حركة طالبان من مدارس قندهار إلى حكم أفغانستان

حفظ

KABUL, AFGHANISTAN-AUGUST 14: Afghan Taliban celebrate the third anniversary of their takeover of Afghanistan with a series of events, including a military parade in front of former US Embassy in Kabul, Afghanistan on August 14, 2024. (Photo by Haroon Sabawoon/Anadolu via Getty Images)
مقاتلو طالبان يشاركون في عرض عسكري في كابل عام 2024 احتفالا بالذكرى الثالثة لعودة الحركة إلى حكم أفغانستان (غيتي)

حركة أفغانية إسلامية سنية مسلحة ذات تنظيم ديني وسياسي، نشأت في قندهار جنوبي أفغانستان عام 1994 في خضم الصراع الأفغاني الداخلي الذي أعقب سقوط النظام المدعوم من الاتحاد السوفياتي. انبثقت الحركة من شبكات طلبة المدارس الدينية والمقاتلين السابقين، وجمعت بين بنية التمرد العسكري والسعي إلى إقامة نظام حكم إسلامي.

في عام 1996، تمكّنت حركة طالبان من السيطرة على العاصمة كابل، وفرضت سلطتها على معظم الأراضي الأفغانية، قبل أن يسقط حكمها أواخر عام 2001 إثر تدخل عسكري دولي قادته الولايات المتحدة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وبعد نحو عقدين من التمرد المسلح ضد القوات الأجنبية والحكومة الأفغانية، عادت الحركة إلى السيطرة على كابل في أغسطس/آب 2021، لتستعيد زمام الحكم وتفرض نفسها مجددًا بوصفها سلطة الأمر الواقع في البلاد.

وكلمة "طالبان" هي جمع "طالب" في لغة البشتو؛ إذ ينتمي معظم أفراد الحركة إلى القومية البشتونية التي يتركز معظم أبنائها في شرق البلاد وجنوبها.

تتألف الحركة في بنيتها القيادية وقاعدتها البشرية والاجتماعية من غالبية بشتونية تنحدر أساسا من المحافظات الجنوبية والشرقية للبلاد، وهو ما طبع خطابها وممارساتها بطابع تلك البيئة، على الرغم من تأكيدها النظري على الهوية الإسلامية العابرة للأعراق، وضمّها أعدادا محدودة من عناصر القوميات الأخرى كالأوزبك والطاجيك.

الجذور والنشأة

أعقب سقوط الحكومة المدعومة من الاتحاد السوفياتي عام 1992 اقتتالا داخليا بين فصائل المجاهدين في المناطق المحيطة بكابل. تحولت بذلك أفغانستان إلى جيوب متناثرة تحكمها قوى مسلحة فرضت إتاوات وجبايات غير قانونية على حركة التجارة والأهالي مع انفلات أمني واسع.

في تلك البيئة، انطلقت الحركة عام 1994 في قندهار بهدف فرض الأمن، ونزع أسلحة قادة الحرب، وتأمين المسالك التجارية، وحسم الخصومات وفق الشريعة دون منافسة الفصائل على السلطة السياسية.

إعلان

وتشير بعض المصادر، من بينها كتابا "الحرب الأمريكية في أفغانستان" لكارتر مالكاسيان و"حياتي مع طالبان" للملا عبد السلام ضعيف، إلى تزامن صعود الحركة مع محاولات أجهزة الأمن الباكستانية توجيهها وتعزيز نفوذها عليها.

ويعود ذلك، بحسب هذه المصادر، إلى رؤية الحكومة الباكستانية في صعود طالبان فرصة لتأمين طرق التجارة مع آسيا الوسطى وتعزيز نفوذها الاستراتيجي في أفغانستان.

وفي هذا السياق، قدمت باكستان للحركة تسهيلات لوجستية ومالية وسياسية، رغم أن طالبان نشأت في قندهار في سياق محلي، وارتبطت في بداياتها بأهداف داخلية تتعلق بالوضع الأفغاني.

كان الملا محمد عمر الشخصية الأبرز التي التفّت حولها حركة طالبان، إذ جمع بين دوره "مجاهد" شارك في مقاومة القوات السوفياتية، وعالم ديني يدير مدرسة لتعليم القرآن في قندهار.

كما عُرف بالنزاهة والزهد والابتعاد عن الصراعات بين الفصائل، ما أكسبه ثقة رفاقه وعدد من علماء المنطقة. وتعززت مكانته عام 1996 عندما بايعه مئات من علماء الدين في قندهار "أميرًا للمؤمنين"، وهو ما رسخ قيادته الدينية والعسكرية للحركة.

مقاتلو طالبان في العاصمة الأفغانية كابل عام 1996
مقاتلو طالبان في العاصمة الأفغانية كابل عام 1996 (غيتي)

واعتمدت طالبان في بناء قوتها على المدارس الدينية والمجتمع البشتوني. فقد تلقى عدد كبير من أبناء جنوب وشرق أفغانستان تعليمهم الديني في مدارس ديوبندية داخل باكستان، ومن بينها دار العلوم الحقانية. وأسهمت هذه المدارس في توفير آلاف المقاتلين الذين شكلوا القوة الأساسية للحركة، ورغم غلبة البشتون في صفوف طالبان، قدمت الحركة نفسها باعتبارها مشروعا إسلاميا عاما، وخاضت مواجهات أيضًا مع قادة بشتون منافسين.

وتأثرت طالبان بمزيج من التقاليد البشتونية والمذهب الحنفي، فتبنت ممارسات مثل الحشمة، وفصل النساء عن المجال العام، والفصل بين الجنسين، وربطتها بتفسيرات دينية.

وفي المقابل، عارضت بعض الأعراف القبلية، فألغت الثأر القبلي، ومنعت حرمان النساء من الميراث أو استخدامهن لتسوية النزاعات، كما قلصت دور المجالس القبلية "الجيرغا" لصالح المحاكم الشرعية. وبذلك انتقلت سلطة إدارة المجتمع تدريجيًا من الزعماء القبليين إلى العلماء والفقهاء.

المسار التاريخي

الصعود والإمارة الأولى (1994-2001)

تحقق التوسع السريع لطالبان بين عامي 1994 و1996 نتيجة عوامل ميدانية وسياسية متضافرة، تمثل أبرزها في حالة الإنهاك المجتمعي جراء اقتتال أمراء الحرب، ونجاح الحركة في تأمين الطرق ومكافحة الانفلات الأمني، إلى جانب عقد التسويات مع زعماء القبائل، والاستفادة من الدعم اللوجستي الإقليمي، واستسلام العديد من المقاطعات دون مقاومة مسلحة.

دخلت الحركة كابل في سبتمبر/أيلول 1996 وأعلنت قيام إمارة أفغانستان الإسلامية، غير أن بسط النفوذ العسكري اختلف جذريا عن متطلبات إرساء مؤسسات حكم مستقرة، إذ افتقرت الإدارة الجديدة إلى الكوادر البيروقراطية المدربة والخطط التنموية والاقتصادية، واقتصر حضور الدولة على أجهزة أمنية، ومحاكم شرعية تطبق الأحكام بصورة فورية، ولجان الأمر بالمعروف، وإدارة الموارد وفق قدرات مالية محدودة ودون ميزانيات مقننة.

Taliban soldiers pose as they stand on a Humvee, following exchanges of fire between Pakistani and Afghan forces, in Momand Dara, Nangarhar province, Afghanistan, February 28, 2026. REUTERS/Stringer
مقاتلو طالبان في ولاية ننغرهار الأفغانية عقب تبادل إطلاق النار بين القوات الباكستانية والأفغانية في 2026 (رويترز)

واجهت سلطة الإمارة مقاومة مسلحة مستمرة في الشمال قادتها الجبهة المتحدة (تحالف الشمال) بزعامة أحمد شاه مسعود، وهو ما عطل قدرة الحركة على بسط سيطرتها الكاملة على كامل البلاد، وأبقى خطوط التماس العسكرية مستنزفة لمواردها.

إعلان

وترافق هذا الواقع مع عزلة دبلوماسية واسعة لم يكسرها سوى اعتراف ثلاث دول هي باكستان والسعودية والإمارات.  وتفاقمت هذه العزلة مع استضافة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ورفض تسليمه لواشنطن إثر تفجيرات السفارتين الأمريكيتين عام 1998، ففرض مجلس الأمن الدولي عقوبات بموجب القرار 1267.

وعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وإصرار الحركة على الامتناع عن التسليم دون أدلة شرعية، شنت الولايات المتحدة بالتعاون مع الجبهة المتحدة حملة عسكرية أدت إلى إسقاط حكم الإمارة وخروج قادتها من المدن الرئيسية أواخر ذلك العام.

التمرّد وإعادة التنظيم (2001-2021)

تدرّجت الحركة في استعادة حضورها عبر مراحل متتابعة، بدأت بمرحلة امتصاص صدمة السقوط والانسحاب إلى الأرياف والعمق الحدودي (2001-2003)، تلتها مرحلة إعادة بناء القيادة عبر شورى كويتا وتأسيس اللجان العسكرية والمالية (2003–2005)، ثم مرحلة شنّ الهجمات الميدانية الواسعة وتثبيت إدارات الظل في القرى والمقاطعات بدءا من عام 2006.

 شهدت الحركة في غضون عقدين تطورا في بنيتها التنظيمية والدعائية والدبلوماسية، فوضعت مدونة سلوك مكتوبة لضبط حركة المقاتلين وتنظيم عمل المحاكم وإدارة الخدمات في مناطق نفوذها.

كما طورت آلة إعلامية نشطة بلغات متعددة، وافتتحت مكتبا سياسيا في العاصمة القطرية الدوحة عام 2013 تحوّل إلى نافذة رسمية للتواصل مع المجتمع الدولي وإدارة المفاوضات تحت إمرة قيادات تعاقبت بعد وفاة الملا عمر، مثل الملا أختر منصور ثم الشيخ هبة الله آخوند زاده.

KABUL, AFGHANISTAN - AUGUST 15: A car draped with a picture of Mullah Omar, the Afghan cleric who founded the Taliban in 1994, parades with Taliban supporters on August 15, 2023 in Kabul, Afghanistan. Two years ago, the Taliban completed their return to power in Afghanistan after the fall of the Western-backed government and rapid evacuations of foreign militaries, organizations and many Afghans who worked with them. In the time since, no country has formally recognized Taliban rule. (Photo by Nava Jamshidi/Getty Images)
موكب مؤيد لطالبان في كابل عام 2023 تتصدره صورة مؤسس الحركة الملا محمد عمر (غيتي)

أدى توقيع اتفاق الدوحة بين واشنطن وطالبان في فبراير/شباط 2020 إلى إحداث تحول كبير في ميزان القوى لصالح الحركة، إذ نص الاتفاق على جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية مقابل التزام الحركة بمنع استغلال الأراضي الأفغانية ضد أمن واشنطن، مما منح طالبان اعترافا سياسيا دوليا وأضعف معنويات قوات الحكومة الأفغانية وحرمها من الإسناد الجوي الحاسم.

وسرعان ما تفككت أجهزة الجمهورية صيف 2021 نتيجة أسباب بنيوية تراكمت لسنوات، شملت الفساد المستشري داخل المؤسسات المدنية والعسكرية، وتصاعد الخلافات والانقسامات بين أقطاب الحكم في كابل، وتراجع الثقة في بقاء الدولة بعد مغادرة الشركاء الدوليين، إلى جانب خطة طالبان الميدانية التي قطعت طرق الإمداد عن المدن وعقدت اتفاقات استسلام محلية مع القوات النظامية، لتستعيد الحركة السيطرة على كابل في 15 أغسطس/آب 2021.

الإمارة الثانية (منذ 2021)

أعادت الحركة ترتيب أجهزة السلطة تحت راية الإمارة الإسلامية، وحافظت على قدر كبير من الاستمرارية العقائدية في التمسك بالمرجعية الشرعية الحنفية وتطبيق رؤيتها الاجتماعية.

وفي الوقت عينه، أظهرت الإمارة الثانية سمات مغايرة لتجربتها الأولى، إذ استبقت جانبا من الهياكل البيروقراطية والموظفين المدنيين في الوزارات السابقة، وطبقت نظاما أكثر انضباطا في تحصيل الضرائب والجمارك، وأبدت مرونة في التفاهمات التجارية مع دول الجوار.

غير أن إدارة الدولة اتسمت بمركزية شديدة تركزت في يد أمير المؤمنين ومجلس العلماء في قندهار، وهو ما خلق ثنائية واضحة بين التوجيهات الدينية الصادرة من الجنوب وأداء الأجهزة التنفيذية في كابل التي واجهت صعوبات في مواءمة تلك المراسيم مع متطلبات الحكم اليومي.

أثرت القيود الدولية المفروضة على السلطة الجديدة في تعطيل المسار الاقتصادي، إذ أدى تجميد أصول البنك المركزي في الخارج وفرض العقوبات المصرفية إلى شل حركة التجارة الخارجية، وترافق ذلك مع انقطاع المنح والمساعدات المالية الدولية التي كانت تدعم معظم الإنفاق الحكومي في عهد الجمهورية، مع بقاء مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة والاعتراف الدبلوماسي الشامل معلقا.

إعلان

وفي المشهد الأمني، انتقلت طالبان من صفوف التمرد إلى إدارة الأمن، فحققت انخفاضا كبيرا في معدلات العنف الجنائي، ولكنها واجهت تحديات مستجدة فرضها نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (ولاية خراسان) عبر استهداف المساجد والمسؤولين والمصالح الإقليمية، فضلا عن التوترات الحدودية المتكررة مع دول الجوار ونشاط بعض جيوب المقاومة المسلحة شمالي البلاد.

Taliban fighters sit on a tank in the main city of Kandahar, Afghanistan in this November 3, 2001 file photo. Almost five years after thousands of Taliban fighters fled Afghanistan to escape a U.S.-led invasion, Pakistan is still unable to shake off suspicions that it is allowing them to operate from its soil. REUTERS/Mian Khursheed/Files (PAKISTAN)
مقاتلو طالبان فوق دبابة في مدينة قندهار الأفغانية في 2001 (رويترز)

الإمارة الإسلامية عام 2026

شهد النصف الأول من عام 2026 تصعيدًا أمنيًا وعسكريًا لافتًا على الحدود بين أفغانستان وباكستان، على خلفية هجمات شنتها فصائل مسلحة مناهضة لإسلام آباد، وتبادل الطرفين الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد، وبدأت التوترات تتفاقم في فبراير/شباط 2026، رغم التوصل سابقًا إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار بين الجانبين في 18 و19 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

أدى ذلك إلى اندلاع اشتباكات حدودية واسعة وشن الطيران الباكستاني ضربات جوية طالت مدنا ومواقع داخل الأراضي الأفغانية، من بينها منشآت قرب مطار قندهار في مارس/آذار 2026، في ظل إعلان وزير الدفاع الباكستاني الدخول في حالة مواجهة مفتوحة مع سلطات طالبان.

تسبب هذا النزاع في استمرار الإغلاق شبه الكامل للمعابر الحدودية ووقف التبادل التجاري المباشر بين البلدين، مما حرم الأسواق الأفغانية من شريانها التجاري البري التاريخي، وفاقم معدلات التضخم ورفع تكاليف النقل والسلع الغذائية، وترافق ذلك مع ضغوط إضافية فرضتها عودة قسرية لمئات الآلاف من اللاجئين الأفغان من باكستان وإيران منذ مطلع العام.

تزامن هذا التوتر الحدودي مع حلول الذكرى الخامسة لعودة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2026، حيث واصلت الحركة ترسيخ سلطتها المركزية واحتكار السيطرة على الجغرافيا الداخلية وإدارة الموارد الذاتية، رغم اتساع الاحتياجات الإنسانية لنحو نصف السكان في ظل تراجع المنح الدولية وتجميد أصول البنك المركزي في الخارج.

وعلى المسار الخارجي، حافظت الحركة على نهج دبلوماسي واقعي مكنها من استثمار علاقاتها الاقتصادية ومشاريع الطاقة مع الصين ودول الخليج وآسيا الوسطى، مستفيدة من خطوة الاعتراف الرسمي الروسي بحكومتها في صيف 2025 وتوسيع التمثيل الدبلوماسي غير المشروط، غير أن الاعتراف الدولي الشامل ظل معلقا، وبقي مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة مجمدا، مع تصاعد الانتقادات الحقوقية والأممية بشأن استمرار حظر تعليم الفتيات وإقصاء النساء من العمل والفضاء العام وصدور مذكرات توقيف دولية بحق قيادات عليا في قندهار.

FILE PHOTO: Afghan Taliban fighters patrol near the Afghanistan-Pakistan border in Spin Boldak, Kandahar Province, following exchanges of fire between Pakistani and Afghan forces in Afghanistan, October 15, 2025. REUTERS/Stringer/File Photo
مقاتلو طالبان قرب الحدود الأفغانية الباكستانية عقب تبادل إطلاق نار بين القوات الباكستانية والأفغانية في 2025 (رويترز)

البنية والحكم

يمثل منصب أمير المؤمنين، الشيخ هبة الله آخوند زاده، رأس السلطة في طالبان بجمعه بين المرجعية الدينية والزعامة السياسية والعسكرية، ويستند إلى صلاحيات واسعة تشمل إصدار المراسيم الملزمة ذات القوة القانونية العليا، وتعيين وعزل الوزراء والقضاة والولاة وقادة الأمن، والمصادقة على الاتفاقات، وتحديد السياسات الكبرى.

وتتبلور القرارات الاستراتيجية من مقر إقامته في قندهار عبر مشاورات مغلقة مع مستشاريه من كبار العلماء وبعض أعضاء شورى القيادة (شورى الرهبري)، بعيدا عن الأطر الرسمية للحكومة في كابل، وتكتسب قوتها التنفيذية من مبدأ السمع والطاعة المستند إلى البيعة.

تتولى إدارة النظام ثلاثة أجهزة أمنية رئيسية، هي وزارة الداخلية المسؤولة عن الشرطة وضبط الحسبة، ووزارة الدفاع المعنية بالحدود ومواجهة حركات التمرد، والمديرية العامة للاستخبارات المختصة بحماية أمن النظام ومراقبة المعارضين.

وقد نجحت الإدارة في ضبط تحصيل الضرائب والجمارك ومكافحة الفساد المالي الصغير لتمويل النفقات التشغيلية والرواتب، غير أن شح الموارد، وتجميد الاحتياطيات الأجنبية، والعقوبات المصرفية الدولية حدت من قدرتها على تمويل مشروعات التنمية، ليقتصر دورها على تقديم الخدمات الأساسية بالحد الأدنى والاعتماد على وكالات الإغاثة الدولية لتغطية الاحتياجات الإنسانية.

تستند طالبان في تبرير سلطتها إلى خطاب ديني يرى في إقامة الإمارة وتطبيق الشريعة وحراسة دار الإسلام واجبا يغني عن الدساتير والانتخابات، معتبرة النصر العسكري تفويضا إلهيا يستوجب الطاعة.

إعلان

ويطبق القضاء الرسمي أحكام الفقه الحنفي حصرا عبر محاكم ابتدائية واستئنافية ترتبط بالمحكمة العليا وتصدر أحكاما ملزمة تنفذها الشرطة بما يشمل الحدود والقصاص، بعد إخضاع المجالس القبلية العرفية لرقابة القضاة لمنع أي أحكام تعارض الفقه.

Participants of the 7th meeting of the Moscow Format of Consultations on Afghanistan, including Russia's Foreign Minister Sergei Lavrov and Afghanistan's Taliban acting Foreign Minister Amir Khan Muttaqi, pose for a picture in Moscow, Russia, October 7, 2025. Russian Foreign Ministry/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVES. MANDATORY CREDIT.
اجتماع تشاوري بشأن أفغانستان في موسكو بحضور وزيري الخارجية الروسي (الرابع من اليمين) والأفغاني عن يمينه (رويترز)

الأيديولوجيا والسياسات والمواقف

تتبنى طالبان تصورا سياسيا ودينيا يقوم على مفهوم الإمارة الإسلامية بوصفها نظام حكم واجب وآراء المدرسة الديوبندية الحنفية، مع حصر السلطة والتشريع في شخص أمير المؤمنين استنادا إلى فتاوى كبار العلماء وإلغاء القوانين الوضعية والمؤسسات الديمقراطية، انعكس هذا التصور في فرض قيود اجتماعية مشددة.

أصدرت الحركة أيضا قانونا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتمد الحسبة الميدانية لمراقبة المظهر والسلوك الفردي، مع فرض رقابة صارمة على وسائل الإعلام والأنشطة المدنية التي غادر معظم نشطائها وقادتها البلاد، رغم ما تعلنه الحركة رسميا من أن هذه الإجراءات تنبع من خصوصية البيئة المحلية والضوابط الشرعية وليست موجهة ضد حقوق المجتمع.

اعتمدت الحركة في إدارتها الاقتصادية على تعظيم الجباية الذاتية ومكافحة التهرب المالي لتمويل أجهزتها، وأصدرت في أبريل/نيسان 2022 مرسوما بحظر زراعة الخشخاش وإنتاج المخدرات والاتجار بها، مما أدى إلى تراجع المساحات المزروعة بنسب تجاوزت 90% مقارنة بحظر عام 2000، غير أن ذلك كبد مئات الآلاف من المزارعين في الجنوب والشرق خسائر واسعة في ظل غياب الزراعات البديلة والدعم الدولي.

ترافق هذا التحول الاقتصادي مع إعادة تشكيل المنظومة التعليمية عبر التوسع في إنشاء شبكات المدارس القرآنية والشرعية، وإخضاع المناهج العامة لمراجعات ألغت منها المفاهيم المعارضة لرؤية الحركة الفقهية.

Ambassador of the Islamic Emirate of Afghanistan to Russia Gul Hassan Hassan attends a ceremony to present his letter of credence to Russia's President Vladimir Putin at the Grand Kremlin Palace in Moscow, Russia, January 15, 2026. REUTERS/Ramil Sitdikov/Pool
سفير أفغانستان لدى روسيا غُل حسن حسن (يسار) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالكرملين في 2026 (رويترز)

تنهج السلطة سياسة خارجية تفرق عمليا بين انتزاع الاعتراف الدبلوماسي الرسمي وبين فتح مسارات التعاون التجاري والأمني مع المحيط الإقليمي؛ فاستفادت من قرار روسيا بالاعتراف الرسمي بحكومتها في يوليو/تموز 2025، ووسعت تمثيلها الدبلوماسي عبر اعتماد سفراء ومبعوثين لدى الصين والإمارات وباكستان ودول آسيا الوسطى وإبرام اتفاقات في مجالات التعدين والطاقة والنقل، رغم بقاء مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة معلقا واستمرار العزلة الغربية والمقاطعة المالية.

وتربط الحركة دبلوماسيتها بتعهدات أمنية تقضي بعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد دول الجوار، غير أن علاقاتها الخارجية تواجه توترات مستمرة بسبب المخاوف الدولية من استمرار وجود عناصر تنظيم القاعدة والشكوك في حقيقة فك الارتباط معه، إلى جانب النزاعات الحدودية المتكررة وتبادل الضربات العسكرية مع باكستان، وضغوط الإعادة القسرية لملايين اللاجئين الأفغان، مما يبقي مسار الاندماج الدولي الكامل رهنا بالتنازل في ملفات الحقوق الداخلية والأمن الإقليمي.

المصدر: الجزيرة

إعلان