ما نوع العلاقة التي يقبلها النظام السوري مع حماس؟

صورة لرئيس حركة حماس في قطاع غزة يحي السنوار
رئيس حركة حماس في قطاع غزة يحي السنوار (الجزيرة)

رد النظام السوري على مبادرة حماس لاستعادة العلاقات معه بالهجوم عليها إعلاميا من قبل مسؤولين ومقربين منه، في حين التزم الجانب الرسمي الصمت حتى الآن، في إشارات لافتة إلى موقفه المتحفظ.

ولئن كانت مبررات حماس للعودة لهذه العلاقة في هذا الوقت بالذات معروفة، وتم تداولها على أكثر من صعيد، فإن هذا المقال يحاول قراءة الموقف السوري، رغم أنه قد يتطور في قابل الأيام، وتسفر عنه علاقة من نوع ما، قد لا تلبي ما تطمح إليه حركة حماس، في ضوء الردود السلبية لأبواق النظام حتى الآن.

لم يعد النظام السوري يقف على الأرضية نفسها التي كان يقف عليها قبل الثورة السورية، فهو نظام متداع يحاول تثبيت دعائمه على الأرض، في ظل فقدانه السيطرة على مساحات شاسعة من أرضه، ووجود نسبة كبيرة من السوريين لا تقبل به سواء في المناطق غير الخاضعة لسيطرته أو حتى تلك التي تقع تحت حكمه.

هجوم واتهامات

اللافت أن من بدأ الهجوم باكرا على حماس، وحتى قبل إعلانها رسميا رغبتها في استعادة العلاقة، هي مستشارة بشار الأسد السياسية والإعلامية بثينة شعبان، التي نشرت مقالا في صحيفة الوطن (شبه الرسمية) عقب على العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، رأت فيه أن "حماس غدرت بالمقاومة وردَّت على العدوان بالبيانات"، متجاهلة بذلك الدور الذي مارسته حماس بإمداد "حركة الجهاد" -التي خاضت هذه الجولة مع الاحتلال- بالسلاح والمساعدات اللوجستية وغيرها!

والمستغرب أن يصدر هذا الكلام من نظام عاجز أصلا عن الدفاع عن نفسه أمام الهجمات الإسرائيلية المستمرة على أراضيه ومطاراته، متمسكا بمقولة "نحتفظ بحق الرد في التوقيت المناسب"!

واستغلت الصحيفة تصريحات شعبان، لتصل إلى حد اتهام مواقف حماس في الحرب الأخيرة "وكأنها صدى لتصريحات (وزير الحرب الإسرائيلي) بيني غانتس، التي كشفت عن تمكّن كيان الاحتلال من تنفيذ مخططاته في التفرد بالمقاومين"!

وادعت أن نجاح إسرائيل في هذا المخطط "جاء من خلال ما قامت به حماس عبر تخليها عن المقاومة وممانعتها الدخول في المواجهة مع الكيان الإسرائيلي، على حساب دماء الفلسطينيين ودمار بيوتهم وممتلكاتهم"!

وبعد إعلان حماس -في بيانها الأخير قبل بضعة أيام- قرارها استعادة العلاقات مع سوريا، اعتبر عضو مجلس الشعب السوري، خالد العبود، وهو من أهم المقربين من النظام السوري، أن القرار جاء نتيجة ما سماه سقوط مشروع كبير جدا، متهما الربيع العربي بأنه مؤامرة.

وأضاف -في إشارة إلى حماس- "لقد سقط المشروع (الربيع العربي) وهُزم أصحابه، وفشل دعاته ومنظروه، وهؤلاء (يقصد حماس) لم يكونوا إلا أدوات رخيصة في يد أطراف العدوان الرئيسيّة، وهم يؤمَرون اليوم مثلما أُمروا قبل ذلك، وهم لم يعودوا إلى رشدهم اليوم، كما يحاول البعض منا أن يخفف ثقل الزلزال، أو أن تقديراتهم كانت خاطئة، مثلما قلنا ذلك سابقا، في سياق كلام سياسي، لكنها الحقيقة التي يجب ألا نخفيها عنكم، وهي ليست خافية عنكم".

ووصل به القول إلى وصف قادة حماس بأنهم "مبطوحون على أبواب قصر المهاجرين، ونظام قطر الذي باع الإخوان وأهلهم، وأردوغان الذي يستجدي عفوا عما حصل، إنقاذا لجبروت سلطانه"، على حد قوله.

وفي مقال آخر لكاتب يدعى فراس عزيز ديب -ورد أيضا في صحيفة الوطن (شبه الحكومية)- كرر نفس مقولة الكاتب السابق في تفسيره لما سماه انعطافة حماس، في تطابق لافت يدل على أنه خطاب موجه من دولة لا يوجد بها رأي آخر، وليس فيها من آراء غير ما يقوله رأس النظام. وحصر الكاتب المقاومة بدولة اسمها سوريا، محاولا نفي هذه الصفة عن حركة حماس، كونها تنتمي للإخوان المسلمين الإرهابيين، حسب زعمه.

لماذا هذا الرد؟

لم يعد النظام السوري يقف على الأرضية نفسها التي كان يقف عليها قبل الثورة السورية، فهو نظام متداع يحاول تثبيت دعائمه على الأرض، في ظل فقدانه السيطرة على مساحات شاسعة من أرضه، ووجود نسبة كبيرة من السوريين لا تقبل به سواء في المناطق غير الخاضعة لسيطرته أو حتى تلك التي تقع تحت حكمه.

وقد ازدادت عزلة هذا النظام القائم على حكم أقلية طائفية، بعد المجازر والفظائع التي ارتكبها -ولا يزال يرتكبها- بحق الشعب السوري الأعزل، فضلا عن عزلته العربية والإقليمية والدولية.

ويقول تقرير للأمم المتحدة نشر في 18 مارس/آذار 2022 إنه "منذ اندلاع الصراع، نزح أكثر من نصف السكان الذين كانوا في البلاد قبل الحرب وقُتل مئات الآلاف، وتم تدمير المدن والبنى التحتية السورية، وما تبقى هو مرافق صحية ضعيفة في مواجهة الجائحة. أكثر من 90% من السكان الذين ظلوا داخل البلاد يعيشون في فقر، و12 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج عدد غير مسبوق من السكان (14.6 مليون شخص) إلى مساعدة إنسانية".

أضف إلى ذلك، يعاني الشعب السوري من استشراء الفساد، وتسلط فئة محدودة على الناس، في حين تتزايد الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية الصعبة والارتفاع الحاد في الأسعار بشكل يفوق قدرة المواطن على شراء السلع الأساسية والمحروقات.

وإضافة لانشغال النظام بنفسه، وعدم قدرته على رد الضربات الإسرائيلية عليه، فهو يسعى لإعادة تأهيله على المستوى العربي، وعلى مستوى العلاقة مع تركيا، في حين لا يزال أمامه شوط طويل للتأهل دوليا.

وفي حين يخضع لضغوط إيران المتغلغلة في البلاد، فإنه يحاول الموازنة بين العلاقة معها، ونيل متطلبات التأهل عربيا ودوليا.

وهذه الحال لا تجعل النظام مؤهلا لمرتبة الممانعة التي كان عليها قبل الثورة، فهو -على خلاف حليفه الإيراني- لا يرى مصلحة من علاقات مميزة مع حركة حماس الموضوعة على قوائم الإرهاب العالمية، والمحاربة من قبل بعض الأنظمة التي تسعى لتأهيله (الإمارات مثلا)، ولا هو يريد أن يزيد من مسوغات استهدافه من قبل إسرائيل، أو استهداف كوادر من حماس على أرضه في حال فتحه الساحة لها، لأنه إن حصل هذا، فسيكون في موضع ضعيف جدا.

أضف إلى ذلك كله، أن هذا النظام لا يزال ينظر بعدائية للربيع العربي والإخوان المسلمين متقاطعا بذلك مع كثير من الأنظمة العربية. ولذلك، نجده في خطابات كتابه الموجهين يهاجم ما يسميه "إخوانية" حماس، ويذهب لمهاجمة من اتخذ قرار الخروج من سوريا عام 2012 وعلى رأسهم زعيم الحركة في الخارج خالد مشعل، وذلك ببساطة لأن هذه القيادة رفضت التضحية بسمعتها والانحياز له، وقررت بدلا من ذلك الانحياز للشعوب في كفاحها نحو الحرية.

ومن الواضح أن إيران تتلطف في الضغط على النظام السوري لإنجاز العلاقة، لأنها هي الأخرى معنية بتثبيت النظام وتأهليه.

ولذلك، فإن هجومه على حماس وصد مطالبتها بالعلاقة يهدف إلى إيصال رسالة لقيادة حماس، بأنه غير متشجع للعلاقة التي تسعى لها هذه الحركة، عبر مهاجمة مواقفها وانحيازها (الإخواني)، وربما أكثر من ذلك الانتقام وابتزاز التنازلات منها، وهو الذي عرف عنه أنه متمرس، وصاحب نفس طويل في المماطلة في المفاوضات.

شكل محدود للعلاقة

وقد عبّر كتاب النظام بوضوح عن ذلك، ففي 19 سبتمبر/أيلول الجاري، ورد في افتتاحية الوطن المشار إليها سابقا أن "الدولة السورية ليست بوارد رفض أو قبول إعادة العلاقات مع حماس، لأن الأخيرة ليست دولة ليتم تبادل سفراء معها، وإنما هي مجرد تنظيم يجب النظر إليها من هذا الباب لا أكثر". وأكدت أنه "إن قرر أحدهم في هذا التنظيم زيارة سوريا فأبوابها مفتوحة لكل من يقدم نفسه كمقاوم، وليس من يتاجر بملف المقاومة"، وقالت عن "المستويات التي سيتم التعاطي معها، فلتكن أسوة بالشقيقة مصر التي تتعاطى مع التنظيم على مستوى الأجهزة الأمنية لا أكثر"!

وجاء على لسان كاتب آخر أن "الطريق إلى دمشق سالكة، وهو لا يحتاج وساطات مع شعب سوريا وقيادتها بل يحتاج كلمتين وبس!!؟؟"، وهو يقصد بذلك الاعتذار عما تقول دمشق إنه تدخل من قبل حماس ودعمها للثوار، وهو ما تنفيه حماس.

وبالتالي، فإن خلاصة موقف النظام السوري هو التأني في إنجاز أي علاقة مع حماس، مع جعل هذه العلاقة غير متميزة وفي حدها الأدنى لو تمت.

كما لا يريد أن يكون لهذه العلاقة أي وزن حقيقي للحركة، مثل اتخاذ دمشق دولة مقر، أو حتى فتح مكاتب لها على غرار ما هو موجود في تركيا وقطر وغيرها، كما يحظر عليها ممارسة أي نشاط عسكري ضد المحتل انطلاقا من سوريا، وتحديدا من جبهة الجولان.

ويؤكد مقربون من إيران وحزب الله، وعلى اطلاع على جهود الوساطة التي يبذلانها مع النظام السوري، أن رئيس النظام السوري بشار الأسد يطالب أن تدشن هذه العلاقة على المستوى الأعلى، بحيث يلتقي مع قياديين رفيعي المستوى من حماس (حسب ما جاء في مقابلة عبد الباري عطوان وناصر قنديل على قناة الميادين 18 سبتمبر/أيلول الجاري)، وذلك في الوقت نفسه، الذي يتحدثون فيه عن مستوى منخفض من العلاقة تريده دمشق مع حماس، الأمر الذي يعني أن نظام بشار يريد اللقطة الإعلامية الكبيرة مع قيادة المقاومة الفلسطينية، التي ستشكل له مكسبا شعبيا داخليا وخارجيا من دون أن يقدم الاستحقاقات المطلوبة لمثل هذه العلاقة.

وبدون شك، فإن إيران وحزب الله معنيان بدفع العلاقة مع الطرفين، غير أن حسابات النظام تجعله غير متشجع لعلاقة ذات وزن، الأمر الذي يجعل قيمة العلاقة بالنسبة لحماس هي خدمة علاقتها مع إيران، من دون أن تتمكن من تحقيق إنجازات إستراتيجية كما تأمل، ما دام أن هذا النظام لا يمكن تصنيفه على أنه نظام ممانعة كما كان سابقا.

ولذلك، فقد تنجح وساطة إيران وحزب الله في تحقيق تقدم ما، مثل لقاء بشار مع قياديين من حماس، ولكن ذلك قد لا يتجاوز في المرحلة الحالية الإعلام وأخذ الصورة، وهو ثمن كبير قد تدفعه حماس على صعيد مكانتها وشعبيتها في مقابل إنجازات تبدو محدودة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.