اللغة العربية بين الحضور والغياب

اللغة العربية
تطوير اللغة العربية لم يعد عمل الأفراد وحدهم بل هو عمل الجامعات والمختبرات ومسالك الدراسات العليا (شترستوك)

يعاني حاضرنا العربي من عدة أزمات تأتي على رأسها أزمة تدخل الأجنبي لا تدخل مثاقفة وانفتاح، وإنما تدخل هيمنة واستتباع، ومن ضمن تجليات هذه الهيمنة في أبهى صورة لها الهيمنة اللغوية التي غيّبت لغتنا وأحضرت لغته، كما طوت ثقافتنا بإلحاح ونشرت ثقافته.

إن اللغة الأجنبية لغة غائبة في مجتمعنا، ولا نقصد بالغياب عدم حضورها، ذلك بأن حضورها ثابت، لكنها لغة مُحْضَرَةٌ غير حاضرة، وبذلك تظل غائبة لأنها غائبة عند العربي، وغائبة عن وجدانه ومخياله، ونتيجة لذلك لا بد أن تكون غائبة عن بيانه.

إن صعوبة المشتكى منها ليست بسبب عدم فهم اللغة الأجنبية وعدم التكلم بها وإنما الصعوبة تكمن في عدم القدرة على التوصيل والتبليغ، ذلك بأن اللغة الغائبة عن المخيال والوجدان لا يمكن أن تعوض اللغة الحاضرة في هذا الوجدان وذلك المخيال، وعليه فإن الصعوبة المشتكى منها كامنة في غياب التداول الأجنبي عن وجدان العربي ومخياله، ومن ثم فلن تكون هذه اللغة الأجنبية حاضرة في البيان، وعلى الرغم من المحاولات التي قامت والقائمة والتي ستقام في ضبط اللغة الأجنبية فإنها لن تتعدى أن تكون ضبطا تقنيا لا تداوليا، أي إنها تعامل مع اللغة في مستواها الأفقي فقط لا في مستواها الأفقي والعمودي معا، كما هو الشأن في اللغة الحاضرة.

إن الذي يدّعي أن العربية غائبة أكيد أنه لم يَرَ حقيقة الأشياء، أو أنه خانه التعبير ويقصد أن العربية مُغَيّبَة على غرار اللغة الأجنبية المُحْضَرَة، وما دامت اللغة قد اندرجت هنا في مقولة المفعولية، فإما أن تكون مُحارَبَة إذا كانت مُغَيّبَة، وإما أن تكون مفروضة إذا كانت مُحْضَرَة، ولذلك فالتفاعل الحقيقي هو التفاعل المزدوج بمقولة الفاعلية حتى يلد ويثمر وينتج، ولا لغة أقدر على هذا التزاوج المثمر من اللغة الحاضرة في الوجدان والمخيال ومن ثم الحاضرة في الإبداع والبيان.

المفهوم من هذا أن نشبه لغتنا وأن تُشْبِهَنا لغتنا، أي أن نكون نحن لغتنا وأن تكون لغتنا نحن، ولاحظوا التناغم الحاصل بين "نحن" الدال على الذات وبين "نا" في كلمة "لغتـ(نا)" الدال على الذات أيضا، بمعنى لن أكون أنا حتى أكون أنا هو أنا.

وعليه، فإننا إذا أشبهنا لغةَ غيرنا أو بعبارة أخرى إذا أشبهنا لغتَه، وافترضنا أن لغتَه أشبهتنا، أي أن نكون نحن لغته، وتكون لغته نحن، ولاحظوا التنافر القائم بين "نا" في كلمة "أشبهتـ(نا)" الدالة على الذات وبين "ـه" في كلمة لغتـ"ـه" الدالة على الآخر، فإن المحصلة من كل هذا ستكون هي أنني لن أكون أنا حتى أكون (أنا) هو،(هو)، وهذا لعمري لا يستقيم إلا كمن يساوي الثلاثة بالاثنين، وللمنطق أن يجيب.

من أجل كل ذلك نرى أن المُحْضِرَ للغة المُحْضَرَةِ لا يقوم بشيء قدر قيامه بإحضار الفعل الثقافي للغة، وتهميشه للفعل اللغوي المتعلق بها، إيمانا منه بأن الفعل الثقافي هو الآلية القادرة على إعادة إنتاج نموذجه واستمرار لغته الثقافية، ولا يهمه حينئذ ما تمارسه الأنا على ذاتها من انسلاخ ولا ما تعيشه من ضياع بفعل الكشط الذي تنصرم منه الأنا من أناها حتى تصير "هو" الذي هو (هو)، وحينئذ يعيش هذا بالـ"هو" ومن دون أناه، وبالتالي يُغَيّبُ كما غُيّبَتْ لغته.

وهكذا يصير شبيها بلغته، لا على جهة كونها حاضرة، بحيث إن الأنا تساوي "أنا"، وإنما يشبهها من جهة كونها مغيبة، بحيث إن "الأنا" تصير "هو" في مرحلة قبْلية، ثم يتحول بعدها "هو" إلى "هو"، وبذلك وفي جميع الحالات فإن هذا المغيب قد أشبه لغته على الرغم من سعيه الحثيث إلى فك الارتباط بهذا الشبه بسبب هول الانسلاخ الذي مارسه على الذات، وما دام قد أشبهها في جميع حالاته فما عليه إلا أن يختار جهة الشبه بينهما، فإما الحضور وإما الغياب.

إن تغييب اللغة العربية ليس مرده إلى ضعف في أصل اللغة كما يدعي البعض أو إلى عدم قدرتها على مواكبة العصر كما يدعي آخرون، بل هو تغييب مرتبط بالصراع الحضاري المهيمن الذي لا يسعى إلى شيء سعيه إلى إضعاف النماذج التي يمكن أن تضاهيه أو تتجاوزه في قابل الأيام، ليقينه بما عند هذا الخصم الحضاري من عوامل القوة الثقافية، يشهد بها واقعه اللغوي، فمعجمه مملوء بالألفاظ العربية التي لا تخفى على المبتدئين فضلا عن المتخصصين.

النهضات المعتمدة على الفعل الترجمي مؤرقة لأعداء العربية خصوصا، ولذلك ما زلنا نسمع أصواتا داخل الوطن العربي ترفض كل ارتقاء بهذا الفعل، بل تستصغره وتحقره من خلال إلغاء مادة الترجمة في كثير من المدارس والمؤسسات والإتيان على شعبها في الجامعات والتشكيك في قدرتها على نقل مضامين المعارف والمعلومات.

كما يشهد بها واقعه العالمي، جغرافية وثقافة، إذ تبين بالملموس أن كل المجتمعات التي رسّمت لغة غيرها تعليميًّا ومؤسسيًّا لم تزدد إلا تخلفا وتبعية، وأن المجتمعات التي تعلمت لغة غيرها لكنها لم تتخذ منها وسيلة تدريس استطاعت أن تتقدم وتزدهر.

ولن نجد مثل اليابان شاهدا على هذا، إذ إنها لم تفرط في لغتها وإنما دافعت عن حضورها وناجزت كل فعلٍ للتغييب يمكن أن يمارس عليها، فانتدبت نخبة من المثقفين لتعلم لغات الغير، ومن ثم ترجمة معارفهم النافعة إلى الأجيال اليابانية المتعاقبة، فكان فعل الترجمة وسيلة إلى التثاقف والتعلم والتطور مع حفظ الذات من الذوبان.

إن هذا الفعل الترجمي هو الترس الذي ينبغي أن تواجه به لغتنا وثقافتنا وحضارتنا ما تُرمى به من تشنيع الانغلاق وعدم الانفتاح، لأنه انفتاح مع حفظ الهوية الصغرى والكبرى، حفظ للهوية الصغرى باستبقاء لغة الوجدان والإبداع، وحفظ للهوية الكبرى باستبقاء النوافذ مفتوحة لتجديد التهوية والإفادة من حِكَم العالمين، لكن من دون هدم الجدران وإنكار الأساسات.

إن هذا التثاقف الياباني القائم على الفعل الترجمي هو نفسه الذي قامت به من قبل الحضارة العربية والإسلامية حين كانت تحكم العالم، حيث إنها اجتهدت في ترجمة المعارف اليونانية والهندية والفارسية إلى لغتها وزادت عليها من إبداعها وعطائها حتى أصبحت لغة الحضارة والثقافة والمعرفة التي لا يُدخل إلى علم من العلوم دون التمكن منها، ومنه صارت الأمم التي تريد التطور ناقلة منها إلى لغاتها حتى تحافظ على كينوناتها وحضورها هي أيضا.

من أجل ذلك، قد تكون هذه النهضات المعتمدة على الفعل الترجمي مؤرقة لأعداء العربية خصوصا، ولذلك ما زلنا نسمع أصواتا داخل الوطن العربي ترفض كل ارتقاء بهذا الفعل، بل تستصغره وتحقره من خلال إلغاء مادة الترجمة في كثير من المدارس والمؤسسات والإتيان على شعبها في الجامعات والتشكيك في قدرتها على نقل مضامين المعارف والمعلومات، إلى غير ذلك من المراوغات التي تتعمد وضع العراقيل في وجه فعل الترجمة.

والحقيقة أنه لا أبشع من هذا الفعل في التهوين من قيمة الإنسان باعتباره كائنا حرا، إذ إن التشنيع الذي يمارسه أعداء العربية على فعل الترجمة، باعتباره فعلا يحفظ للغة الأمة كينونتها ووجودها، وللأمة حضارتها وحضورها، ذلك بأنه تشنيع يستغفل العقل العربي بإدخاله في دوامة من المقولات النظرية لشغله عن ملاحظة الحقائق التاريخية كما أشرنا إليها في التجربة العربية والإسلامية، وعن الحقائق الواقعية كما أومأنا إليها في التجربة اليابانية الحديثة.

وفي الختام، لا بد من الإلحاح على تطوير لغتنا العربية، فعلى الرغم من عوامل القوة التي تتمتع بها من حيث هي لغة الدين الإسلامي الذي يوحّد أزيد من مليار ونصف مليار مسلم، كلهم يؤذنون باللغة العربية، ويصلّون بها ويقرؤون القرآن الكريم بها، وبها يسبّحون ويذكرون ويمارسون شعائرهم الدينية عامة، لذلك لا يمكن تصور وجود مسلم، ولو كان غير عربي عرقا، لا يتعلم العربية من أجل المقصد الديني السالف.

كذلك فإن اللغة العربية وسيلة توحيدية تضاهي الدين وتتفوق عليه في توحيد مختلف الأجناس والقوميات الموجودة في الفضاء العربي وإن كانت غير مسلمة، لثبوت نجاح التواصل بينها جميعها بسبب عامل وحدة اللغة التي هي العربية.

هذا زيادة على حضورها المتميز في المنظمات الدولية كاليونيسكو والأمم المتحدة ومؤسساتها وجامعة الدول العربية وفروعها وغيرها من المنظمات العالمية، كما أن هذا الحضور المتميز يبرز أيضا في الإعلام المرئي والمكتوب على الرغم من معاول الهدم الكثيرة التي تسعى إلى تغييبها عن الفضاء العالمي.

إن هذا الحضور المتميز لم يقف عند حدود القنوات العربية المشهورة وإنما تجاوزه إلى القنوات الإعلامية الغربية بما فيها وكالات الأنباء الأميركية والبريطانية والروسية والفرنسية وغيرها.

يتزكى كل هذا بالنظر إلى العديد من الصحف والمجلات التي تطبع بالعربية وتوزع بالملايين داخل الوطن العربي وخارجه. وبذكر الخارج يمكن الإشارة في هذا السياق إلى عامل آخر من عوامل القوة لدى هذه اللغة وهو المتمثل في حضورها لغةً للتدريس في كثير من الجامعات الغربية من خلال المعاهد العلمية الخاصة بالجاليات العربية والمسلمة، وهناك عوامل أخرى ليس هنا مجال التوسع في ذكرها وتحليلها ودراستها.

وبالعودة إلى ما سبق، فعلى الرغم من كل هذه المظاهر التي تجعل العربية حاضرة وحية، لا بد من الأخذ بيدها حتى تكون قادرة على مواكبة العالم والعالمين، وذلك بتعزيز حضورها في العالم الرقمي، وتمكينها من إدارة تقنيات الشبكات والاتصالات، كما عزز المعطى الديني سابقا حضورها في العالم الواقعي، ومكّنها من إدارة مختلف التجارب والأجناس بتوحيد لسانها بفعل عامل الدين، فأضحت لغة غنية بخبرات الأمم الأخرى، فكان لها التأثير والأثر مع ضرورة ملاحظة الفرق طبعا بين طبيعة المعطى الديني وطبيعة المعطى الرقمي منهجا وبناء واستقطابا.

ثم لا بد من إعادة النظر في القوائم التي تجمع الرصيد اللغوي للعربية، وذلك بتجديد النظر في تأليف المعجم العربي بما يحفظ للعربية راهنيتها ومواكبتها، إن كان على مستوى طريقة ترتيب الكلمات، وطريقة شرح المصطلحات أو على مستوى استحضار المقامات والسياقات ومنهجية توظيف الاستشهادات.

ولا يخفى أن تطوير اللغة العربية لم يعد عمل الأفراد وحدهم، وإنما هو عمل الجامعات والمختبرات ومسالك الدراسات العليا، وجماع القول إن العربية تحتاج إلى عمل مؤسسي ينطلق من مؤسسات تتضافر جهودها خدمة لهذا التطوير وتلك المواكبة.

وإذا جرّنا الحديث إلى مأسسة اللغة، فلا بد من الإلحاح على توفير بنية تشريعية وقانونية نحمي بها لغتنا من كل انتهاك أو تحقير أو تقزيم، بما فيها قانون احترام اللغة العربية في الفضاءات العمومية على غرار كثير من الدول المتقدمة.

كما أن مأسسة اللغة تقتضي من مؤسسات اللغة العربية إقناع كل الفاعلين المجتمعيين بجدوى هذه اللغة اقتصادا وسياسة وأمنا، ليسهم كل فاعل من جهته في حفظ هذه اللغة باعتبارها وسيلة ربح ووسيلة تدبير ووسيلة لحفظ سلامة المجتمع وأمنه.

فعلى المستوى الاقتصادي مثلا، يمكن الحديث عن الرأسمال اللغوي، فطبع كتاب باللغة العربية هو مظنة ربح كبير، لأن فضاء نشره وعرضه وتلقيه وبيعه واسع جدا يمتد من الرباط إلى جاكرتا، بينما طبعه بلهجات عامية أو لغات أجنبية أخرى يجعله منحصرا في مجال ضيق الجغرافية التي تعيش فيها تلك اللهجات أو اللغات الأجنبية، وللمستثمر وشادي الربح أن يتدبر.

إن اللغة العربية لدى أهلها بمنزلة البصمة التي تميز كل إنسان، لأننا مهما تقمّصنا لغة غيرنا ازددنا انسلاخا عن ذواتنا، ذلك بأن التداول الذي نشأ فيه العربي له طريقته الخاصة في تناول الوجود والنظر إليه، وهو بطبيعة الحال يختلف حتما عن التداول الذي نشأ فيه غير العربي، ولذلك تختلف طرائق التعبير وكيفيات تركيب الجمل وترتيب ألفاظها، لأن التصورات التي تنتج التداول الأول تختلف منطلقاتها ومآلاتها عن التصورات التي تنتج التداول الثاني، ومن ثم تختلف المضامين وطرق التعامل مع المعاني التي تميز الشخصية الحضارية والثقافية لكل أمة من الأمم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.