من ينقذ الإعلام؟ كاتب أمريكي يشكك في وهم "الملياردير"

نشرت مجلة جامعة كولومبيا للصحافة مقالا للكاتب جيمس غريبي عن أزمة صناعة الصحافة العالمية، مسلطا الضوء على التحديات البنيوية التي تواجه المؤسسات الإعلامية في عصر التحول الرقمي، وذلك عبر قراءة نقدية لواقع المهنة أكثر من كونه استعراضا فنيا للعمل السينمائي.
وقال غريبي إن الصحافة لم تعد تعمل ضمن النموذج الاقتصادي الذي ساد لعقود، حيث كانت المجلات والصحف تعتمد على الإعلانات والاشتراكات كمصادر رئيسية للدخل، مؤكدا أن هذا النموذج تعرض لانهيار تدريجي مع صعود الإنترنت وتغير أنماط استهلاك الجمهور.

وأضاف أن هذا التحول لم يؤثر فقط في الإيرادات، بل انعكس أيضا على طبيعة العمل الصحفي نفسه، إذ أصبحت المؤسسات الإعلامية أكثر خضوعا لمنطق "حركة المرور الرقمية"، حيث تقاس قيمة المحتوى بعدد النقرات والمشاهدات وليس بجودته أو تأثيره.
وأوضح أن هذه المعادلة تضع الصحفيين أمام معضلة مهنية حقيقية، تتمثل في الموازنة بين إنتاج محتوى عميق وموثوق، وبين تلبية متطلبات السوق الرقمي الذي يفضل السرعة والإثارة، مشيرا إلى أن هذا التوتر أصبح سمة أساسية داخل غرف الأخبار الحديثة.
وفي هذا السياق، أشار الكاتب إلى تراجع جودة المحتوى في العديد من المؤسسات التقليدية، حيث باتت بعض المجلات تعتمد بشكل متزايد على المواد الإعلانية المقنّعة، في ظل تقليص الموارد وتراجع الاستثمار في الصحافة الاستقصائية والإنتاج طويل الأمد.

وأكد أن أحد أبرز ملامح الأزمة يتمثل في صعود نماذج الإدارة الشركاتية داخل المؤسسات الإعلامية، حيث يتولى إدارتها مسؤولون يركزون على تقليل التكاليف وتعظيم الأرباح، دون امتلاك فهم عميق لطبيعة العمل الصحفي، وهو ما يؤدي إلى إضعاف المنتج التحريري.
وأضاف غريبي أن هذه التحولات دفعت كثيرين داخل القطاع إلى التعلق بفكرة "الملياردير المنقذ"، أي المستثمر الثري الذي يمكن أن يضخ الأموال لإنقاذ المؤسسات المتعثرة، إلا أنه أكد أن التجارب الواقعية أثبتت محدودية هذا الرهان.
وأوضح أن نماذج الاستحواذ التي قادها رجال أعمال كبار لم تنجح في تحقيق الاستقرار المنشود، بل أثارت في بعض الحالات مخاوف تتعلق بالتدخل في الخط التحريري أو توجيه المحتوى بما يخدم مصالح المالكين.

وفي جانب آخر، لفت الكاتب إلى تصاعد دور التكنولوجيا، خصوصا الذكاء الاصطناعي، في إعادة تشكيل بيئة العمل الإعلامي، مشيرا إلى أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل في اختبار نماذج تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى أو استبدال بعض المهام البشرية.
وأكد أن هذا التوجه يطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل المهنة، وحدود استخدام التكنولوجيا في العمل الصحفي، ومدى قدرتها على تعويض الدور البشري في التحقيق والتحليل والسرد.
كما شدد على أن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة مالية، بل هي أزمة هوية ووظيفة، حيث تعيد المؤسسات الإعلامية تعريف دورها في ظل بيئة رقمية مفتوحة ومشبعة بالمحتوى.
وختم غريبي مقاله بالتأكيد أن البحث عن حلول سريعة أو "منقذ خارجي" لن يكون كافيا لإنقاذ الصحافة، وأن مستقبل المهنة يتطلب نماذج جديدة أكثر استدامة تقوم على إعادة بناء العلاقة مع الجمهور، وتعزيز الثقة، وتطوير آليات تمويل مبتكرة تضمن استقلالية العمل الصحفي واستمراريته.
