بحر البلطيق.. أكبر مساحة للمياه قليلة الملوحة

بحر البلطيق محاط بـ9 دول أوروبية وتتبعه عدة جزر ومضائق (غيتي)

بحر شبه مغلق وضحل نسبيا، وهو ذراع شمال المحيط الأطلسي، ويقع شمال القارة الأوروبية، وتحيط به 9 دول، هي: الدانمارك وألمانيا وبولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وروسيا وفنلندا والسويد، ويعد أكبر مساحة للمياه قليلة الملوحة في العالم، وله أهمية كبيرة عند علماء البيئة.

عاش الناس في المنطقة حول بحر البلطيق منذ زمن قديم، ومثّل نواة التجارة بفعل موقعه الإستراتيجي، ووفر صلة قوية بين البلدان المحيطة به لكونه مصدرا لعيش البشر حتى اليوم، فهو الشريان الرئيسي لخط إمداد الطاقة في قلب أوروبا من روسيا إلى ألمانيا.

التسمية

أول من أطلق عليه اسم بحر البلطيق هو "آدم البريمني"؛ أحد أشهر نبلاء العصور الوسطى في ألمانيا، وذلك نسبة إلى جزيرة واقعة فيه تسمى "بالتيا"، وسميت بهذا الاسم من قبل الرومان.

وله تسميات أخرى حسب لغة وموقع البلد؛ ففي الإستونية يسمّى "بحر الغرب"، بينما أطلقت عليه الشعوب الجرمانية اسم "بحر الشرق".

الموقع الجغرافي

يمتد بحر البلطيق شمالا من خط عرض "53 إن" (53N) جنوب الدانمارك تقريبا، إلى "66 إن" (66N) عند الدائرة القطبية الشمالية، ويفصل شبه الجزيرة الإسكندنافية عن بقية دول القارة الأوروبية.

ويتصل بخليج كاتيغات عن طريق مضيق أوريسند، والحزامين الكبير والصغير في الدانمارك، إذ يمتد خليج كاتيغات إلى خليج سكاغيراك، ومنه إلى بحر الشمال حتى يصل إلى المحيط الأطلسي.

ويتصل بحر البلطيق بالبحر الأبيض عن طريق قناة البحر الأبيض، وببحر الشمال عن طريق قناة كيل.

ويعد بحر البلطيق من أكبر مناطق المياه معتدلة الملوحة في العالم، إذ تبلغ مساحته 477 ألف كيلومتر مربع، ويعد من المسطحات المائية الضحلة، مما يجعل إجمالي مياهه قليلا مقارنة بمساحة سطحه.

يوصف مناخ بحر البلطيق بأنه موسمي بارد في الشتاء الطويل ودافئ في فترة الصيف القصيرة (الفرنسية)

الملوحة

يعد بحر البلطيق منعزلا نسبيا عن البحار الأخرى، فهو أكبر بحر داخلي، ويتميز بالمياه قليلة الملوحة، وتتناقص الملوحة تدريجيا من مدخله في الجنوب الغربي، إلى الأجزاء الداخلية، وهي أقل بكثير من ملوحة مياه المحيط، وتتراوح نسبتها بين 0.3 و0.9%، وهي مياه عذبة على العموم.

ويعد اتصاله الضيق ببحر الشمال سبب الملوحة الرئيسي، وذلك من خلال التدفق غير المنتظم لمياه بحر الشمال إلى بحر البلطيق خلال العواصف الشتوية، فتجلب أحداث التدفق هذه مياها ذات ملوحة أعلى.

وهذا هو سبب تدرج الملوحة في بحر البلطيق، بينما تصل المياه العذبة إلى بحر البلطيق من خلال ما يقرب من 200 نهر، ترفده بنحو 4 أضعاف مساحة البحر نفسه.

ومن أطول الأنهار التي تصب في بحر البلطيق "فيستولا" و"الأودر"، ويرتفع منسوب البحر بسبب ذوبان الثلوج في الربيع، مما يقلل ملوحته.

وتم تسجيل أعلى نسبة ملوحة في غرب البلطيق، حيث تبلغ نحو 10 أجزاء في الألف عند السطح، ونحو 15 جزءا في الألف بالقرب من القاع، وأدناها تقع على رأس خليج بوثنيا، حيث تقل عن ثلث هذه النسبة.

وتؤدي هذه الظروف الهيدرولوجية مجتمعة إلى ظهور التدرج المتميز للمياه معتدلة الملوحة لبحر البلطيق، ونظرا لأن المياه المالحة أكثر كثافة من المياه العذبة فإن قاع بحر البلطيق أكثر ملوحة من السطح.

الطقس

يمكن وصف مناخ بحر البلطيق بالموسمي؛ فالشتاء طويل وبارد، والصيف قصير ودافئ نسبيا، ويتراوح متوسط ​​درجات الحرارة من نحو 10 درجات مئوية تحت الصفر في منتصف الشتاء إلى نحو 17 درجة مئوية فوق الصفر في منتصف الصيف.

ويختلف هطول الأمطار باختلاف الطقس، فيتراوح متوسط ​​هطول الأمطار بين 500 و600 ملم سنويا.

وعادة ما يتكون الضباب بشكل متكرر في الربيع وأوائل الصيف، وتميل الرياح إلى أن تكون متغيرة، ولكنها لا تصل عادة إلى قوة العاصفة، وتهب نسائم البحر بشكل شائع فوق المناطق الساحلية في الصيف.

الجزر والمضائق والخلجان

يقع خليج بوثنيا في الجزء الشمالي من بحر البلطيق، وفي الجنوب يوجد خليج أولاند، ويرتبط بحر البلطيق مع سانت بطرسبورغ في خليج ريغا، بين العاصمة اللاتفية ريغا وجزيرة ساريما الإستونية.

وهناك العديد من الجزر البلطيقية، ومن أهمها:

  • الجزر التابعة لإستونيا: ساريما، وروهنو، وسيسار.
  • الجزر التابعة لفنلندا: جزر أولاند، وسانتاهامينا، وسوومنلينا، وهلسنكي.

أما المضائق في بحر البلطيق فأهمّها:

  • أوريسند.
  • الحزام الصغير.
  • الحزام الكبير.
  • المضائق الدانماركية.
  • كاتيغات.
  • كالمار.

التحديات البيئية

يواجه بحر البلطيق مشكلة بيئية تتمثل في "الإثراء الغذائي"؛ إذ يؤدي الإفراط في إدخال العناصر الغذائية إلى البيئة البحرية إلى تعزيز نمو العوالق النباتية، مما يتسبب في انخفاض ظروف الإضاءة في الماء، ونضوب الأكسجين في قاع البحر، فتتدهور المنتجات كالنباتات بشكل مفرط، مؤدية إلى سلسلة من التغييرات الأخرى في النظام البيئي.

وتشترك العديد من دول حوض البلطيق حاليًا في هذا التحدي، والمتمثل في إدارة الضغوط الناتجة عن الأنشطة البشرية، من أجل تقليل آثارها على التنوع الحيوي ووظيفة النظام البيئي.

وفي وقت مبكر من خمسينيات القرن الماضي، تنبه علماء البيئة في منطقة البلطيق إلى التدهور البيئي الناتج عن التنمية الصناعية واسعة النطاق، والجريان السطحي للمواد الكيميائية من الزراعة.

وإثر ذلك وقعت دول البلطيق "اتفاقية هلسنكي" لحماية البيئة البحرية لمنطقة بحر البلطيق عام 1974، ودخلت حيز التنفيذ عام 1980، ثم نُقِّحت عام 1992، وأعيد تنفيذها عام 2000.

وكانت اتفاقية هلسنكي واحدة من أولى المحاولات الدولية للسيطرة على مصادر التلوث البرية في بيئة بحرية مشتركة، ورغم تحقيق بعض التحسينات المهمة في التحكم في التلوث -خاصة في الدول الإسكندنافية- فإن من الصعب تحديد مقدار هذه التحسينات، التي يمكن أن تُعزى إلى المؤسسات الناشئة بموجب اتفاقية هلسنكي.

الجوانب الاقتصادية

في أوائل العصور الوسطى، بنى التجار الإسكندنافيون إمبراطورية تجارية في جميع أنحاء بحر البلطيق، ووجدوا طريقهم في النهاية إلى البحر الأسود وجنوب روسيا. ويشار إلى هذه الفترة -التي هيمن عليها تجار الشمال- باسم عصر "الفايكنغ".

ويوفر بحر البلطيق العنبر إضافة إلى الأسماك، خاصة من الشواطئ الجنوبية ضمن حدود اليوم من بولندا وروسيا وليتوانيا.

وتعود الإشارات الأولى لرواسب الكهرمان على الساحل الجنوبي لبحر البلطيق إلى القرن 12 الميلادي، وازدهر كذلك بتصدير خشب القطران والكتان والقنب والحديد والملح بالسفن عبر بحر البلطيق، إضافة إلى اكتشاف احتياطيات كبيرة من النفط في قاعه.

ويعد بحر البلطيق شريانا مهما للنقل، حيث يتم نقل مختلف البضائع من الدانمارك وألمانيا وروسيا والسويد وإستونيا ولاتفيا.

ومن بين البضائع التي يتم تداولها: الفحم ومنتجات النفط والورق ولب الورق وخام الحديد والأخشاب، كما يتم نقل المعدات والآلات عن طريق البحر.

ويعد خط أنابيب "نورد ستريم" أو "السيل الشمالي" أهم خط لنقل الغاز، وذلك من خلال أنبوب مزدوج يتجاوز طوله 1200 كيلومتر، وينقل الغاز مباشرة من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، ويعد أطول خط أنابيب تحت مياه البحر.

التحديات السياسية

منذ فجر التاريخ، كان بحر البلطيق أحد البحار الثلاثة التي شكلت إستراتيجية التوسع لدى روسيا التاريخية، بالإضافة إلى محاولات عديدة من قبل أوروبا للسيطرة عليه لفرض نفوذها في الشمال الأوروبي، ومحاولة للتوسع نحو الشرق.

وتعد "حرب الشمال العظمى"، التي جرت في الفترة بين 1700م و1721م واحدة من أهم الحروب التي حدثت في منطقة البلطيق، وتصارعت فيها قوى الشمال الأوروبي لحيازة الزعامة فيما بينها، والسيادة على البلطيق، وعلى رأسها روسيا والسويد.

وكانت السويد في القرن 17 القوة الشمالية العظمى، وكان البلطيق أشبه ببحيرة سويدية؛ فقد حول ملكها آنذاك غوستاف أودلف البلاد إلى قلعة عسكرية على ذلك البحر لولعه بالحرب، وانخرط في حرب الثلاثين عاما (من 1618م إلى 1648م)، التي انتهت بصلح "ويستفاليا" الشهير عام 1648م، لتخرج السويد قوة أوروبية عظمى لها السيادة على بحر البلطيق.

ودفع هذا النفوذ السويدي دولا شمالية -أبرزها بولندا والدانمارك- إلى الانضمام إلى القيصر الروسي بطرس الأكبر، في حربه التي بدأها ضد السويد في مستهل القرن 18، طمعا في تقسيم أملاك السويد الشاسعة على البلطيق، ولعل بناء مدينة "سان بطرسبورغ" كان من أهم ثمرات هذا التحالف، إذ كانت المدينة رأس الحربة الروسية الموجهة نحو غرب أوروبا وشمالها.

وفي العصر الحديث، تبرز أهمية حوض البلطيق الإستراتيجية، حيث تلعب هذه المنطقة الحيوية دورا محوريا في حالتي الحرب والسلم العالميتين؛ فمنذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا تشهد دول بحر البلطيق تهديدا إستراتيجيا بقطع الغاز الروسي عنها، وعن وسط القارة الأوروبية وغربها.

وتنقل شركة "غازبروم" الغاز الروسي إلى الشمال الأوروبي، ومنه إلى قلب ألمانيا، وتعد أبرز شركة غاز روسية، ومقرها سان بطرسبورغ؛ أهم مرافئ تصدير الغاز في العالم.

وتعتمد هذه الدول على الغاز الروسي بنسبة تفوق 90%، في درجات حرارة تصل أحيانا إلى 30 تحت الصفر في الشتاء.

وفي ظل تهديدات روسيا بقطع الغاز عن دول البلطيق، شهدت مياه بحر البلطيق تسربا "يرجح أن يكون متعمدا" للغاز في 4 مواضع مختلفة، من خط أنابيب نورد ستريم، وفق ما أعلنته الحكومتان السويدية والدانماركية.

ويمثل خط الأنابيب نورد ستريم 2 إحدى أهم النقاط الساخنة في حرب الطاقة المتصاعدة بين أوروبا وموسكو، وذلك منذ اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، مما أضر بالاقتصادات الغربية الرئيسية، وأدى إلى ارتفاع أسعار الغاز.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية