من ينقذ الإعلام؟ كاتب أمريكي يشكك في وهم "الملياردير"

حفظ

KRAKOW, POLAND - FEBRUARY 10: State-owned broadcaster TVP website with an ongoing updated newsfeed lays on the front page of the liberal newspaper Wyborcza and tabloid Fakt saying "Media without choice" as Polish independent media blank their websites on February 10, 2021 in Krakow, Poland. In an open letter to the Polish prime minister, more than 40 news organizations criticized the proposed tax, which ranges from 2 to 15 percent of advertising revenues, as "simply exortion." The media companies content it is a means of undermining the press more than raising money. (Photo by Omar Marques/Getty Images)
التحول الرقمي يدفع وسائل الإعلام إلى محاولة تطوير نفسها حتى لا تخسر مصادر دخلها (غيتي إيميجيز)

نشرت مجلة جامعة كولومبيا للصحافة مقالا للكاتب جيمس غريبي عن أزمة صناعة الصحافة العالمية، مسلطا الضوء على التحديات البنيوية التي تواجه المؤسسات الإعلامية في عصر التحول الرقمي، وذلك عبر قراءة نقدية لواقع المهنة أكثر من كونه استعراضا فنيا للعمل السينمائي.

وقال غريبي إن الصحافة لم تعد تعمل ضمن النموذج الاقتصادي الذي ساد لعقود، حيث كانت المجلات والصحف تعتمد على الإعلانات والاشتراكات كمصادر رئيسية للدخل، مؤكدا أن هذا النموذج تعرض لانهيار تدريجي مع صعود الإنترنت وتغير أنماط استهلاك الجمهور.

الصحف البريطانية تتناول على نطاق واسع أن ترامب يقترح خروج الولايات المتحدة من الناتو
الصحف تواجه مخاطر خسارة مصادر دخلها الرئيسية (شترستوك)

وأضاف أن هذا التحول لم يؤثر فقط في الإيرادات، بل انعكس أيضا على طبيعة العمل الصحفي نفسه، إذ أصبحت المؤسسات الإعلامية أكثر خضوعا لمنطق "حركة المرور الرقمية"، حيث تقاس قيمة المحتوى بعدد النقرات والمشاهدات وليس بجودته أو تأثيره.

وأوضح أن هذه المعادلة تضع الصحفيين أمام معضلة مهنية حقيقية، تتمثل في الموازنة بين إنتاج محتوى عميق وموثوق، وبين تلبية متطلبات السوق الرقمي الذي يفضل السرعة والإثارة، مشيرا إلى أن هذا التوتر أصبح سمة أساسية داخل غرف الأخبار الحديثة.

وفي هذا السياق، أشار الكاتب إلى تراجع جودة المحتوى في العديد من المؤسسات التقليدية، حيث باتت بعض المجلات تعتمد بشكل متزايد على المواد الإعلانية المقنّعة، في ظل تقليص الموارد وتراجع الاستثمار في الصحافة الاستقصائية والإنتاج طويل الأمد.

تغيُّر أنماط استهلاك الجمهور يؤثر في النموذج الاقتصادي للصحافة (فري بيك)

وأكد أن أحد أبرز ملامح الأزمة يتمثل في صعود نماذج الإدارة الشركاتية داخل المؤسسات الإعلامية، حيث يتولى إدارتها مسؤولون يركزون على تقليل التكاليف وتعظيم الأرباح، دون امتلاك فهم عميق لطبيعة العمل الصحفي، وهو ما يؤدي إلى إضعاف المنتج التحريري.

إعلان

وأضاف غريبي أن هذه التحولات دفعت كثيرين داخل القطاع إلى التعلق بفكرة "الملياردير المنقذ"، أي المستثمر الثري الذي يمكن أن يضخ الأموال لإنقاذ المؤسسات المتعثرة، إلا أنه أكد أن التجارب الواقعية أثبتت محدودية هذا الرهان.

وأوضح أن نماذج الاستحواذ التي قادها رجال أعمال كبار لم تنجح في تحقيق الاستقرار المنشود، بل أثارت في بعض الحالات مخاوف تتعلق بالتدخل في الخط التحريري أو توجيه المحتوى بما يخدم مصالح المالكين.

الذكاء الاصطناعي أحد المخاوف الكبيرة التي تقلق صانعي الصحافة (الجزيرة)

وفي جانب آخر، لفت الكاتب إلى تصاعد دور التكنولوجيا، خصوصا الذكاء الاصطناعي، في إعادة تشكيل بيئة العمل الإعلامي، مشيرا إلى أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل في اختبار نماذج تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى أو استبدال بعض المهام البشرية.

وأكد أن هذا التوجه يطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل المهنة، وحدود استخدام التكنولوجيا في العمل الصحفي، ومدى قدرتها على تعويض الدور البشري في التحقيق والتحليل والسرد.

كما شدد على أن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة مالية، بل هي أزمة هوية ووظيفة، حيث تعيد المؤسسات الإعلامية تعريف دورها في ظل بيئة رقمية مفتوحة ومشبعة بالمحتوى.

وختم غريبي مقاله بالتأكيد أن البحث عن حلول سريعة أو "منقذ خارجي" لن يكون كافيا لإنقاذ الصحافة، وأن مستقبل المهنة يتطلب نماذج جديدة أكثر استدامة تقوم على إعادة بناء العلاقة مع الجمهور، وتعزيز الثقة، وتطوير آليات تمويل مبتكرة تضمن استقلالية العمل الصحفي واستمراريته.

المصدر: مجلة جامعة كولومبيا للصحافة

إعلان