صور لمعاناة أطفال السودان تثير تعاطفا عالميا.. حقيقة أم تضليل؟

تواصل المأساة الإنسانية في السودان تدهورها بشكل غير مسبوق، حيث وصلت الأوضاع إلى مرحلة خطيرة يصعب تصورها، وهو ما يظهر بوضوح في المشاهد المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.
وأظهرت الصور والفيديوهات على المنصات حجم الكارثة الإنسانية التي خلفت نحو 13 مليون نازح، مما جعلها تتصدر قائمة أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، إلا أن بعض الحسابات تستغل تلك المواد البصرية خاصة المرتبطة بالأطفال من أجل إثارة التعاطف لجمع آلاف المشاهدات، دون التحقق من صحتها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsطفل يداوي والدته
يتعلق الادعاء الأول بصورة قيل إنها تظهر طفلا سودانيا يحمل محلولا طبيا لوالدته المريضة، وزعم ناشطون أنها التقطت حديثا وتعكس انهيار الوضع الطبي، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الفاشر عاصمة شمال دارفور التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وحققت الصورة انتشارا وتفاعلا عالميا، إذ طالب باحثون وناشطون في منشورات متداولة بأن تتصدّر الصورة "واجهة جميع صحف العالم"، كما ارتبطت بتغريدات أخرى تنتقد صمت العالم والمجتمع الدولي أمام المجازر المرتكبة بحق المدنيين، فضلا عن تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان.
وبالبحث، توصل فريق "الجزيرة تحقق" إلى أن الصورة ليست حديثة ولا علاقة لها بالسودان، إذ ظهرت نسخة مطابقة لها في أرشيف وكالة "غيتي" (Getty Images)، وتبين أنها تعود لطفل من قبيلة الهوتو، ذات الأغلبية السكانية في رواندا، ظهر وهو يحمل كيس محلول وريدي لسيدة مصابة بالكوليرا يرجح أنها والدته.
وتظهر بيانات الصورة أنها التقطت في 1 يناير/كانون الثاني 1994 داخل مخيم للاجئين في مدينة غوما شرق الكونغو الديمقراطية، ونشرت ضمن سلسلة توثق أزمة الروانديين الفارين من الإبادة الجماعية، كما التقطها المصور بيتر تيرنلي، وأعاد نشرها على حسابه في "إنستغرام" عام 2024.

طفل يناشد لإنقاذ عائلته
ويتعلق الادعاء الثاني بمقطع آخر زعمت حسابات على منصة "إكس" أنه يعود لطفل سوداني يناشد العالم لإنقاذ والدته التي لا تستطيع القيام لأنها جائعة، إذ يوحي المقطع بأنه التقط في أحد مخيمات النزوح.
وبالتدقيق في المصدر الأصلي للمقطع على "تيك توك"، يتبين وجود علامة وشعار نموذج (MindVideo.ai) يمين المقطع، وهي أداة ذكاء اصطناعي، تتيح إنشاء مقاطع فيديو بجودة عالية عبر أوامر نصية وصور فقط، مما يؤكد أن الفيديو مزيف.

وبالعودة إلى مصدر نشر الفيديو، يتبين أن حساب يحمل اسم (20ptz7) قام بنشر أكثر من 10 مقاطع مضللة مرتبطة بالأوضاع في السودان بداية من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، وأغلبها يظهر فيها أطفال ونساء، بهدف إثارة المشاعر وجذب التعاطف.

طفلة تتضور جوعا
أما الادعاء الثالث فيتعلق بصورة زعم ناشطون عبر المنصات أنها لطفلة سودانية تتضور من شدة الجوع، إذ ظهرت تبكي بجسد هزيل، ومن خلفها إناء فارغ.
وادعى البعض أن الصورة التقطت في الفاشر، كما انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي بسياقات ولغات مختلفة، إذ علق أحد الحسابات عليها بالقول: "لعن الله من جوّعك وأبكاك، الفاشر تموت جوعا"، وكتب آخر: "المشاهد التي تصل من السودان فظيعة وفاجعة، من يقتص لهؤلاء، ومن ينصرهم؟!".
وبالبحث، تبين أن الصورة التقطت قبل أكثر من عقدين ولا تصور فتاة سودانية كما زعم البعض، بل لها نسخة قديمة على الإنترنت بتاريخ 11 يونيو/حزيران 2002، مما يؤكد أنها غير مرتبطة بتداعيات الحرب في السودان.
وبحسب بيانات "غيتي" فإن الصورة تظهر طفلة تبكي من شدة الجوع، حين تُعد والدتها ما تبقى لديهما من طعام في ظل أزمة غذائية خانقة ضربت جمهورية ملاوي الواقعة شرق أفريقيا آنذاك، بسبب موجات الجفاف والفيضانات.

طفل يرتجف
ويظهر الادعاء الرابع مقطع فيديو زعم ناشطون عبر المنصات الرقمية أنه لطفل سوداني يحمل شقيقه الصغير، في حين يصرخ ويرتجف خوفا ورعبا من قوات الدعم السريع.
وكشفت أداة متخصصة في كشف الزيف العميق أن الفيديو مولد بالذكاء الاصطناعي وليس حقيقيا، وبالعودة إلى مصدر الفيديو على منصة "تيك توك" يتبين أنه منشور بتاريخ 7 نوفمبر/تشرين الثاني على حساب يحمل اسم (FreeSudan) الذي نشره إلى جانب عدة مقاطع مزيفة مرتبطة بالأحداث في السودان.

بكاء الأطفال
وفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، زعمت حسابات على "إنستغرام" و"إكس" أن الصورة توثق طفلين سودانيين يبكيان بسبب المجاعة وتداعيات الحرب الدائرة في البلاد.
وبعد التحقق، تبين أن الصورة مرتبطة بأحداث القتال في شرق الكونغو والتقطت في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 خلال تصاعد المعارك في منطقة كيوانجا شمال مدينة غوما شرق الكونغو الديمقراطية، وفقا للبيانات المتاحة على موقع وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية.

ورغم أن المشاهد المتداولة صُنعت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن ذلك لا ينفي حقيقة الأوضاع المأساوية التي تشهدها مدن سودانية عدة، لا سيما مدينة الفاشر التي تشهد أحد أسوأ فصول الحرب الدائرة.
وتشير بيانات أممية إلى أن حرب السودان، التي دخلت عامها الثالث، ألقت بظلالها على أكثر من 15.6 مليون طفل، يواجهون النزوح وسوء التغذية وتفشي الأمراض، وبين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول الماضي، استقبلت اليونيسيف نحو نصف مليون طفل لتلقي العلاج من "سوء التغذية الحاد".