ديمقراطية القرن 21 | المال قوام الأعمال.. وقوام إفسادها

Demonstration or festival? hands in the air - stock photo
الإعلام في البلدان الاستبدادية في قبضة الدكتاتور، لكن جلّه بالبلدان الديمقراطية في قبضة المال الخاص (غيتي)

(1)

إبّان الفترة التي قضيتها في جامعة هارفارد، كان المطلوب مني ليس فقط تدريس موضوع الثورات الديمقراطية العربية، وإنما قبول كل الطلبة والباحثين الذين يطلبون مقابلتي وتخصيص وقت كاف للردّ على أسئلتهم.

هكذا تتابع على مكتبي طلبة وكبار باحثين من أميركا والصين وفنزويلا وأوروبا. كنت أغتنم الفرصة لأسألهم عن أوضاع بلدانهم، والحق أنني تعلّمت بقدر ما علّمت، وهذه اللقاءات كانت هي مكافأتي الكبرى من الجامعة العريقة.

ذات يوم كان الموعد مع مهندسة إعلامية فرنسية هي الدكتورة مانون ريفيل من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا الشهير "إم آي تي" (MIT). قالت لي إنها بصدد المشاركة في بحث جماعي كبير عن عوامل اتخاذ أحسن القرارات في الانتخابات -أي اختيار الشخص المناسب- سواء كان لرئاسة الدولة أو للنيابة في البرلمان وفق مؤشرات موضوعية مثل الإيفاء بالوعود الانتخابية، وعدم الانقلاب على النظام الديمقراطي، والضلوع في الفساد، إلخ.

أدهشني قولها إن البحث يشمل أكثر من مئة عملية انتخاب من كل بلدان العالم، وإن تحليل النتائج يتم بخوارزميات مبنية على معادلات حسابية معقدة. طبعا كنت متلهفا لسماع ردها. قالت إن النتائج الأولية تظهر أن النجاح في الاختيار لا علاقة له لا بالجنس، أو العرق، أو الثقافة، أو العمر، أو الطبقة الاجتماعية، أو درجة التعليم.

العامل الوحيد في حسن أو سوء الاختيار هو: كمية ونوعية المعطيات التي توفرها وسائل الإعلام للناخبين.

ويحدثونك عن الإعلام كسلطة رابعة وهو اليوم السلطة الأولى…عفوا أقصد ظلّ السلطة الأولى!

(2)

لم يعد سرا عسكريا أن جلّ الإعلام وأكثره انتشارا وتأثيرا هو في أغلب الدول الديمقراطية أو النامية بيد الخواص.

على سبيل الذكر الإمبراطور المالي روبرت مردوخ الذي يملك قناة فوكس نيوز رافعة لواء ترامب وكل اليمين المتطرف المعادي للديمقراطية، بجانب امتلاكه ثلثي وسائل الإعلام في أستراليا وأكبر الجرائد الشعبية في بريطانيا وغيرها.

الشيء نفسه عن يانيك بولوري الذي يملك في فرنسا عددا كبيرا من المجلات والجرائد (حتى النسوية) ونصف دور النشر وقنوات تلفزيونية منها قناة "CNews"، وهي قناة اليمين المتطرف المختصة في تأليب الرأي العام ضدّ العرب والمسلمين.

حدث الشيء نفسه في تونس بعد الثورة، حيث تحكّمت حفنة من رجال الأعمال في الإعلام الخصوصي الذي كان الأداة الأساسية لإجهاض الثورة.

القاعدة: كل الإعلام في البلدان الاستبدادية في قبضة الدكتاتور، لكن جلّه في البلدان الديمقراطية في قبضة المال الخاص.

الأخطر من هذا أن المال الخاص لا يتحكم فقط في الإعلام وإنما في بقية أدوات الديمقراطية.

ثمة تناقض جذري بين أهداف الديمقراطية التي تسعى لتحرير الإنسان سياسيا، وأهداف الليبرالية التي تسعى لاستغلاله اقتصاديا. وجذور التناقض مطمورة عميقا في طبقة قيم الديمقراطية التي هي قيم الإنسان الفارس، وقيم الليبرالية التي هي قيم الإنسان المفترس

(3)

عودة لهذه الأدوات، ولننظر إليها بعيون أولئك الذين قال عنهم المخرج والكاتب الأميركي وودي آلن إنهم الأوغاد الذين فهموا "شيئا هاما عن الحياة" لم نفهمه نحن.

أتصوّرهم جالسين حول خارطة كالعسكريّين ليلة معركة فاصلة، يبحثون عن مناطق الضعف في دفاعات العدوّ والثغرات التي يمكنهم النفاذ منها للاستيلاء على هذه الديمقراطية التي يكرهون.

أتخيّل نقاشهم (ونوبات الضحك بين الحين والآخر):

آه.. حرية الرأي والتعبير التي صدّعوا بها رؤوسنا وفضحونا بها! سنأخذهم بكلامهم ونطالب نحن أيضا بحرية الرأي والتعبير، وسنرى من سيربح معركة العقول والقلوب، هم بإمكانياتهم ونحن بإمكانياتنا.

آه.. هم على يقين أن كل السياسيين والإعلاميين والقضاة والناخبين لا يشترون بالمال! ولا حتى جلّهم، فقط عدد كافٍ وزيادة لنصل إلى ما نريد.

آه.. صدّعوا رؤوسنا احتجاجا على الحزب الواحد. يريدون حرية تنظيم الأحزاب والجمعيات! فكرة عظيمة، سنموّل كل الجمعيات وكل الأحزاب حتى التي تدّعي محاربتنا.

آه.. يريدونها انتخابات حرة ونزيهة لتعبّر عن سيادة شعبهم المقدس الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ومن أمامه! بأي مال سيخوضون معاركهم الانتخابية؟ سترونهم كالشحاذين الخجلانين يدقّون على أبوابنا بمنتهى اللطف.

صحيح أن حشو الصناديق الانتخابية تقنية تجاوزها الزمن، سنحشو بدل ذلك أدمغة ناخبيهم بما نملك من وسائل غسل دماغ لا فكرة لناخب ولا لمنتخب عن فعاليتها.

آه.. لهم الثقة المطلقة في حكمة الشعب وقدرة المواطن على التفريق بين الغث والسمين! سنريهم كيف سنجعل النساء يصوتن في الانتخابات لزير نساء يحتقر النساء، وكيف سنجعل الفقراء يصوتون لملياردير، والشباب لكذاب في الثامنة والثمانين، ومثقفين لنكرة يقول لهم بكل وضوح إنه ليس له أي برنامج للحكم.

آه.. يسمّون مالنا المستثمر في ديمقراطيتهم "المال الفاسد"! ليضيفوا أيضا لعنة الله عليه، وليرفعوا أكفهم يتضرعون لله لكي يهوي بأسهمنا في البورصة إلى القاع.

(ضحكات استهزاء وشماتة)

نعم لماذا لا يضحك علينا الأوغاد، والقضية ليست فساد هذا المال المنتصر على الديمقراطية، بقدر ما هي فساد منطق المدافعين عنها!

(4)

أشعر دوما بالاستغراب عندما أسمع الديمقراطيين في المشرق العربي، وخاصة مصر، يصفون أنفسهم بأنهم ليبراليون كما لو كانت كلمة ديمقراطية مرادفة لكلمة الليبرالية.

كتبت في بداية الألفية في كتاب عنوانه "عن أي ديمقراطية تتحدثون؟" أنه إذا كانت الدكتاتورية الشيوعية ألدّ أعداء الديمقراطية في القرن العشرين، فإن ألدّ أعدائها في القرن الواحد والعشرين ستكون الليبرالية.

لماذا؟

(5)

لا أبرع من النظام الاقتصادي الليبرالي في خلق الثروة، ولا أكثر ظلما في توزيعها من ذلك النظام وإنجازه العظيم الذي يجعل 1% من المجتمع يملك أكثر مما يملكه 90% منه.. خاصة بأي ثمن وبأي وسائل!

كم من فضائح للشركات الرأسمالية الكبرى التي حققت أرباحا خيالية على حساب صحة مئات الملايين من البشر. واليوم ها هي تواصل تدمير المناخ، لا تعبأ بأننا كلّنا بصدد الانتحار الجماعي. كم من دراسات وتقارير أثبتت أن هذه الشركات موّلت أبحاثا علمية زائفة لتكذيب الدراسات العلمية الحقيقية التي أثبتت مثلا أن التهاب سرطان الرئة مرتبط بتجارة التبغ، وأن جائحة السكري مرتبطة بالمشروبات الغازية والأطعمة المصنّعة، واليوم أن الكارثة المناخية مرتبطة بسياسات شركات البترول والغاز.

ثمة، إذن، تناقض جذري بين أهداف الديمقراطية التي تسعى لتحرير الإنسان سياسيا، وبين أهداف الليبرالية التي تسعى لاستغلاله اقتصاديا. وجذور التناقض مطمورة عميقا في طبقة قيم الديمقراطية التي هي قيم الإنسان الفارس، وقيم الليبرالية التي هي قيم الإنسان المفترس.

(6)

سبق أن قلت إنه إذا واجهك مخادع أو مخدوع بالعلكة القديمة: "الشعب بحاجة للخبز لا للحرية، للتقدم الاقتصادي لا لحريتكم المزعومة"، فلا بد من الصراخ في وجهه: "كفى!"، ترددون هذه البلاهة منذ 70 سنة، وقد خسرنا الحرية ولم نربح أي تقدم. يكفي الديمقراطية فخرا أنها تضمن الحرية، وفي كل الحالات هي ليست مكتب تشغيل.

لكنني قلت أيضا إنه عندما نجتمع بيننا نحن الديمقراطيين الخُلّص، فلا بد أن نعترف بأن هذا الغبيّ قال كلمة حق أريد بها باطل، وأن الديمقراطية لا يمكن أن تتنصل من مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية لسبب بسيط هو استحالة دوامها في ظل تفاقم الفقر والظلم في توزيع الثروات.

معنى هذا أن الليبرالية تسحب البساط من تحت الديمقراطية وتفرشه للاستبداد والشعبوية.

القاعدة كانت وستبقى أنه لا نصير للعدالة الاجتماعية أكبر من الحريات. لا دوام للحريات إلا بقاعدة صلبة من العدالة الاجتماعية.

العلاقة بين الليبرالية والديمقراطية ليست، كما يقول المنظرون اليمينيون، علاقة تكامل، وإنما صراع في الخفاء والعلن على السلطة.. والشيء الوحيد الذي أحبّه في الدكتاتورية أن نظامها السياسي هو الذي يعطي الأوامر للنظام الاقتصادي وليس العكس!

 

(7)

لفهمٍ أعمق للعلاقة بين الديمقراطية والليبرالية، يجب وضعها في إطارها التاريخي، أي في إطار صراع الطبقات في مجتمعات غرب القرن الثامن والتاسع. من جهةٍ، برجوازية صاعدة تمتلك مقومات سلطة المستقبل أي الصناعة والتجارة، وفي مواجهتها أرستقراطية متشبثة -عبر الاستبداد- بسلطة فقدت مقوماتها الجديدة التي جاء بها العلم والتكنولوجيا. هكذا فرضت البرجوازية الغازية الحقوق السياسية التي تشكل قاعدة النظام الديمقراطي على أرستقراطية عجوز متهالكة، لكنها لم تكن معنية بفرض الحقوق الاقتصادية، وثرواتها مبنية أساسا على استغلال الطبقات الفقيرة.

لهذا شكّل لها توسيع رقعة الحريات لعامة الناس مشكلا حقيقيا. هنا يجب العودة لكتابات أحسن مؤرخ للديمقراطية الغربية وهو الفرنسي بيار روزنفالون. ستصاب بالصداع وأنت تتابع على امتداد قرن الصراع المعقّد والمدّ والجزر في تحديد رقعة الذين لهم حق الانتخاب. حاولت البرجوازية الفرنسية حصره أطول وقت ممكن في نخبة من الرجال. ولم تسلّم بحق جميع الذكور في الانتخاب إلا في نهاية القرن التاسع عشر. يروي روزنفالون أن هذه البرجوازية التي كانت مرعوبة من وصول الفقراء إلى أعلى مراكز القرار نتيجة توسيع حق الانتخاب للعامة، تنفست الصعداء وهي تكتشف أن الرعايا يصوتون للرعاة، إلا في فترات نادرة من التاريخ لا تدوم طويلا. وتنتهي كما حدث في فرنسا، بعد فوز الجبهة الوطنية سنة 1936، بالسجون والمنافي نتيجة تحالف أعداء الديمقراطية في الداخل والخارج.

السبب البارحة واليوم وغدا: قدرة المال والإعلام على منع كل قوى التغيير أو تعطيلها أو شرائها لكي تتواصل علاقات الهيمنة والاستغلال، وإنْ بأشكال مقنّعة وبتوزيع بعض فتات الثروة والسلطة والاعتبار، كي لا تنفجر الثورات المصححة لأوضاع لم تعد تحتمل.

(8)

كل المجهودات الخارقة التي تبذلها الشركات الكبرى ورجال الأعمال النافذون للتحكم في الإعلام والأحزاب السياسية والانتخابات، لا هدف لها إلا التسلط على السلطة أو إيجاد سلطة داخل السلطة، لتحقيق أهداف هذه الشركات وأصحابها، أي مزيد من الأرباح والثروة لمزيد من السلطة اقتصاديا وسياسيا.

أقدس مقدسات النظرية الليبرالية هو الدور السلبي أو على الأقل غير المرغوب فيه للدولة في الدورة الاقتصادية. لمنظّريها ثرثرة طويلة عريضة حول كيف أن هذا التدخّل يضرّ بالعمل العبقري لليد الخفية للسوق التي تعرف وحدها من أين تؤكل الكتف (خاصة كتف المستهلك). وراء هذه الثرثرة هدف واحد: إبعاد السلطة السياسية عن الدفاع عن المصلحة العامة، لكي يترك المجال كله للسلطة الاقتصادية لتحقق المصالح الخاصة، ولو على حساب صحة وحقوق مئات الملايين من البشر، والآن على حساب حقوق وصحة الطبيعة.

هم لا يتذكرون الدولة إلا عندما يتسببون في كوارث مالية اقتصادية كما حدث سنة 2008. آنذاك يصرخون يطلبون دعم الدولة.

في المقابل، سترى الدولة الديمقراطية حتى في أميركا في صراع دائم مع اللوبيات، على الأقل للمحافظة على استقلالها أو للحد من غلوائها، عندما تكون الغلبة للحزب الديمقراطي في أميركا أو للديمقراطيين الاشتراكيين في أوروبا.

العلاقة بين الليبرالية والديمقراطية ليست، كما يقول المنظرون اليمينيون، علاقة تكامل، وإنما صراع في الخفاء وفي العلن على السلطة.

الشيء الوحيد الذي أحبّه في الدكتاتورية أن نظامها السياسي هو الذي يعطي الأوامر للنظام الاقتصادي وليس العكس!

(9)

مجمل القول، إن تفحّص الهرم في مستوى طبقة الموارد المالية للنظام يظهر خللا كبيرا في هذه الطبقة يمكن أن يهدّد بطول الزمان صلابة الهرم وحتى انهياره وذلك نتيجة تضافر عاملين:

  • الأول: هو أن تمويل النظام، سواء اعتبرنا مكوّناته (الأحزاب السياسية أو المدنية) أو أدواته (الإعلام بكل أنواعه) أو آلياته (الانتخابات)، يأتي بالأساس من القطاع الخاص. والأمر هنا يشبه ترك النظام القضائي أو الجيش والشرطة يمولون جلّ نشاطهم من كبرى الشركات وكبار رجال الأعمال، مع التغطية على الأمر بالفتات الذي يأتي من الدولة أو من المحسنين.
  • الثاني: هو أن النظام الاقتصادي الليبرالي يعمل في اتّجاه معاكس لأهداف الديمقراطية، حيث ينمّي اللامساواة، ويعتدي على كرامة البشر بالإفقار، وكرامة الطبيعة بالتلويث والتدمير والقبح. ويخلق حالة عدم الاستقرار التي تعيد شهوة حلّ الصراعات بالعنف، لأن القاعدة هي أنه لا سلامة ولا دوام لأي نظام سياسي، إن لم توجد الحرية لتخدم العدالة، والعدالة لتدعم الحرية.

الوسيلة الوحيدة التي تملكها الديمقراطية للدفاع عن مكوناتها وأدواتها وآلياتها من سطوة المال، ولإجبار النظام الاقتصادي على الالتزام بالحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية، هي التشريعات التي يسنّها البرلمان ويفرضها القضاء.

الحلقة المقبلة: ما مدى قدرة القوانين والمؤسسات الديمقراطية على التحكم في القوة الرهيبة التي تسعى للتحكم فيها؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.