تليغرام يهزم الرقابة.. كيف تحول إعلام إسرائيل إلى كتيبة عسكرية في الحرب؟

حفظ

صورة كومبو تجمع الشخصيات الأربعة من فضلكم بشكل طولي إن أمكن التوصيف: وسائل الإعلام الإسرائيلية والمتحدث باسم الجيش للاعلام الدولي المصدر: the7eye
إعلاميون إسرائيليون في قنوات التلفزة الرسمية ومتحدث باسم الجيش (إعلام إسرائيلي)

في غرف محصنة تحت الأرض، تتدفق المعلومات الأمنية الحساسة عبر شاشات القيادة الإسرائيلية، لكنها سرعان ما تتسرب إلى هواتف مئات الآلاف من الإسرائيليين عبر تطبيق "تليغرام" حتى قبل أن تدوّي صفارات الإنذار.

وفي الوقت ذاته، تقف القنوات التلفزيونية الإسرائيلية الرسمية في طابور طويل لتقديم فروض الطاعة للرقابة العسكرية، مباهية بخضوعها التام لمقص الرقيب، في حين يغيب خمس سكان إسرائيل وهم السكان العرب عن الشاشات والملاجئ في ذروة الحرب.

BE'ER SHEVA, ISRAEL - 2025/06/24: Foreign and Israeli press broadcasters seen near a residential building in Beíer Sheva destroyed by an Iranian ballistic missile, in which four Israelis were killed. (Photo by Matan Golan/SOPA Images/LightRocket via Getty Images)
مراسلون وإعلاميون قرب مبنى دمرته صواريخ إيرانية في بئر السبع وتسبب ذلك في مقتل أربعة إسرائيليين (غيتي)

تكشف تقارير ومقالات وتحقيقات إسرائيلية حديثة عن حالة من التخبط العميق في المشهد الإعلامي الإسرائيلي، حيث تدور معركة طاحنة بين آلة الرقابة العسكرية الساعية لاحتكار الحقيقة، وبين منصات التواصل التي أصبحت تدير وعي الجبهة الداخلية، وسط انتقادات لاذعة لسقوط الصحافة الإسرائيلية في فخ "التبعية المطلقة".

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

تليغرام يهزم "الجبهة الداخلية"

بحسب تحقيق نشره موقع "شومريم" الإسرائيلي، فقد كسر الاحتكار الذي كانت تفرضه قيادة الجبهة الداخلية على المعلومات، وأصبحت منصة "تليغرام" ومجموعات "واتساب" المصدر الأول للإسرائيليين لمعرفة مواقع سقوط الصواريخ.

ويشير التحقيق إلى دور نظام "شوعال" (نظام القيادة والسيطرة في الجبهة الداخلية) الذي يربط بين السلطات المحلية وقوات الأمن، ففي حين ينتظر الجيش التأكد الكامل قبل إطلاق صفارات الإنذار، يقوم متطوعون وعاملون في غرف الطوارئ بتسريب المعلومات الأولية عن مسار الصواريخ إلى مجموعات مفتوحة.

TEL AVIV, ISRAEL - OCTOBER 1: A person shows the Tzofar incoming rocket alert app on their phone on October 1, 2024 in Tel Aviv, Israel. The United States has stated that it has intelligence that Iran is preparing to launch an imminent ballistic missile attack on Israel, following the IDF incursion into Lebanon and the recent killings of senior political figures. On October 7, 2023, members of Hamas mounted a series of attacks and raids on Israeli citizens in the Gaza Envelope border area of Israel. 251 Israelis and foreigners were kidnapped with nearly 100 still unaccounted for and 1139 people were killed. (Photo by Leon Neal/Getty Images)
شخص يستعرض تطبيق "تزوفار" للتحذير من الصواريخ عبر هاتفه في تل أبيب وسط ترقب لضربات إيرانية (غيتي)

ويقود هذه المجموعات أشخاص عاديون؛ فمنهم الشاب الحريدي "ع" الذي يدير مجموعة واتساب تضم آلاف المشتركين وتستند إلى تسريبات "شوعال"، ومنهم الفتى نهوراي مردخاي (16 عاما) من كريات شمونة، الذي يدير قناة تليغرام تضم أكثر من 115 ألف متابع، ووصل به الأمر إلى استثمار المنصة بصورة تجارية عبر بيع إعلانات تظهر للمشتركين لحظة دوي الانفجارات.

إعلان

ولا يقتصر المشهد على تسريب مسارات الصواريخ، بل يشهد الفضاء الرقمي الإسرائيلي انتشار عشرات القنوات عبر تطبيق تليغرام، التي تتجاوز قيود الرقابة العسكرية بكل سهولة، وتتسابق هذه المنصات لنشر المعلومات الحساسة وبث الصور والمقاطع المرئية التي توثق الأحداث الأمنية فور وقوعها.

ويبرز التحدي الأكبر للمؤسسة العسكرية في قيام هذه المجموعات برصد والتبليغ عن حركة الطيران المروحي المخصص لإجلاء الجنود المصابين من جبهات القتال، وهو ما يكشف للجمهور حجم الخسائر والإصابات في صفوف الجيش قبل صدور أي بيان رسمي، ويحول مساعي الرقيب لفرض التعتيم إلى مهمة مستحيلة.

الرقابة العسكرية.. جبل الجليد المُخفَى

يرى هيدي نيغيف، المدير العام للحركة من أجل حرية المعلومات في إسرائيل، أن المشهد الحالي لرقابة المؤسسة العسكرية على الأخبار لا يمثل سوى قمة جبل الجليد، ويؤكد في مقال تحليلي أن ما يظهر للجمهور من حجب للمعلومات يعكس جزءا بسيطا مما يجري خلف الكواليس، حيث تحولت التغطية إلى أداة لفرض التعتيم الشامل على وعي الجبهة الداخلية وتشكيل الحقائق بما يتوافق مع الرواية الرسمية.

وتبرز ظاهرة "الرقابة الذاتية" بصفتها الخطر الأكبر الذي يهدد العمل الصحفي في إسرائيل، فإلى جانب إلزام الصحفيين بتقديم تقاريرهم للرقيب العسكري للحصول على إذن مسبق قبل النشر، قرر الكثير منهم ممارسة مقص الرقابة على أنفسهم، وحجب مئات التقارير والقصص الإخبارية خشية الصدام مع المؤسسة العسكرية.

ويعني هذا أن الإحصاءات الرسمية للأخبار الممنوعة تعكس فقط المواد التي اعتقد الصحفيون أنها قابلة للنشر ورفضها الرقيب، متجاهلة كميات هائلة من الأخبار التي وُئِدت في غرف التحرير.

Employees of I24, work at the news channel's headquarters in the Israeli port city of Jaffa near Tel Aviv, on July 15, 2021. I24 News which went live on July 17, 2013, is an Israeli international 24-hour news channel that broadcasts in French, English and Arabic. (Photo by Emmanuel DUNAND / AFP)
موظفون في المقر الرئيسي لقناة "i24 News" بمدينة يافا وهي قناة إسرائيلية تبث بثلاث لغات (الفرنسية)

ويؤدي هذا المسار إلى نتيجة حتمية تتمثل في إخفاء تقارير كاملة وقصص مدوية عن الجمهور الإسرائيلي، مع شكوك كبيرة حول إمكانية كشفها في السنوات القادمة.

وتتعمق الأزمة في ظل غياب أي جهة تراجع قرارات "الرقيب" نفسه، حيث تمنع القوانين توجيه أي انتقاد لقرارات الرقابة، ويحظر على وسائل الإعلام مجرد الإشارة إلى أن هناك معلومة خضعت للحجب أو التعديل، مما يضعف قدرة الجمهور على تقييم مصداقية ما يعرض عليه.

A missile is intercepted over Tel Aviv on June 20, 2025, after a Iran fired a fresh salvo of missiles. (Photo by JOHN WESSELS / AFP)
اعتراض صاروخ في سماء تل أبيب عقب إطلاق إيران رشقة صاروخية في يونيو 2025 (الفرنسية)

ويحذر نيغيف من استغلال حالة الطوارئ لتحويل الرقابة من أداة أمنية إلى حماية أرواح المدنيين، إلى درع سياسي يخدم مصالح صناع القرار، حيث تتدخل الرقابة لمنع نشر تقارير تتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي، ويثبت هذا التدخل أن الرقابة تتجاوز الخطوط الأمنية لخدمة احتياجات سياسية وحزبية، وهو مسار يقود إسرائيل بخطى متسارعة نحو التحول إلى نظام سلطوي يقمع حرية الوصول إلى المعلومات.

إعلام يفاخر بتبعيته

ولم تقتصر الأزمة على مقص الرقيب، بل امتدت لتشمل سلوك وسائل الإعلام الإسرائيلية التي أظهرت حالة من الخضوع التام للمنظومة العسكرية.

وينتقد الكاتب غاي رونين تفاخر القنوات الكبرى بتبعيتها، حيث أصبحت عبارة "بموافقة الرقابة" أكثر جملة تتكرر على الشاشات وفي منصات التواصل.

إعلان

ويشير رونين إلى أن الإعلام الإسرائيلي يتصرف وكأنه يعتذر عن ممارسة دوره الطبيعي، وبدل أن يدافع عن حق الجمهور في المعرفة، فإنه يباهي بطاعته العمياء، وكأنه تحول إلى قسم ملحق بجهاز "أمن الميدان"، حتى وصل الأمر بالبعض إلى القول: "لا حاجة للخوف من وزير الاتصالات شلومو قرعي.. فلدينا القناة 12".

SDEROT, ISRAEL - OCTOBER 16: Members of the media wait on a hilltop for rocket fire from gaza or bombardments from Israel on October 16, 2023 in Sderot, Israel. As Israel prepares to invade the Gaza Strip in its campaign to vanquish Hamas, the Palestinian militant group that launched a deadly attack in southern Israel on October 7th, worries are growing of a wider war with multiple fronts, including at the country's northern border with Lebanon. Countries have scrambled to evacuate their citizens from Israel, and Israel has begun relocating residents some communities on its northern border. Meanwhile, hundreds of thousands of residents of northern Gaza have fled to the southern part of the territory, following Israel's vow to launch a ground invasion. (Photo by Alexi J. Rosenfeld/Getty Images)
صحفيون يراقبون انطلاق الصواريخ من قطاع غزة والقصف الإسرائيلي فوق تلة بمدينة سديروت عام 2023 (غيتي)

وتتفق عنات سارغوستي، مسؤولة حرية الصحافة في نقابة الصحفيين، مع الكاتب جدعون ليفي في أن الصحافة الإسرائيلية "سقطت دون قتال"، ويشير ليفي إلى أن القنوات تحولت إلى مجرد أدوات تردد رسائل المتحدث باسم الجيش دون أي فحص أو تدقيق.

ويشير إلى حالات تستخدم فيها القنوات مصطلحات عسكرية غامضة للترويج لانتصارات وهمية (مثل الحديث عن إلقاء 7000 مقذوف دون تفسير ماهيتها)، والادعاء بتدمير 80% من قدرات طهران الصاروخية في وقت يضطر فيه المشاهد إلى ترك التلفاز والهرب نحو الملاجئ للاحتماء من الصواريخ.

ويخلص النقاد إلى أن المراسلين أصبحوا يتحدثون بثقة مفرطة وبصيغة حاسمة عن مواقع لم يزوروها، ويكتفون بقراءة رسائل تصلهم عبر مجموعات "واتساب" من مكاتب المسؤولين الحكوميين ليبثوها للجمهور كأنها حقائق.

TO GO WITH AFP STORY by Ron Bousso An Israeli soldier reads a newspaper in a gaz station not far from the Gaza Strip border on January 15, 2009. Israeli tanks rumbled ever deeper into Gaza cities early on Thursday, barrelling into several neighbourhoods of the enclave's capital and into a major city in the south, witnesses and correspondents said. AFP PHOTO / DMITRY KOSTYUKOV (Photo by DMITRY KOSTYUKOV / AFP)
جندي إسرائيلي يطالع صحيفة في محطة وقود قرب حدود قطاع غزة خلال الحرب في يناير 2009 (الفرنسية)

وتؤكد سارغوستي أن هذه التغطية التي تتبنى رواية الجيش الإسرائيلي بشكل مطلق وترفض طرح الأسئلة الصعبة، لا تمثل ممارسة وطنية، بل هي "صحافة قطيع" خاضعة، تعجز عن أداء دورها الحقيقي في حماية الديمقراطية وحقوق الجمهور وقت الأزمات.

عرب الداخل.. غياب عن الشاشات والملاجئ

وإلى جانب التعتيم الرقابي، تبرز سياسة الإقصاء الممنهج للمواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48) الذين يشكلون 18% من السكان.

ويكشف تقرير "مؤشر التمثيل" الذي أعده موقع "العين السابعة" وجمعية "سيكوي-أفق"، أرقاما صادمة عن التغطية في أول 9 أيام من التصعيد، فمن بين 11515 مادة إخبارية بثت على القنوات والإذاعات المركزية، ظهر متحدثون عرب في 54 مادة فقط (بنسبة 0.5%).

وكانت شبكة "القناة 12" -الأكثر مشاهدة- هي الأسوأ، حيث استضافت 4 متحدثين عرب فقط طوال تلك الفترة، وجميعهم رجال يمثلون أذرع المؤسسة العسكرية أو الشرطية.

Jewish men pray inside an underground parking used as a shelter during the Passover holidays in Tel Aviv on April 7, 2026. The Middle East was plunged into a spiralling war after the US and Israel launched joint strikes on Iran on February 28, sparking retaliatory attacks across the region. (Photo by AHMAD GHARABLI / AFP) /
يهود يؤدون الصلاة داخل موقف سيارات تحت الأرض يستخدم ملجأ خلال عطلة الفصح في تل أبيب (الفرنسية)

ويمتد هذا التهميش الإعلامي ليغطي على كارثة ميدانية؛ حيث يعيش 41% من المواطنين العرب في إسرائيل دون أي مساحات محصنة، ورغم بث 199 تقريرا حول أزمة الملاجئ، خصصت القنوات 3 تقارير فقط للإشارة إلى أزمة البلدات العربية.

وتتجاهل التغطية تقارير مراقب الدولة التي تؤكد أن الملاجئ العامة في البلدات العربية شبه معدومة (37 ملجأ عاما فقط من أصل 11775 ملجأ في كل إسرائيل).

ويخلص التقرير إلى أن هذا الإقصاء المزدوج -عن الشاشة وعن الحماية الميدانية-لا يعكس حالة من الفشل المهني فحسب، بل يمثل سقوطا أخلاقيا يعمق شرخ الانفصال الوجداني والمعرفي بين مكونات الداخل الإسرائيلي.

المصدر: الجزيرة + وكالات
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان