من روكسيلانا إلى هند الحسيني.. نساء تركن بصماتهن في القدس

تكية خاصكي سلطان أنشئت بأمر من زوجة سليمان القانوني وتدعى روكسيلانا
تكية خاصكي سلطان أنشئت بأمر من زوجة سليمان القانوني وتدعى روكسيلانا (الجزيرة)

حظيت النساء بشأن كبير في مدينة القدس عبر العصور، وكان لبعضهن نفوذ واسع تُرجم من خلال إنشاء مبان ضخمة بأمر مباشر منهن وبأسمائهن، لتُكوّن مجتمعة ما يطلق عليه مسار العمارة النسوية في القدس القديمة.

وتُدلل العمارة النسوية في القدس -حسب الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية في تصريح للجزيرة نت- على ازدهار واضح في المعمار المزخرف في الفترة المملوكية حيث مُزج المعمار التركي السلجوقي والمعمار الشرق آسيوي المغربي والشمال أفريقي ليشكلوا معا تحفا فنية متناسقة.

وقال إن العمارة النسوية العثمانية تميزت بضخامة البناء ودقة وضع الأحجار وترتيبها وكانت أكثر تواضعا من ناحية الزخارف.

روكسيلانا

في طريق الواد يجد الزائر على يساره الكنيسة البولندية التي كانت في السابق حمّاما عاما أمرت ببنائه زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني، وهي روسية الأصل عرفت بالسلطانة خُرّم أو روكسيلانا توفيت عام 1558.

كان هذا البناء أحد روافد المشروع الخيري الضخم تكية خاصكي سلطان وتعني "معشوقة السلطان" لكثرة تعلق السلطان بها. وكانت أرباح هذا الحمّام بالإضافة لعدد من المرافق الأخرى تُنفق على التكية، قبل أن يُهمل في الفترة العثمانية المتأخرة.

وفي أواخر القرن الثامن عشر لم يعد يستخدم البناء كحمّام للقادمين لمدينة القدس حتى سيطرت عليه بطريركية الأرمن الكاثوليك عام 1907، وانتهى الأمر بتبرع كتيبة الجنود البولنديين، التي كانت دمجت مع الجيش البريطاني، ببناء كنيسة على النمط الأرمني في مركز المكان لتكوّن أساس المرحلتين الثالثة والرابعة من مراحل "درب آلام" السيد المسيح عيسى عليه السلام.

تكية خاصكي سلطان كانت تقدم الطعام وقت تأسيسها لألفي شخص تحولت حاليا لمدرسة دار الأيتام الإسلامية ومكتب مديرية التربية والتعليم الفلسطينية في القدس
تكية خاصكي سلطان تحولت حاليا لمدرسة دار الأيتام الإسلامية ومكتب مديرية التربية والتعليم الفلسطينية في القدس (الجزيرة)

خاصكي سلطان

على بُعد أمتار من باب المجلس أحد أبواب المسجد الأقصى ما زال المشروع العثماني الأضخم تكية خاصكي سلطان ماثلا، حيث أُنشئ بأمر من السيدة روكسيلانا زوجة سليمان القانوني قرابة 1552 ميلادية، والتي توصف بأنها غيّرت ملامح تاريخ الإمبراطورية العثمانية حيث سيطرت على الدولة بأكملها وكان أمرها لا يرد.

إعلان

كانت التكية تُطعم -في عهدها- قرابة ألفي شخص ولم تقتصر على المطبخ، بل احتوت على سبيل ومسجد وبيوت كان يسكنها زائرو القدس، بالإضافة إلى غرف سكن للعلماء والدراويش آنذاك.

ولا تزال التكية تفتح أبوابها حتى يومنا هذا وتشرف عليها دائرة الأوقاف الإسلامية بحيث يُقدم الطعام يوميا لنحو 500 شخص ويتضاعف العدد خلال شهر رمضان، أما بقية مرافق التكية فتحولت حاليا لمدرسة دار الأيتام الإسلامية.

قصر الست طنشق، وهي أميرة واسعة الثراء من كازاخستان قيل إنها قررت الانفصال عن أهلها، فتعبدت في القدس وتصوفت وأمرت ببناء هذا المبنى في القرن الثالث عشر ميلادي،
قصر الست طنشق، وهي أميرة أصلها كازاخستاني تعبدت في القدس وتصوفت وأمرت ببنائه في القرن الرابع عشر الميلادي (الجزيرة)

الست طنشق

على امتداد تكية خاصكي سلطان، يقع قصر الست طنشق، ويقال إنها أميرة واسعة الثراء من كازاخستان قررت في القرن الرابع عشر الميلادي الانفصال عن أهلها، فتعبدت في القدس وتصوفت وأمرت ببناء هذا المبنى المملوكي الضخم، الذي يشرف على المسجد الأقصى ويطل مباشرة على قبة الصخرة المشرفة.

وتعتبر واجهة القصر من أجمل وأضخم واجهات مباني القدس، وفُتح فيها 3 مداخل استخدمت الزخارف المملوكية المختلفة بها كالمكسلة ونظام الأبلق بالإضافة للنقوش والرقوش.

ويتألف القصر من طابقين وتم ضمه في العهد العثماني إلى تكية خاصكي سلطان، وتحول الآن لمدرسة دار الأيتام الصناعية، فيما دفنت الست طنشق المتوفاة سنة 1398 ميلادية، في قبر مقابل قصرها على بُعد أمتار من المسجد الأقصى.

المدرسة العثمانية بنيت على يد الأميرة آغل خاتون بنت عثمان في القرن الرابع عشر الميلادي
المدرسة العثمانية بنيت على يد أًفهان بنت عثمان في القرن الرابع عشر الميلادي (الجزيرة)

أصفهان بنت عثمان

تقع المدرسة العثمانية على السور الغربي للمسجد الأقصى، وهي أول وقف عثماني بالقدس في عهد المماليك، فقد أوقفتها عام 1437 أصفهان شاه خاتون، زوجة الصدر الأعظم العثماني جاندرلي إبراهيم باشا.

وهي من الأبنية التي أمرت ببنائها امرأة وتقع على يسار الداخل للمسجد الأقصى من باب سقاية العادل، ويتكون البناء من مدخل منمق مزخرف يحتوي على نظام الأبلق والمكسلة والنقش الذي كتب عليه الآمر بالبناء، ويقع قبر الأميرة داخل المدرسة التي تسكنها حاليا عائلة الفتياني المقدسية.

أنفقت أصفهان، المتوفاة عام 1094 ميلادي، بسخاء على إنشاء المدرسة -التي كانت أحيانا تعرف باسمها- إذ خصصت جزءا من الوقف لتعيين مدرس ومقرئ للقرآن، وفتحت المجال لبعض الصوفيين والطلاب للإقامة داخل المبنى، كما ألحقت بالوقف نحو 33 قرية إلى جانب مزرعة لخدمة احتياجات المدرسة.

رباط النساء قامت ببنائه الأميرة تركان خاتون ، وهي من أوزباكستان، في القرن الرابع عشر وكان فقط للنساء الزائرات للمسجد الأقصى ليرابطن به
رباط النساء قامت ببنائه الأميرة تركان خاتون في القرن الرابع عشر الميلادي للزائرات للمسجد الأقصى ليرابطن به (الجزيرة)

تركان خاتون

وبالقرب من باب السلسلة أحد أبواب المسجد الأقصى يقع رباط النساء الذي يروى أنه أنشئ على اسم أميرة تدعى تركان خاتون من داغستان، وكان مخصصا لرباط وسكن النساء الزائرات للأقصى، وتسكنه حاليا عائلة التوتنجي.

وفي نهاية مسار العمارة النسوية في القدس، تقع مقبرة مكونة من غرفتين مقببتين في طريق باب السلسلة، أمرت بإنشائهما تركان خاتون، وبنت هذه المقبرة بعد وصولها للقدس بـ3 سنوات وأوصت أن تدفن فيها، وتحولت إحدى الغرفتين إلى منزل، بينما احتضنت الأخرى قبر الأميرة خاتون المتوفاة عام 1094.

مؤسسة دار الطفل العربي تقع بحي الشيخ جراح بالقدس المحتلة
دار الطفل العربي أنشأتها هند الحسيني بعد نكبة 1948 (الجزيرة)

هند الحسيني

أما مؤسسة دار الطفل العربي، فتعتبر أحدث المؤسسات النسائية التي أوجدت خارج سور القدس رغم كل الظروف الصعبة في المدينة. وتم تأسيس الدار بعد نكبة عام 1948 التي خلّفت الكثير من الأيتام، وتبرعت حينها السيدة المقدسية هند الحسيني المتوفاة سنة 1994، بتوفير مأوى دائم لهم، وتحول المبنى لاحقا لمدرسة دار الطفل العربي وهي من أهم المدارس الرائدة في مجال التعليم بالقدس.

إعلان
المصدر: الجزيرة

إعلان