بول بيا الرئيس الذي حكم الكاميرون أكثر من 40 عاما

رئيس الكاميرون بول بيا في منتدى الفضاء بقمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا في 13 ديسمبر/كانون الأول 2022 في واشنطن (الفرنسية)

رئيس جمهورية الكاميرون منذ عام 1982، وصل إلى السلطة بعد استقالة الرئيس السابق أحمدو أحيدجو، معتمدا على بند دستوري يمنح رئيس الوزراء أحقية تولي منصب رئاسة الجمهورية في حالة شغوره، واستمر في قيادة البلاد عبر محطات سياسية مختلفة، بفضل فوزه المتتالي في كل الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد بعد اعتلائه كرسي الحكم.

واجه أثناء حكمه تحديات داخلية معقدة، أبرزها النزاع الذي اندلع في المناطق الشمالية ذات الأغلبية المسلمة والناطقة باللغة الإنجليزية، عندما تحولت احتجاجات تدعو إلى إصلاحات سياسية عام 2016 إلى صراع مسلح أوقع آلاف الضحايا.

برز اسمه في المشهد الإعلامي الدولي في يوليو/تموز 2025 عقب إعلان عزمه خوض السباق الرئاسي لولاية ثامنة رغم بلوغه من العمر 92 سنة.

المولد والنشأة

وُلد بول بارتيلمي بيا بي مفوندو يوم 13 فبراير/شباط 1933 ببلدة مفوميكا، وتبعد نحو 180 كيلومترا جنوب العاصمة ياوندي.

نشأ في كنف أسرة كاثوليكية محافظة إبان الانتداب الفرنسي، والده هو إتيان مفوندو أسان ووالدته تدعى أناستازي إيينا إيلي.

الدراسة والتكوين العلمي

تلقى بيا تعليمه الأساسي في مدرسة كاثوليكية في بلدة ندين المجاورة لمسقط رأسه، حيث نال شهادة التعليم الابتدائي عام 1948، ثم التحق بالإكليريكية التحضيرية "تارسيزيوس" في مدينة إيديا (179 كيلومترا غرب ياوندي) ودرس فيها أثناء الفترة الممتدة بين 1948 و1950.

تابع بيا بعدها دراسته في المدرسة الإكليريكية الصغرى في أكونو (نحو 60 كيلومترا جنوب غرب ياوندي)، ثم في ثانوية الجنرال لوكلير الفرنسية في العاصمة ياوندي حيث حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1956.

سافر بعد ذلك إلى فرنسا لمتابعة دراسته الجامعية، وتخصص في القانون العام والعلوم السياسية، فنال إجازة في القانون العام من جامعة باريس عام 1960 (كانت تسمى السوربون آنذاك) ثم دبلوما من معهد الدراسات السياسية عام 1961.

أعقبه دبلوم آخر عام 1962 من معهد الدراسات العليا لما وراء البحار، وهي مؤسسة فرنسية للدراسات العليا أنشئت خصيصا لتكوين نخبة من الإداريين والكوادر العليا للعمل في المستعمرات الفرنسية وفي الدول الفرنكوفونية المستقلة، وحصل بعدها على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام عام 1963 من جامعة باريس.

الرئيس الكاميروني بول بيا مع زوجته شانتال بيا في اليوم الوطني للكاميرون عام 2024 (الفرنسية)

الحياة الأسرية

تزوج بيا من شانتال بولشيري في 23 أبريل/نيسان 1994، بعد وفاة زوجته الأولى جان إيرين أومبا يوم 29 يوليو/تموز 1992 التي ارتبط بها عام 1961.

إعلان

وله 3 أبناء، واحد من زوجته الأولى واثنان من زوجته الثانية، أكبرهم فرانك بيا وهو رجل أعمال ومستثمر في مجال استغلال الغابات في الكاميرون، رأى النور في ياوندي يوم 21 أغسطس/آب 1971، وهو الابن الأكبر لبول بيا من زواجه الأول، وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصاد من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1994.

برز اسمه بشكل متزايد في النقاشات العامة مرشحا محتملا لخلافة والده، رغم ندرة ظهوره الإعلامي واعتماده نهجا متحفظا في التحرك السياسي.

وابنه الثاني يدعى بول بيا، وهو ابنه الأول من زواجه الثاني، وُلد عام 1994، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مؤسسات تعليمية قرب المدينة السويسرية جنيف، قبل أن يلتحق بالمدرسة الوطنية للإدارة والقضاء، أحد أبرز معاهد إعداد النخب الإدارية في الكاميرون.

ورغم حضوره الخافت إعلاميا، فإن اسمه ظهر في سياق الجهود التي بذلتها الدولة أثناء مواجهة جائحة كورونا (كوفيد-19)، إذ نسبت إليه مبادرات مالية لمساعدة المتضررين عام 2021، مما يعكس محاولة أولية للانخراط في الحياة العامة.

وللرئيس الكاميروني ابنة وحيدة، هي أناستازي بريندا بيا إيينغا وولدت عام 1997 في القصر الرئاسي بـ"إيتودي"، ودرست في "ثانوية ليمان" بسويسرا، وأكملت دراستها الجامعية بالمدرسة الوطنية للإدارة والقضاء في ياوندي.

اختارت طريقا مختلفا عن باقي أفراد عائلتها، حين اتجهت إلى المجال الفني، وأطلقت علامة تجارية خاصة بها لبيع مستحضرات الشعر المستعار، إلى جانب خوضها تجربة الغناء في فن الراب.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس الكاميروني بول بيا في القمة الروسية الأفريقية الثانية منتصف 2023 (الفرنسية)

المسار السياسي

عاد بيا إلى بلاده عام 1962 بعد عامين فقط من نيل البلاد استقلالها من الاستعمار الفرنسي، فدخل الحياة السياسية من بوابة الوظيفة العمومية، وتدرج بسرعة في المناصب الإدارية، إذ تم تعيينه في أكتوبر/تشرين الأول 1962 مكلفا بمهمة في ديوان رئاسة الجمهورية.

تولى بيا بعدها منصب رئيس ديوان وزير التربية الوطنية في يناير/كانون الثاني 1964، ثم أمينا عاما للوزارة ذاتها في يوليو/تموز 1965، قبل أن يعين في يناير/كانون الثاني 1968 أمينا عاما لرئاسة الجمهورية ومديرا للديوان الرئاسي.

وفي يونيو/حزيران 1970 رقي إلى وزير دولة، وأصبح بعدها بحوالي 5 سنوات رئيسا للوزراء في 30 يونيو/حزيران 1975.

نال بيا ثقة الرئيس في وقت مبكر، فاعتبره "شخصية شابة متزنة ومتواضعة وغير سياسية وغير طامحة للسلطة"، كما وصفه مقربون منه في تلك الفترة بأنه "خادم مطيع وإداري بارع".

على إثر ذلك، عيّن بيا خلفا دستوريا للرئيس أحمدو أحيدجو المستقيل من منصبه بسبب "ظروف صحية" في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني 1982، ليتولى بيا رئاسة الجمهورية بموجب القانون رقم 79/02 الصادر في 29 يونيو/حزيران 1979.

شكل بيا الحكومة في عامي 1982 و1983 بالتشاور مع أحيدجو، إلا أنه سرعان ما أحكم قبضته على السلطة، فسيطر عام 1983 على رئاسة الحزب الحاكم الاتحاد الوطني الكاميروني، ثم أجرى في 18 يونيو/حزيران 1983 تعديلا وزاريا عين عبره حلفاء له دون إبلاغ أحيدجو، مما أغضب الأخير الذي دعا وزراء الشمال إلى تقديم استقالتهم من الحكومة.

إعلان

وفي 22 أغسطس/آب من العام ذاته، أعلن بيّا اعتقال أشخاص على صلة بأحيدجو بتهمة "التآمر على الدولة".

انتُخب بيا رئيسا للجمهورية لأيام قليلة في 24 أبريل/نيسان 1984 بنسبة 99.9% من الأصوات، بعد نجاحه في إحباط محاولة انقلاب هزت ياوندي وأسفرت عن مئات القتلى.

بول بيا (يمين) مع الرئيس الفرنسي في حفل إحياء الذكرى الـ80 لإنزال الحلفاء في بروفانس بالحرب العالمية الثانية (الفرنسية)

وارتبطت المحاولة الانقلابية باسم أحيدجو، الذي غادر البلاد عام 1983، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام من محكمة عسكرية، قبل أن يموت في السينغال عام 1989 إثر أزمة قلبية، ودفن هناك بسبب رفض بيا نقل جثمانه إلى الكاميرون.

قرر بيا إلغاء منصب رئيس الوزراء، فجمع بين صلاحياته وصلاحيات الرئاسة، كما تولى زمام الأمور داخل الحزب الحاكم، الذي غير اسمه عام 1985 ليصبح "التجمع الديمقراطي للشعب الكاميروني" بدل "الاتحاد الوطني الكاميروني".

أُعيد انتخابه عام 1988 بنسبة 98.7% من الأصوات، بينما استحوذ حزبه على جميع مقاعد البرلمان في انتخابات سمح فيها بتعدد الترشيحات، لكن ضمن الحزب الواحد.

في 26 أبريل/نيسان 1991 أعاد بيا منصب "رئيس الوزراء"، وأصدر عفوا عاما في 30 من الشهر ذاته، وشمل العديد من المعارضين السياسيين ومعتقلي الرأي، بهدف تهدئة الشارع و"تهيئة المناخ لحوار وطني وانتقال سلمي نحو نظام تعددي".

جاء ذلك في سياق ضغط داخلي وخارجي تمثل في موجة من الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح السياسي والتعددية الحزبية مطلع تسعينيات القرن الـ20، وفي خضم حراك التحرير السياسي الذي عمّ أفريقيا آنذاك، كما فرضته أيضا ضغوط مارستها فرنسا التي حرص بيا على نيل رضاها وضمان دعمها الثابت.

وفي عام 1992، فاز في أول انتخابات رئاسية تعددية، متقدما بفارق ضئيل على خصمه الرئيسي جون فرو ندي، المرشح الناطق بالإنجليزية عن "الجبهة الديمقراطية الاجتماعية"، وذلك بفضل عمليات تزوير واسعة النطاق أشارت إليها تقارير المراقبين الدوليين.

وفي انتخابات 1997 حصل التجمع الديمقراطي للشعب الكاميروني على 116 مقعدا من أصل 180 المشكلة للبرلمان، وأعيد انتخاب بيا رئيسا للبلاد بنسبة تفوق 90% من الأصوات.

وعقب إلغاء الحد الأقصى لعدد الولايات في عام 2008، بدا جليا أن رئيس الدولة يتجه نحو البقاء في السلطة مدى الحياة، مستندا في خطاباته النادرة إلى شعار "استقرار الكاميرون"، وهو الشعار الذي صاحبه دائما ومنحه الدعم داخليا وخارجيا.

فاز بيا دون مفاجآت في انتخابات 2004 و2011 و2018، في ظل تشرذم المعارضة التي لم تتمكن من التوحد حول مرشح واحد بفعل الانقسامات الداخلية، التي يغذيها النظام كما يذكر بعض المعارضين.

BEIJING, CHINA - MARCH 22: President of Cameroon Paul Biya meets with Chinese President Xi Jinping (not pictured) at The Great Hall Of The People on March 22, 2018 in Beijing, China. At the invitation of Chinese president Xi Jinping, President Paul Biya of the Republic of Cameroon will pay a state visit to China from March 22nd to 24th. (Photo by Lintao Zhang/Getty Images)
رئيس الكاميرون في قاعة الشعب الكبرى في العاصمة الصينية بكين يوم 22 مارس/آذار 2018 (غيتي)

الترشح لولاية إضافية

وفي 13 يوليو/تموز 2025 أعلن بيا عن عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة في 12 أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، في منشور له على موقع إكس.

وكتب: "أنا مرشح للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025″، وأضاف: "تأكدوا أن عزيمتي على خدمتكم توازي جسامة التحديات التي نواجهها"، مشيرا إلى أنه "مع الشعب يمكن التغلب على كل التحديات".

في المقابل شهدت الساحة السياسية حراكا غير مسبوق مع نهاية يونيو/حزيران 2025، عقب إعلان اسمين بارزين من المحسوبين على تيار الرئيس بيا ترشيحهما للاستحقاقات الرئاسية المرتقبة.

فقد أعلن وزير التوظيف والتكوين المهني السابق والمتحدث باسم الحكومة عيسى تشيروما باكاري في 26 يونيو/حزيران 2025 ترشحه للانتخابات الرئاسية، ممثلا لـ"حزب الجبهة الوطنية لإنقاذ الكاميرون".

وجاء إعلانه بعد 24 ساعة فقط عن استقالته من مهامه الحكومية، معتبرا أن "الشعب الكاميروني أمام فرصة تاريخية يجب استغلالها بهدف التغيير والخروج من الأوضاع الصعبة التي يعيشها المواطنون".

إعلان

وفي 30 يونيو/حزيران وافق وزير السياحة بيلو بوبا مايغاري على ترشيحه عن حزب "الاتحاد الوطني للديمقراطية والتقدم" لخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2025، وفق تقرير لرويترز.

ويعد مايغيري (78 عاما) -الذي شغل سابقا منصب رئيس الوزراء- من الشخصيات المقربة من الرئيس بول بيا.

أثار هذا الوضع نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتأزمة التي تعيش تحت وطأتها البلاد، وتصاعد التوتر في المناطق الناطقة بالإنجليزية شمالي الكاميرون.

واعتبرت قوى المعارضة أن استمرار بيا في الحكم يكرس احتكار السلطة ويقوض فرص التداول الديمقراطي، في حين يرى أنصاره أن بقاءه يضمن استقرار البلاد ويحول دون الفوضى السياسية.

بول بيا فاز في الانتخابات الرئاسية عام 2025 بعد حصوله على 53.66% من الأصوات (رويترز)

وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت اللجنة الوطنية لإحصاء الأصوات في الكاميرون فوز الرئيس بول بيا في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 من الشهر نفسه، بعد حصوله على 53.66% من الأصوات، متقدما على منافسه إسحاق تشيروما الذي نال 35.19%، فيما حصل كابرال ليبي على 3.41% وبيلو بوبا مايغاري على 2.45%.

في الوقت نفسه، أعلن منافسه تشيروما عبر صفحته على فيسبوك أنه الفائز الحقيقي، مؤكدا حصوله على 54.8% من الأصوات مقابل 31.3% فقط للرئيس بيا، استنادا -حسب قوله- إلى عينة من 18 إقليما تمثل نحو 80% من الكتلة الناخبة.

ورفض المجلس الدستوري الكاميروني جميع الطعون المقدمة بشأن الانتخابات الرئاسية، والتي تضمنت مزاعم تتعلق بتزوير نتائج التصويت وترهيب الناخبين ومخالفات أخرى، مشيرا إلى عدم كفاية الأدلة أو عدم اختصاصه القضائي للنظر في بعض القضايا.

المؤلفات

يُعرف بول بيا بندرة ظهوره الإعلامي وتجنب التصريحات الرسمية، غير أنه نشر كتابا وحيدا عام 1987 بعنوان: "من أجل الليبرالية المجتمعية"، وعرض فيه رؤيته لنموذج سياسي يوفق بين الانفتاح الاقتصادي ودور الدولة المركزي في إطار تحكمه "التعددية المقيدة".

الجوائز والأوسمة

حصل بول بيا على مدى مسيرته السياسية الطويلة على عدة أوسمة وتشريفات، منها:

  • الوسام الوطني بدرجة الصليب الأكبر من الكاميرون.
  • وسام جوقة الشرف بدرجة الصليب الأكبر من فرنسا.
  • وسام القديس جورج من المملكة المتحدة.
  • الصليب الأكبر من الدرجة الاستثنائية في ألمانيا.
  • القائد الأكبر لوسام نيجيريا.
  • الصليب الأكبر من الوسام الوطني للاستحقاق في السنغال.
  • قائد في الوسام الوطني التونسي.
  • دكتوراه فخرية من جامعة ماريلاند في الولايات المتحدة.
  • أستاذ فخري بجامعة بكين من الصين.
  • جائزة السلام من المركز الأوروبي للسلام والتنمية عام 1988.
المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان