الرجل الذي لا يريد أن يكون قائدا.. ضعف أم بصيرة؟

عندما عُرضت عليه الترقية لم يشعر بالفخر كما توقع الجميع، بل بالضيق. منصب إداري أعلى وصلاحيات أوسع وراتب أفضل، ومع ذلك قال بهدوء "أفضل أن أبقى حيث أنا"، لم يفهمه زملاؤه ولا أسرته، وربما لم يفهم نفسه تماما، لكن السؤال الذي ظل يطارده "هل أتهرب أم أنني ببساطة لا أريد أن أكون قائدا؟".
هذا السؤال لا يخصه وحده، فكثير من الرجال يعيشون الصراع ذاته في العمل وفي الأسرة وحتى في الدوائر الاجتماعية، إذ يُتوقع منهم أن يقودوا وأن يحسموا وأن يتحملوا الواجهة دائما. وحين لا يرغبون في ذلك يساء تفسير موقفهم على أنه ضعف أو نقص في الطموح أو الرجولة. لكن ماذا لو كان الأمر أعقد من ذلك؟
اقرأ أيضا
list of 4 itemsعندما يكون العزوف عن القيادة "خيارا واعيا"
في السنوات الأخيرة ظهر في أدبيات الإدارة وعلم النفس التنظيمي مفهوم يسمى "العزوف عن القيادة"، هذا المفهوم لا يشير إلى أشخاص عاجزين أو غير أكفاء، بل إلى أفراد يملكون القدرة على القيادة، لكنهم لا يفضّلونها خيارا للحياة.
الأبحاث تفرق بوضوح بين من لا يقود لأنه يفتقر للمهارة أو الثقة، ومن يستطيع القيادة لكنه لا يجد فيها توافقا مع قيمه أو طبيعته النفسية أو نمط حياته.
بهذا المعنى فإن رفض القيادة لا يكون دائما هروبا، بل قد يكون انسجاما صادقا مع الذات أو نقدا هادئا لنموذج قيادي سائد لا يراه الرجل إنسانيا أو عادلا.

القيادة ليست صفة بل "دور يتشكل"
علم النفس الحديث لا ينظر إلى القيادة باعتبارها صفة يولد بها الإنسان، بل هي دور سياقي يتأثر بالشخصية والظروف ونوع المهمة.
نموذج السمات الخمس الكبرى للشخصية (Big Five Personality Traits)، الذي طوره بول كوستا وروبرت مكراي -وهو من أكثر النماذج استخداما في أبحاث الشخصية والعمل- يقسم الشخصية إلى 5 أبعاد رئيسية، وتظهر الدراسات أن:
- الانبساطية (Extraversion) ترتبط أكثر بالقيادة الظاهرة المرتبطة بالواجهة والكلام واتخاذ القرار أمام الآخرين.
- الضمير الحي (Conscientiousness) والذكاء العاطفي يرتبطان بقيادة أكثر هدوءا واستدامة، من تنظيم والتزام وفهم الناس لا السيطرة عليهم.
المثير هنا أن رجالا أقل حماسة للظهور في الواجهة قد يتفوقون في أدوار أخرى حاسمة مثل التحليل والاستشارة وحماية البوصلة الأخلاقية أو دعم القائد من الخلف. أي أن غيابك عن الكرسي الأول لا يعني غياب التأثير، بل ربما يعني أن تأثيرك أدق وأعمق في موقع مختلف.
أي قيادة نرفض أصلا؟
في المخيال الشعبي، وخصوصا في كثير من السياقات العربية، تربط القيادة الذكورية بصور محددة مثل السيطرة والحسم الدائم وتحمل كل شيء وحدك وعدم إظهار التردد أو التعب.
في مجتمعاتنا يتوقع من الرجل أن يكون:
- "رب البيت" الذي لا يتراجع عن قرار.
- مدير المكتب الذي يتحمل مسؤولية الجميع.
- و"الكبير" في العائلة الذي يحسم الخلافات ويقدم الحلول حتى لو كان منهكا أو حائرا.
الرجل الذي يتردد أو يستشير أو يفضل البقاء في الخلفية ينظر إليه أحيانا باعتباره أقل رجولة أو "ليّنا أكثر من اللازم".
هذه الصورة تجعل بعض الرجال ينفرون من القيادة لا لأنهم يكرهون التأثير، بل لأنهم يرفضون الثمن النفسي والأخلاقي الذي يبدو مفروضا معها.

في المقابل، تميز الأبحاث بين نمطين من القيادة:
- قيادة تقوم على الهيمنة والسيطرة (Dominance-based leadership).
- قيادة تقوم على الوجاهة والاحترام والكفاءة (Prestige-based leadership).
في دراسة شهيرة بعنوان "تطور الوجاهة: الاحترام الممنوح طوعا كآلية لنقل الثقافة" يبين جوزيف هنريخ وفرانسيسكو غيل‑وايت أن المجتمعات الأكثر استقرارا تميل إلى القائد الذي يُتبع احتراما لكفاءته لا خوفا من سلطته.
وهنا تظهر المفارقة، وهي أن كثيرا من الرجال لا يرفضون القيادة في جوهرها، بل يرفضون صورتها الثقافية الخشنة كما رُسمت لهم.
الضغط على الرجل ليكون "قائدا"
يتحدث علم النفس الاجتماعي عن صراع أدوار النوع الاجتماعي (Gender Role Conflict) كما صاغه عالم النفس جيمس أونيل، وذلك حين يشعر الرجل أن رجولته تقاس بمدى سعيه للقيادة والسيطرة حتى لو لم يكن هذا منسجما مع ذاته الحقيقية. هذا المفهوم استخدم لشرح كيف أن توقعات الرجولة الصارمة قد تضر بصحة الرجل النفسية وعلاقاته.
فالرجل الذي لا يسعى للمنصب القيادي قد ينظر إليه باعتباره أقل طموحا أو أقل رجولة أو "مرتاح أكثر مما ينبغي". هذا الضغط يولد توترا داخليا بين ما يريده الرجل فعلا وما يتوقعه المجتمع منه. بعض الرجال لا يرفضون القيادة باعتبارها مسؤولية، بل يرفضون ثمنها النفسي من صراعات دائمة وقرارات ضد القناعة الأخلاقية أو فقدان الحياة الخاصة.
في العالم العربي يتخذ هذا الضغط أشكالا خاصة، فالرجل في مجتمعاتنا مطالب غالبا بأن يكون "المعيل" الأول وصوت الأسرة أمام المجتمع، وإذا كان مغتربا يحمل عبئا مضاعفا من النجاح في عمله الجديد إلى البقاء "قائدا" عن بُعد لعائلته في الوطن.
هنا يمتزج ضغط الرجولة الاقتصادية مع صورة القائد، الذي لا يحق له أن يتعب أو يعترف بالحيرة، فيختلط السؤال "هل أرفض المنصب الإداري لأنني لا أراه يناسبني أم لأنني مرهق أصلا من دور الرجل الذي يفترض أن يتحمل كل شيء؟".

حب الحرفة أم حب السلطة؟
أبحاث الدافعية المهنية تفرق بين رجال:
- موجهين نحو الإنجاز الحِرَفي والمهني: يستمتعون بالتعمق في التخصص وصناعة الجودة والإنجاز الفني الهادئ.
- وموجهين نحو النفوذ والتأثير: يستمتعون بإدارة البشر وصنع القرار والتحرك في الواجهة.
الأول قد يزدهر خبيرا أو مستشارا أو باحثا أو فنانا، ويذبل حين يُدفع إلى منصب إداري باسم "الترقية". الضغط عليه ليصبح قائدا فقط لأنه ناجح مهنيا قد يدمر متعته وقدرته معا ويحرم المؤسسة من أفضل ما فيه.
في بيئات العمل العربية، خاصة في المؤسسات الكبرى أو في قطاعات مثل النفط والبنوك، قد يجد الرجل نفسه أقرب إلى أحد نموذجين متطرفين: "مدير تقليدي" شديد التسلط أو "مدير صوري" يحمل من تحته كل الأعباء.
كما أن الموظف قد يُمنح أحيانا منصبا قياديا شكليا لكن من دون صلاحيات حقيقية فيزداد نفوره من فكرة القيادة ذاتها لا من المسؤولية.
أربعة رجال لا يحبون القيادة
ليس كل من لا يحب القيادة شخصا واحدا، وهنا يمكن التمييز -على سبيل الفهم لا التصنيف- بين أربعة أنماط شائعة:
- القائد المتردد: يملك مهارات القيادة لكن ثقافته تخوّفه من الدور، قد يقود جيدا إذا أعاد تعريف القيادة بصورة إنسانية تسمح له بالخطأ والاستشارة والتعبير عن الإرهاق.
- الشريك أو "رقم 2" المثالي: يزدهر قرب القائد لا في الواجهة، فهو يحلل ويسند ويقدم الرأي الصادق. في الصف الثاني "يلمع" وأحيانا يكون صانع القرار الفعلي دون أضواء.
- الخبير أو الحِرَفي: شغفه في التخصص لا إدارة البشر، وإجباره على منصب إداري قد يطفئ تميزه.
- الهارب من المسؤولية فعلا: يرفض القيادة لأنه يرفض تحمل المسؤولية من أساسها، وهنا لا نتحدث عن اختلاف شخصية بل عن مسألة نضج واستعداد لتحمل تبعات القرار.

التمييز بين هذه الأنماط يحدد السؤال الحقيقي "هل مشكلتك مع صورة القيادة أم مع المسؤولية نفسها؟ وهل تكره القيادة أم تكره شكلها السائد؟"، وعلى الرجل أن يسأل نفسه بصدق:
- عندما تتخيل نفسك قائدا ما الشعور الغالب "حماس أم عبء؟".
- ما أكثر ما يزعجك "إدارة الناس أم الصراعات أم فقدان وقتك أم الضغط الأخلاقي للقرارات؟".
- هل تحب توجيه الأشخاص أم تطوير الأفكار ثم الانسحاب للخلف؟
- هل تهرب من المسؤولية أم تتحملها بهدوء لكن ترفض الواجهة؟
إجاباتك لا تعطي تشخيصا نفسيا، لكنها قد تكشف الفرق بين رفض واع وهروب غير معترف به.
أين يكون تأثيرك أفضل؟
حين تمجد الثقافة نموذجا واحدا للرجل -القائد المسيطر- يبدو كل رجل مختلف ناقصا. بينما الواقع أن المنظومات الصحية تحتاج أدوارا متعددة "من يقود ومن يخطط ومن يهدئ ومن يحسب المخاطر ومن يحرس القيم؟".
فليس كل تأثير مرئيا وليس كل من في الخلفية تابعا، في الأسرة مثلا قد يكون الأب أو الأخ الأكبر هو "القائد الرسمي" لكن من يحفظ تماسك الأسرة فعلا شخص آخر أكثر هدوءا وتأملا.

ما الذي تقوله الأبحاث للرجل في النهاية؟
- لا تسأل "هل أنا قائد؟"، بل "أين يكون تأثيري أفضل؟"
قد يكون في الكرسي الأول أو في الصف الثاني أو في غرفة هادئة تُصنع فيها الأفكار أو في بيتك مع أسرتك، المهم "أين تخدم نفسك ومن حولك بأفضل صورة؟".
- القيادة مهارة يمكن تعلمها لكنها ليست واجبا أخلاقيا على كل رجل
يمكنك أن تتعلم مهارات التواصل والإصغاء واتخاذ القرار حتى لو لم تطمح لمنصب مدير أو زعيم.
- افصل بين كرهك للسلطة وهروبك من المسؤولية
كره السيطرة على الناس لا يعني ضعفا، أما الهروب المزمن من المسؤوليات فهو مشكلة تحتاج مواجهة صادقة.
- الرجل الذي يعرف حدوده ويختار موقعه بوعي أصدق من رجل يطارد كل منصب
ليس مطلوبا أن تكون في الواجهة دائما، بل أن تكون في المكان الصحيح وبالقدر الصحيح من التأثير.
إن لم تكن ذلك الرجل الذي يحب المنابر والواجهات فربما لا تحتاج أن تتغير لترضي صورة ضيقة عن الرجولة، ربما تحتاج فقط أن تفهم نفسك بصدق وتختار الدور الذي تقود به حياتك أولا، ولو من الخلف، وأحيانا "القيادة الحقيقية" تبدأ من هناك.
