من خصمه اللدود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.