تليغرام يهزم الرقابة.. كيف تحول إعلام إسرائيل إلى كتيبة عسكرية في الحرب؟

في غرف محصنة تحت الأرض، تتدفق المعلومات الأمنية الحساسة عبر شاشات القيادة الإسرائيلية، لكنها سرعان ما تتسرب إلى هواتف مئات الآلاف من الإسرائيليين عبر تطبيق "تليغرام" حتى قبل أن تدوّي صفارات الإنذار.
وفي الوقت ذاته، تقف القنوات التلفزيونية الإسرائيلية الرسمية في طابور طويل لتقديم فروض الطاعة للرقابة العسكرية، مباهية بخضوعها التام لمقص الرقيب، في حين يغيب خمس سكان إسرائيل وهم السكان العرب عن الشاشات والملاجئ في ذروة الحرب.

تكشف تقارير ومقالات وتحقيقات إسرائيلية حديثة عن حالة من التخبط العميق في المشهد الإعلامي الإسرائيلي، حيث تدور معركة طاحنة بين آلة الرقابة العسكرية الساعية لاحتكار الحقيقة، وبين منصات التواصل التي أصبحت تدير وعي الجبهة الداخلية، وسط انتقادات لاذعة لسقوط الصحافة الإسرائيلية في فخ "التبعية المطلقة".
اقرأ أيضا
list of 2 itemsتليغرام يهزم "الجبهة الداخلية"
بحسب تحقيق نشره موقع "شومريم" الإسرائيلي، فقد كسر الاحتكار الذي كانت تفرضه قيادة الجبهة الداخلية على المعلومات، وأصبحت منصة "تليغرام" ومجموعات "واتساب" المصدر الأول للإسرائيليين لمعرفة مواقع سقوط الصواريخ.
ويشير التحقيق إلى دور نظام "شوعال" (نظام القيادة والسيطرة في الجبهة الداخلية) الذي يربط بين السلطات المحلية وقوات الأمن، ففي حين ينتظر الجيش التأكد الكامل قبل إطلاق صفارات الإنذار، يقوم متطوعون وعاملون في غرف الطوارئ بتسريب المعلومات الأولية عن مسار الصواريخ إلى مجموعات مفتوحة.

ويقود هذه المجموعات أشخاص عاديون؛ فمنهم الشاب الحريدي "ع" الذي يدير مجموعة واتساب تضم آلاف المشتركين وتستند إلى تسريبات "شوعال"، ومنهم الفتى نهوراي مردخاي (16 عاما) من كريات شمونة، الذي يدير قناة تليغرام تضم أكثر من 115 ألف متابع، ووصل به الأمر إلى استثمار المنصة بصورة تجارية عبر بيع إعلانات تظهر للمشتركين لحظة دوي الانفجارات.
ولا يقتصر المشهد على تسريب مسارات الصواريخ، بل يشهد الفضاء الرقمي الإسرائيلي انتشار عشرات القنوات عبر تطبيق تليغرام، التي تتجاوز قيود الرقابة العسكرية بكل سهولة، وتتسابق هذه المنصات لنشر المعلومات الحساسة وبث الصور والمقاطع المرئية التي توثق الأحداث الأمنية فور وقوعها.
ويبرز التحدي الأكبر للمؤسسة العسكرية في قيام هذه المجموعات برصد والتبليغ عن حركة الطيران المروحي المخصص لإجلاء الجنود المصابين من جبهات القتال، وهو ما يكشف للجمهور حجم الخسائر والإصابات في صفوف الجيش قبل صدور أي بيان رسمي، ويحول مساعي الرقيب لفرض التعتيم إلى مهمة مستحيلة.
الرقابة العسكرية.. جبل الجليد المُخفَى
يرى هيدي نيغيف، المدير العام للحركة من أجل حرية المعلومات في إسرائيل، أن المشهد الحالي لرقابة المؤسسة العسكرية على الأخبار لا يمثل سوى قمة جبل الجليد، ويؤكد في مقال تحليلي أن ما يظهر للجمهور من حجب للمعلومات يعكس جزءا بسيطا مما يجري خلف الكواليس، حيث تحولت التغطية إلى أداة لفرض التعتيم الشامل على وعي الجبهة الداخلية وتشكيل الحقائق بما يتوافق مع الرواية الرسمية.
وتبرز ظاهرة "الرقابة الذاتية" بصفتها الخطر الأكبر الذي يهدد العمل الصحفي في إسرائيل، فإلى جانب إلزام الصحفيين بتقديم تقاريرهم للرقيب العسكري للحصول على إذن مسبق قبل النشر، قرر الكثير منهم ممارسة مقص الرقابة على أنفسهم، وحجب مئات التقارير والقصص الإخبارية خشية الصدام مع المؤسسة العسكرية.
ويعني هذا أن الإحصاءات الرسمية للأخبار الممنوعة تعكس فقط المواد التي اعتقد الصحفيون أنها قابلة للنشر ورفضها الرقيب، متجاهلة كميات هائلة من الأخبار التي وُئِدت في غرف التحرير.

ويؤدي هذا المسار إلى نتيجة حتمية تتمثل في إخفاء تقارير كاملة وقصص مدوية عن الجمهور الإسرائيلي، مع شكوك كبيرة حول إمكانية كشفها في السنوات القادمة.
وتتعمق الأزمة في ظل غياب أي جهة تراجع قرارات "الرقيب" نفسه، حيث تمنع القوانين توجيه أي انتقاد لقرارات الرقابة، ويحظر على وسائل الإعلام مجرد الإشارة إلى أن هناك معلومة خضعت للحجب أو التعديل، مما يضعف قدرة الجمهور على تقييم مصداقية ما يعرض عليه.

ويحذر نيغيف من استغلال حالة الطوارئ لتحويل الرقابة من أداة أمنية إلى حماية أرواح المدنيين، إلى درع سياسي يخدم مصالح صناع القرار، حيث تتدخل الرقابة لمنع نشر تقارير تتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي، ويثبت هذا التدخل أن الرقابة تتجاوز الخطوط الأمنية لخدمة احتياجات سياسية وحزبية، وهو مسار يقود إسرائيل بخطى متسارعة نحو التحول إلى نظام سلطوي يقمع حرية الوصول إلى المعلومات.
إعلام يفاخر بتبعيته
ولم تقتصر الأزمة على مقص الرقيب، بل امتدت لتشمل سلوك وسائل الإعلام الإسرائيلية التي أظهرت حالة من الخضوع التام للمنظومة العسكرية.
وينتقد الكاتب غاي رونين تفاخر القنوات الكبرى بتبعيتها، حيث أصبحت عبارة "بموافقة الرقابة" أكثر جملة تتكرر على الشاشات وفي منصات التواصل.
ويشير رونين إلى أن الإعلام الإسرائيلي يتصرف وكأنه يعتذر عن ممارسة دوره الطبيعي، وبدل أن يدافع عن حق الجمهور في المعرفة، فإنه يباهي بطاعته العمياء، وكأنه تحول إلى قسم ملحق بجهاز "أمن الميدان"، حتى وصل الأمر بالبعض إلى القول: "لا حاجة للخوف من وزير الاتصالات شلومو قرعي.. فلدينا القناة 12".

وتتفق عنات سارغوستي، مسؤولة حرية الصحافة في نقابة الصحفيين، مع الكاتب جدعون ليفي في أن الصحافة الإسرائيلية "سقطت دون قتال"، ويشير ليفي إلى أن القنوات تحولت إلى مجرد أدوات تردد رسائل المتحدث باسم الجيش دون أي فحص أو تدقيق.
ويشير إلى حالات تستخدم فيها القنوات مصطلحات عسكرية غامضة للترويج لانتصارات وهمية (مثل الحديث عن إلقاء 7000 مقذوف دون تفسير ماهيتها)، والادعاء بتدمير 80% من قدرات طهران الصاروخية في وقت يضطر فيه المشاهد إلى ترك التلفاز والهرب نحو الملاجئ للاحتماء من الصواريخ.
ويخلص النقاد إلى أن المراسلين أصبحوا يتحدثون بثقة مفرطة وبصيغة حاسمة عن مواقع لم يزوروها، ويكتفون بقراءة رسائل تصلهم عبر مجموعات "واتساب" من مكاتب المسؤولين الحكوميين ليبثوها للجمهور كأنها حقائق.

وتؤكد سارغوستي أن هذه التغطية التي تتبنى رواية الجيش الإسرائيلي بشكل مطلق وترفض طرح الأسئلة الصعبة، لا تمثل ممارسة وطنية، بل هي "صحافة قطيع" خاضعة، تعجز عن أداء دورها الحقيقي في حماية الديمقراطية وحقوق الجمهور وقت الأزمات.
عرب الداخل.. غياب عن الشاشات والملاجئ
وإلى جانب التعتيم الرقابي، تبرز سياسة الإقصاء الممنهج للمواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48) الذين يشكلون 18% من السكان.
ويكشف تقرير "مؤشر التمثيل" الذي أعده موقع "العين السابعة" وجمعية "سيكوي-أفق"، أرقاما صادمة عن التغطية في أول 9 أيام من التصعيد، فمن بين 11515 مادة إخبارية بثت على القنوات والإذاعات المركزية، ظهر متحدثون عرب في 54 مادة فقط (بنسبة 0.5%).
وكانت شبكة "القناة 12" -الأكثر مشاهدة- هي الأسوأ، حيث استضافت 4 متحدثين عرب فقط طوال تلك الفترة، وجميعهم رجال يمثلون أذرع المؤسسة العسكرية أو الشرطية.

ويمتد هذا التهميش الإعلامي ليغطي على كارثة ميدانية؛ حيث يعيش 41% من المواطنين العرب في إسرائيل دون أي مساحات محصنة، ورغم بث 199 تقريرا حول أزمة الملاجئ، خصصت القنوات 3 تقارير فقط للإشارة إلى أزمة البلدات العربية.
وتتجاهل التغطية تقارير مراقب الدولة التي تؤكد أن الملاجئ العامة في البلدات العربية شبه معدومة (37 ملجأ عاما فقط من أصل 11775 ملجأ في كل إسرائيل).
ويخلص التقرير إلى أن هذا الإقصاء المزدوج -عن الشاشة وعن الحماية الميدانية-لا يعكس حالة من الفشل المهني فحسب، بل يمثل سقوطا أخلاقيا يعمق شرخ الانفصال الوجداني والمعرفي بين مكونات الداخل الإسرائيلي.
