بدائل الإسلاميين.. إعادة التفكير في الإسلامية لدى الشباب العربي

مدونات - مسلمون في رمضان صلاة مسجد مصر
مجموعة من الشباب المصلين في أحد مساجد مصر (رويترز)

تحول كبير في علاقة الشباب العربي دون الثلاثين عاما بالدين وممارسة الشعائر الدينية في العالم العربي، إذ يتزايد عدد من يقبلون على التدين قياسا بعددهم في عام 2018، بحسب استطلاع جديد أجرته شبكة "البارومتر العربي".

بحسب الاستطلاع، شهدت تونس وليبيا والمغرب والسودان ومصر والأردن والأراضي الفلسطينية تراجعا في عدد من وصفوا أنفسهم بغير المتدينين من كل الفئات العمرية، فيما كشف الاستطلاع أن مزيدا من مواطني هذه البلدان باتوا يصفون أنفسهم بالمتدينين. وبحسب استطلاع 2022، شهد المغرب انخفاضا بـ7% في عدد من وصفوا أنفسهم بأنهم غير متدينين بين كل الفئات العمرية، تليه مصر بانخفاض بنحو 6%، ثم تونس وفلسطين والأردن والسودان بانخفاض بنسبة 4%.

أما في فئة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما، فشهدت تونس التراجع الأكبر في عدد الشباب الذين وصفوا أنفسهم بأنهم غير متدينين. اليوم، يصف نحو ثلثي الشباب التونسي المشارك في الاستطلاع أنفسهم بالمتدينين، وهو تراجع كبير مقارنة باستطلاع عام 2018، الذي وصف فيه نحو نصف الشباب التونسيين المشاركين في الاستطلاع أنفسهم بأنهم غير متدينين.

ولكن، هل هناك علاقة بين العودة إلى التدين -كما رصده الباروميتر العربي وبحوث ميدانية أخرى- وبين "الإسلامية" كما طرحتها الحركات السياسية الإسلامية على مدى القرن الماضي؟

أصبح الشباب يعتبرون الدين شأنا خاصا لم يعد يخدم أغراضا سياسية أو أيديولوجية، بل يركز بدلا من ذلك على الرفاهية الشخصية والانضباط الذاتي، مما يجعله يبدو أكثر كقناة للروحانية

الإسلامية ليست مساوية للإسلام بأي حال، ولكنها كمفهوم يشير إلى أيديولوجية سياسية تشكل أفكارًا للتنظيم السياسي والاجتماعي مستوحى من تعاليم الشريعة، وحركة اجتماعية تشارك بشكل روتيني في الأنشطة السياسية والتعبئة باسم الإسلام. بعبارة أخرى، ما أبرز خصائص وسمات التدين الشبابي الآن؟ وما مآلاته المستقبلية؟ وهل يمكن أن يلتقي هذا النمط من التدين مع مشروع الحركات السياسية الإسلامية؟ ووفق أية شروط؟

ورغم وجود دراسات قليلة بحثت بشكل تجريبي "خصائص التدين الشبابي في حقبة الربيع العربي"، فإنني أحبّ أن أؤكد أنني لست ممن يتبنون فكرة التجاوز والانقطاع في فهم الواقع العربي، فكاتب هذه السطور ينتمي إلى مدرسة تؤكد على فكرة التحول في الفترات الانتقالية التي تتضمن التجاور والتعايش والتداخل في أحيان بين القديم والجديد وبين الظواهر المختلفة؛ بمعنى أننا بإزاء أنماط تدين متعددة تتفاعل فيما بينها نتيجة اتصاف المجال الديني بالتعدد والتنوع، وعلى الرغم مما بذل من جهد على مدى العقد الماضي من محاولات للسيطرة والتحكم من قبل بعض الأنظمة والمؤسسات على المجال الديني، فإن هذه الجهود باءت بالفشل لأسباب ليس مجال الخوض فيها في هذا المقال.

خصائص التدين الشبابي

ترسم بعض البيانات التجريبية صورة لشباب المنطقة على أنهم متدينون، إلا أن الشباب يعتبرون الدين شأنا خاصا لم يعد يخدم أغراضًا سياسية أو أيديولوجية، بل يركز بدلاً من ذلك على الرفاهية الشخصية والانضباط الذاتي، مما يجعله يبدو أكثر كقناة للروحانية.

ترصد هذه البيانات مستويات عالية من التدين، ويكون ذلك في المقام الأول على المستوى الفردي، إذ لم يعد مرتبطا باليوتوبيا الاجتماعية الجماعية، وفق ما انتهت إليه إحدى هذه الدراسات. ورغم تأكيد عديد الدراسات على فردية التدين الشبابي في المرحلة الراهنة، فإن هذه الحقيقة لا تسعفنا في فهم تعقيد الظواهر وتركيبها، ولا تفتحنا على أسئلة متعددة تتطلب جهدا مكافئا يستهدف استكشاف مساحات التقاطع بين الديني لدى الشباب والشابات العرب دون الثلاثين، وبين المجال: المعرفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتنظيمي في العقد الأخير.

مساحات التقاطع هذه تطرح علينا أسئلة كثيرة يجب أن نهتم بها إذا أردنا تحليل وفهم ظاهرة التدين الشبابي الآن ومآلاته المستقبلية:

  1. ففي المجال المعرفي، يمكن مناقشة أسئلة من قبيل: مدى سيولة المفاهيم الإسلامية وصلابتها، وما المفاهيم الإسلامية الحاكمة، أو بعبارة أخرى ماذا يعني وصف الإسلامية لهؤلاء الشباب/ات ليس كأفكار نظرية ولكن كممارسات عملية، ومن أية مصادر يستقون تدينهم في ظل تراجع الثقة في المؤسسات الدينية -كما رصدته الدراسات- وغياب المجددين العظام الذين شهدتهم الساحة العامة على مدى ربع القرن الأخير من القرن العشرين؟ هذا المستوى سيفتح المهتمين على ظواهر جديدة من قبيل مجتمع الفرجة والاستعراض والاستهلاك والصورة -صورة الداعية والداعيات- والتوقع لدى المدعو أو المدعوة. كما يجعلنا ندرك موقع التدين الفردي في علاقته بالجماعي، وحدود وطبيعة العلاقة بين المجال الخاص وبين المجال العام، وموقع الحريات الفردية من ممارسة هذا الشباب وإدراكه. وفي هذا المستوى يمكن مناقشة وزن الدين في تحديد معنى الهوية لديهم، وهل لا تزال حاضرة وبأي معنى، أم جرى تقليصها؟ إذ يشير أحد الاستطلاعات إلى تراجع نسبة الشباب العربي الذين يعتبرون الدين عنصرا جوهريا لهويتهم؟ إذا كان هذا كذلك، فما طبيعة العلاقة بين محددات الهوية الأخرى والتعامل مع العالم وإدراكه؟ المطلوب -إذن- هو التمييز بين مساحات السيولة والتجديد والمحافظة، وما الذي يمكن وصفه بالنواة الصلبة للإسلامية عند هؤلاء الشباب والشابات؟ وهل القمع الذي جرى على مدى العقد الماضي لكل ما هو إسلامي حركي قد خلق تدينا فرديا صلبا أم اتسم بالسيولة؟
  2. الاجتماعي:

    في هذا المستوى، ستجرى مناقشة تعامل هؤلاء الشباب مع السلطة الأبوية في المجتمع، مثل العلاقة مع الأسرة والسلطة الدينية والتعليمية، كما يمكن مناقشة ثنائية الذكر/الأنثى، وهل لا تزال حاكمة لطبيعة العلاقة بين الجنسين كما تجلت في حركات الإسلام السياسي، أم تم تجاوزها، وبأي معنى؟ كما يمكن الإشارة إلى ظواهر الزي والحشمة لدى الفتيات، وموقع العمل الخيري من أولويات الاهتمام.

  3. السياسي:

    وهنا ستولي المناقشات اهتمامها لموقع التغيير السياسي لدى هؤلاء الشباب والشابات، ومخيالهم السياسي، إن وجد، والأهم فإن التفكير سيكون منفتحا على كيف يعيد هؤلاء الشباب النظر إلى سؤال العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، وطبيعة نظام الحكم المفضل لديهم. في استطلاع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، أيد أكثر من 38% من المشاركين نظاما سياسيا ديمقراطي، في حين أيد 11% فقط نظاما سياسيا مبنيا على الشريعة، وأيد 11% إضافيين نظاما سياسيا يرتكز على المبادئ الديمقراطية والإسلامية.

    وفي هذا المحور، قد يكون مفيدا الانفتاح على موقف الشباب والشابات من انتفاضات الربيع العربي؛ فقد كان بعضهم -في الموجة الأولى منها- لا يتجاوز عمره السبع أو الثماني سنين حين اندلعت، وأكبرهم سنا كان في الثامنة عشرة، وقد شارك بعضهم في الموجة الثانية منها. وقد تسعفنا استطلاعات الرأي التي أجريت لبيان مواقفهم منها، إذا استكملت ببعض التحليل الكيفي والمقابلات. في هذا المحور، يمكن مناقشة إدراكهم لمسألة العنف والاستجابة الجهادية، وموقع التغيير الثوري من تفكيرهم بعد ما جرى من انكسار لموجات الربيع العربي المتعاقبة، كما يمكن الانفتاح على دراسة موقع الشباب المتدين الإسلامي من حركة حقوق الإنسان؛ وقد اندمج كثير منهم فيها.

  4. الاقتصادي:

    وسيركز على التقاطع بين ظواهر السوق وكيف تتجلى في أوساط الشباب المتدين الآن في لحظة تشهد مراجعات وأزمات النظام النيوليبرالي والعولمة وتصاعد اليمين، وما الموقف من تصاعد النموذج الصيني للتنمية، والتعددية القطبية، وهل يولي هؤلاء الشباب والشابات اهتماما لفكرة العدالة الاجتماعية، كما تبدو في التوزيع العادل للفرص والثروات والدخل، لأنهم أول المضارين منها، وهنا قد تكون فرصة لدراسة تأثير التمايز بين الانتماء الطبقي لهؤلاء الشباب والشابات وبين مواقفهم من المسألة الاجتماعية.

    وفق آخر الدراسات المسحية، فإن التدين في الفترة الحالية ينتشر في الريف والمدن الكبرى أكثر من المدن الصغرى، ووسط الشرائح العليا من الطبقات الوسطى والغنية المتعلمة تعليما جامعيا، إلا أن هذه الخصائص تشهد حراكا دائما وتغيرا مستمرا يستدعي المتابعة.

  5. التنظيمي:

    يفتحنا هذا المستوى على موقف هؤلاء الشباب والشابات من تنظيمات وتجارب حركات الإسلام السياسي؛ خاصة على مدى العقد الماضي، وهل استطاعوا أن يتجاوزوا تنظيميا وأيديولوجيا المنظمات الإسلامية الكبرى أم أنهم لا يزالون أسرى أفكارها، من قبيل "الإسلام هو الحل" وشمولية الإسلام والدولة الإسلامية، وممارساتهم من قبيل التنظيم الشامل وإصلاح العقيدة والتربية…إلخ

    وفي هذا المستوى، يمكن أن ننفتح على تحولات شباب الإخوان والسلفيين، وكيف باتوا يدركون الآن أطروحات منظماتهم الفكرية والتنظيمية في ظل مآزقها المتعددة البادية في غياب التنظيم عن حيواتهم -كما في الإخوان- أو ضعف الثقة في مصداقية الأطروحة السلفية بعد انخراطها في السياسة التي أظهرت براغماتيتها، وتحالف بعض مكوناتها مع الأنظمة التسلطية في المنطقة.

في هذا المقال، طرحنا الأسئلة أكثر مما قدمنا الإجابات؛ فدائما ما يبدأ العلاج من السؤال، ولكن يحسن أن نشير إلى أن أزمة المتدينين الشباب كما مأزق الربيع العربي -الذي قاده الشباب وشهد حضورا نسائيا طاغيا- أنه يعرف ما لا يريد ولكنه لا يعرف ما يريد، لذا فقد ولد حالة احتجاجية لم تستطع أن تقدم مشروعا سياسيا بديلا لما احتجت عليه.

وتبقى نقطة أخيرة، وهي: أني أدرك أن مشاريع الماضي المرتحل لم تكن مجرد صياغات وعبارات عابرة تحملها قوة السلطة/التنظيم، فهي شكل ومقترح للحياة، ولطبيعة المجتمع بشبكة علاقاته، وهي خطاب وممارسة لتصورات وخيال سياسي واجتماعي واقتصادي وديني، وتصور معرفي للحياة والدولة، تنبثق عنهما أعراف وتقاليد ومؤسسات ولغة وتصور للمجتمع ولأفراده، تصور للذات والآخر يعبر عن نفسه في قوانين وتشريعات ودستور وعلاقات إنتاج… إلخ.

الإسلامية وما انبثق عنها من حركات وتنظيمات هي كذلك، وستظل معنا إلى حين، ولكن التدين الشبابي سيلقي بظلال كثيفة على القبول الاجتماعي المتسع لأطروحاتها الذي اتسع في الربع الأخير من القرن العشرين واستمر حتى اندلاع الانتفاضات العربية التي ألقت بوطأتها عليها وأدخلتها في مأزق تاريخي لا ندري -حتى الآن- ما الله فاعل بها فيه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.