تطعم والدتها المتوفاة وتمشط شعرها منذ سنوات.. ما القصة؟

انتشر فيديو لامرأة تمشّط شعر والدتها المتوفاة، في مشهد قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، لكنه يعكس تقليدا متوارثا لدى قبيلة توراجا الإندونيسية، حيث تواصل بعض الأسر رعاية موتاها في المنزل فترة من الوقت قبل إقامة مراسم الدفن.
ولا ينتهي حضور الإنسان داخل أسرته بمجرد وفاته، فبعد توقف القلب، قد يبقى الجثمان في المنزل فترة طويلة، بينما تواصل الأسرة الاعتناء به وتصفيف شعره وإطعامه والحديث إليه، قبل أن يحين موعد دفنه.
ويتعامل بعض أبناء توراجا مع المتوفى في هذه الفترة باعتباره "مريضا"، في انتظار مراسم الجنازة التي تمثل لحظة الوداع النهائي.
لماذا يبقى الجثمان في المنزل؟
تحتاج مراسم الجنازة لدى مجتمع توراجا إلى استعدادات كبيرة، لذلك قد يتأخر الدفن حتى يتمكن أفراد العائلة البعيدون من الوصول، وتتمكن الأسرة من توفير المال اللازم للمراسم وشراء الجواميس، وفق المتحف الأسترالي.
وخلال هذه الفترة، قد يبقى الجثمان في المنزل لسنوات، بعد حفظه بالفورمالين لإبطاء تحلله.

حين يعود الموتى إلى الحياة الاجتماعية
ولا تتوقف علاقة سكان توراجا بموتاهم عند الاحتفاظ بالجثمان داخل المنزل، ففي تقليد يُعرَف باسم "مانيني" (Ma’nene)، تعود بعض العائلات إلى قبور أقاربها، فتخرج الجثامين لتنظيفها والعناية بها وإلباسها ملابس جديدة، قبل إعادتها إلى المدافن، وفق دراسة في مجلة هوليستيك "HOLISTIK" بجامعة سام راتولانغي الأندونيسية.
وتختلف تفاصيل الطقس وتوقيته بين المجتمعات والعائلات، لكنه يرتبط بتكريم الأقارب المتوفين والحفاظ على الصلة بهم.
الجنازة ليست مجرد وداع
تكشف طقوس توراجا أن مفهوم الجنازة يختلف من مجتمع إلى آخر، ففي أماكن كثيرة، تكون الجنازة حدثا قصيرا يهدف إلى توديع المتوفى ودفنه، بينما قد تتحول في توراجا إلى مناسبة اجتماعية وعائلية كبيرة، يشارك فيها الأقارب وأفراد المجتمع وتستمر عدة أيام.
وتجمع هذه المراسم أفراد العائلة, وتُعيد وصل الأقارب الذين فرقتهم المسافات، كما تؤكد مكانة المتوفى داخل المجتمع.

بين الحزن والاعتياد
وربما يكمن الجانب الأكثر إنسانية في هذه التقاليد في الطريقة التي تمنح بها الأسرة نفسها وقتا أطول للتعامل مع الفقد، ففي بعض بيوت توراجا، لا يغادر المتوفى المنزل مباشرة بعد وفاته، بل يبقى قريبا من أفراد أسرته في الفترة التي تسبق الجنازة.
وبالنسبة إلى أفراد العائلة، قد يكون هذا القرب جزءا من عملية الحداد والاستعداد للوداع، بينما تظل ذكرى الراحل مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية إلى أن يحين موعد دفنه.
وهكذا، تبدو علاقة الأحياء بموتاهم في توراجا مختلفة عن المألوف في كثير من المجتمعات، فالفراق لا يحدث دفعة واحدة، وإنما يأتي على مراحل تبدأ بالوفاة، وتنتهي بمراسم توديع تجمع الأسرة حول فقيدها.