هل تستطيع الدول صاحبة استخدام حق الفيتو فصل عضو من الدائمين بمجلس الأمن؟

صور من جلسة مجلس الأمن
جلسة في مجلس الأمن (الجزيرة)

نجد أن الفصل الخامس من ميثاق الأمم المتحدة وضع التركيبة القانونية للأعضاء الدائمين وغير الدائمين البالغ عددهم 15، واستنادا إلى المادة 23 فالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن في عام 1945 كانت: الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفياتي والصين الوطنية، وفي عام 1971 حلّت الصين الشعبية مكان الصين الوطنية، وفي عام 1992 ورثت روسيا مقعد الاتحاد السوفياتي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية.

ربما يكون من الصعوبة القانونية والسياسية نجاح الدول صاحبة استخدام حق الفيتو في فصل عضو من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن عند المواجهة فيما بينها، لأنه لم يرد في ميثاق الأمم المتحدة نص صريح بشأن فصل أحد الأعضاء الدائمين، باعتبار أن الدول الخمس الدائمة العضوية تتمتع بحق النقض في المسائل الموضوعية.

تعود فلسفة وأصول منح حق النقض (الفيتو) إلى انتصار لمصلحة دول الحلفاء وما نجم عنه من معركة سميت بمعركة العلمين بين بريطانيا ودول المحور التي قامت بإرسال قواتها إلى شمال أفريقيا حيث كانت النتيجة ساحقة بهزيمة دول المحور واستسلام إيطاليا، ومن ثم تغيرت خريطة العالم من جديد، وظهرت قوتان عظميان جديدتان في العالم، هما: الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفياتي، أي روسيا حاليا. إذ إن هذه الحرب أدّت إلى إضعاف دول أوروبا، وعلى رأسها دول الحلفاء، ومنها فرنسا، وبريطانيا، ولم تعد الدولتان تسيطران على العالم.

انقسم العالم إلى كتلتين هما: الكتلة الغربية بزعامة أميركا، والكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفياتي، وكان الهدف من ذلك نشر الحرية والتخلّص من الاستعمار. واستعادت كل الدول الأوروبية حدودها القديمة ما عدا بولندا، وقسمت ألمانيا إلى دولتين هما: الشرقية وعاصمتها برلين، والغربية وعاصمتها بورن، كما قسمت ألمانيا إلى 4 مناطق تخضع لنفوذ 4 دول مختلفة، هي: فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفياتي، وبريطانيا. وأنشئت كل من الجمعية العامة، ومجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، وصندوق النقد الدولي. وأُسّست الأمم المتحدة بعد مؤتمر سان فرانسيسكو سنة 1945 بديلا عن عصبة الأمم التي لم تقدم كثيرا من الحلول المنطقية للشعوب. وفي الأمم المتحدة انضمت جميع الدول المستقلة في العالم، التي اقتنصت الفرصة للتعاون مع الدول الأخرى لكي تعيش بسلام .

لذلك نجد أن فلسفة وضع حق الفيتو بنيت على قواعد مصادرها ليست فقط بميثاق الأمم المتحدة، بل كانت مصادرها تتمثل في عامل ميزان القوة ومخرجات الحرب العالمية الثانية، لذلك استيقظ العالم على اصطلاح حق النقض أو الفيتو بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945، وقد منح لـ 5 دول فقط من أعضاء مجلس الأمن الدولي الذين بلغ عددهم 15 عضوًا (كان عدد الدول الأعضاء في المجلس عند تأسيس هيئة الأمم المتحدة 11 دولة)، وتوسع المجلس بحلول عام 1936 ليضم 4 أعضاء دائمين و11 عضوًا غير دائم.

لذلك ربما نجد أن من الصعوبة القانونية والسياسية نجاح الدول صاحبة استخدام حق الفيتو في فصل عضو من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن عند المواجهة فيما بينها، لأنه لم يرد في ميثاق الأمم المتحدة نص صريح بشأن فصل أحد أعضاء الدائمين، باعتبار أن الدول الخمس الدائمة العضوية (الولايات المتحدة، وروسيا الاتحادية، وجمهورية الصين الشعبية، وفرنسا، والمملكة المتحدة أو بريطانيا) تتمتع بحق النقض في المسائل الموضوعية، لذلك عندما يقرر الأعضاء الدائمون اتخاذ أي قرار أو أي عمل عسكري ضد أي دولة أو عضو بالأمم المتحدة، يجب أن يحصلوا على تفويض من قبل أعضاء مجلس الأمن الدائمين، سواء أكان عملا عسكريا أو فصل أحد الأعضاء، ومن الاستحالة المنطقية أن يُسمح من الناحية القانونية بتمرير قرار ضد أي عضو لأنه سيستخدم حقه القانوني الذي هو ممارسة حق الفيتو والاعتراض. ولذلك فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 بلغ عدد مرات استعمال حق النقض 293 مرة؛ استخدمه الاتحاد السوفياتي ووريثته روسيا 143 مرة، والولايات المتحدة 83 مرة، وبريطانيا 32 مرة، وفرنسا 18 مرة، في حين استخدمته الصين 16 مرة.

ربما يكون الطريق الآخر بتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق، ويمكن لقرارات مجلس الأمن أن تكون ملزمة لجميع الدول الأعضاء في الجمعية العامة، حتى أولئك الأعضاء المعارضين لقرارات المجلس، وقد جُعلت هذه السلطة الملزمة واضحة بموجب المادة رقم 103 من الميثاق، التي تنص على أنه "إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق". ولهذا فإن لمجلس الأمن السلطة بإلزام الدول الأعضاء بالتزامات يكون لها الأسبقية فوق أي التزامات قانونية أخرى.

وربما تختار الدول الأعضاء الالتجاء إلى محكمة العدل الدولية لحل هذه الإشكالية القانونية القائمة، بمطالبة محكمة العدل الدولية بتطبيق المادة 36 من ميثاق الأمم المتحدة بحيث تُقدّم التوصيات وفقا لهذه المادة مع مراعاة المنازعات القانونية وعرضها على محكمة العدل الدولية وفقًا لأحكام النظام الأساسي لهذه المحكمة، أو أن يقوم أعضاء الجمعية العامة أو مجلس الأمن بتقديم طلب لمحكمة العدل الدولية للإفتاء في أي مسألة قانونية، وتقديم آراء استشارية بشأن القضايا القانونية، كما يمنح الميثاق المجلس أيضًا مسؤولية معالجة حالات عدم امتثال الدول لأحكام المحكمة المعروضة على المجلس (المادة 94). وبالإضافة إلى ذلك، ينتخب المجلس -بالاشتراك مع الجمعية العامة- قضاة محكمة العدل الدولية، ويقدم رئيس محكمة العدل الدولية إحاطة للمجلس في جلسة خاصة سنوية.

نجد مثالا في قضية قناة كورفو -الإجراء الأول لمحكمة العدل الدولية- عندما أوصي في التاسع من أبريل/نيسان 1947 في القرار رقم 22 بما يأتي: "أحالت ألبانيا والمملكة المتحدة نزاعهما على الفور إلى المحكمة. تم تبنّي القرار بأغلبية 8 أصوات لمصلحته وامتنع عضوان عن التصويت، من بولندا والاتحاد السوفياتي، في حين امتنعت المملكة المتحدة، بصفتها طرفًا في النزاع، عن التصويت وفقًا للمادة 27 من الميثاق". وبالمثل، طلب المجلس فتوى واحدة فقط من المحكمة في 29 يوليو/تموز 1970 في القرار 284، عندما طلبت رأيًا استشاريًّا بشأن العواقب القانونية المترتبة على استمرار وجود جنوب أفريقيا في ناميبيا. وبخصوص عدم الامتثال، لم يستخدم المجلس صلاحياته بموجب المادة 94 لإنفاذ الحكم. ومع ذلك، كانت إحدى المحاولات لجعل المجلس يمارس هذه السلطة عندما طلبت نيكاراغوا، في رسالة إلى رئيس المجلس في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1986، عقد اجتماع طارئ للنظر في فشل الولايات المتحدة في تنفيذ حكم محكمة العدل الدولية الصادر في 27 يونيو/حزيران 1986 بشأن الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في قضية نيكاراغوا. استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد مشروع قرار يدعو إلى الامتثال الكامل والفوري لحكم محكمة العدل الدولية الصادر في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1986.

نجد هذا الفشل جزءا من ديناميكية أكبر من فصل عضو دائم بمجلس الأمن الدولي، فتاريخيا كان المجلس يعمل وما زال يعمل وفق صراعات سياسية بعيدة كل البعد عن التوازن الحقيقي والقانوني الذي يتمتع به كل أعضاء الأمم المتحدة وفق قواعد القانون الدولي، لذلك أعتقد أنه يمكن للمجلس أن يبذل جهودًا أكثر تضافرًا لاستخدام جميع الأدوات المتاحة له لحل النزاعات وتجنبها ووضع قواعد قانونية أكثر إنصافا تواكب الحقائق الجديدة لجميع أعضاء الأمم المتحدة، وليس مقبولا أن لا توجد دولة عربية واحدة تتمتع بصفة العضوية الدائمة بمجلس الأمن، وهذا تعارض مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة عندما نص على أن  العضوية بالأمم المتحدة مباحة لجميع الدول الأخرى المُحبة للسلام، والتي تأخذ نفسها بالالتزامات التي يتضمنها هذا الميثاق، والتي ترى الهيئة أنها قادرة على تنفيذ هذه الالتزامات وراغبة فيها، رغم أن هناك بعض الدول الأعضاء الدائمة اخترقت المادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة، ومع الأسف الشديد ارتكبت انتهاكات واضحة تتعلق بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وغيرها ولن تستطيع الجمعية العامة أن تفصلها من الهيئة بناء على توصية مجلس الأمن، لأنها سوف تستخدم حق الفيتو للاعتراض.

بالنهاية أصبحنا اليوم بحاجة إلى مراجعة لكل آليات قواعد القانون الدولي بخاصة ميثاق الأمم المتحدة، في ظل دول لا تضع أي معايير لتطبيقه واحترامه، ومن المرجح أن يؤدي عدم الإصلاح بالنظام الدولي القائم، سواء بمبادرة من المجلس أو غير ذلك، إلى عدم تعزيز فعالية المجلس وشرعيته كمؤسسة دولية تعدّ أحد الأجهزة الرئيسة للأمم المتحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.