العقوبات الاقتصادية.. بين الضغط السياسي والكلفة الإنسانية

مجموعة من التدابير والإجراءات الاقتصادية التي تتخذها دولة أو منظمة أو هيئة دولية بحق دولة أو تنظيم أو كيان أو فرد، بهدف دفع الجهة المستهدفة إلى اتخاذ إجراءات أو اتباع سياسات معينة، أو ثنيها عن اتخاذها.
وتشمل العقوبات فرض قيود على التجارة الدولية مع الجهة المستهدفة، وقد تشمل حظر أنواع معينة من الأسلحة أو الطعام أو الأدوية أو المواد الخام، أو الحد من التصدير أو الاستيراد من البلد المستهدف.
وأصبحت العقوبات مع مرور الوقت إحدى أدوات السياسة الخارجية، ولا سيما لدى الدول الكبرى، إذ تُستخدم للضغط على الدول والجهات المستهدفة دون اللجوء إلى العمل العسكري. وتهدف عادة إلى التأثير في سلوكها، أو معاقبتها على سياسات ومواقف محددة، أو الحد من قدراتها، ولا سيما العسكرية.

نظرة تاريخية
ترجع الموسوعة البريطانية أحد أقدم الاستخدامات المسجلة للعقوبات الاقتصادية إلى عام 432 قبل الميلاد، حين فرضت أثينا عقوبات على مدينة ميغارا قبيل اندلاع الحرب البيلوبونيسية (431–404 قبل الميلاد). وجاء ذلك على خلفية خلاف بين المدينتين، إذ أرسلت أثينا مبعوثا إلى ميغارا للاحتجاج على اعتداء الميغاريين على أراضٍ عدّها الأثينيون مقدسة، غير أن الميغاريين قتلوا المبعوث. وردا على ذلك، فرضت أثينا حصارا تجاريا على ميغارا، ومنعتها من ممارسة التجارة في أي من موانئ الإمبراطورية الأثينية.
وألحق هذا الحصار أضرارا بالاقتصاد الميغاري واقتصادات حلفائها، ومن بينهم إسبرطة. ويرى عدد من المؤرخين الاقتصاديين أن الحصار أسهم في تصعيد التوتر بين أثينا وإسبرطة، ومهّد لاندلاع الحرب البيلوبونيسية.
وفي العصر الحديث استُخدمت العقوبات الاقتصادية في حالات عديدة، من أبرزها العقوبات التي فرضتها عصبة الأمم على إيطاليا عام 1935، بعد غزوها إثيوبيا.
ومنذ عام 1966، أنشأ مجلس الأمن أنظمة عقوبات بحق عدد من الدول والأطراف، شملت روديسيا الجنوبية، وجنوب أفريقيا، ويوغوسلافيا السابقة، وهايتي، وأنغولا، وليبيريا، وغيرها، إضافة إلى تنظيمات مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية وحركة طالبان.

الإطار القانوني
تمثل المادتان 39، و41 من ميثاق الأمم المتحدة الإطار القانوني الذي تستند إليه الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديدا في فرض عقوبات اقتصادية على دول معينة. فوفقا للمادة 39، يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملا من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقا لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.
وتنص المادة 41 على أنه لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب من أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئيا أو كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية.
"العقوبات الذكية "
نتيجة للأزمات الإنسانية التي تسببت فيها العقوبات الاقتصادية الشاملة في عدد من الدول، وما أثارته من انتقادات بشأن آثارها على المدنيين، تزايدت الدعوات إلى تبني تدابير أكثر استهدافا، عُرفت باسم "العقوبات الذكية " التي تستهدف أطرافا محددة، بدلا من فرض قيود اقتصادية شاملة تطال عموم السكان.
ويقصد بالعقوبات الذكية مجموعة من التدابير التي تستهدف القادة السياسيين والعسكريين والجهات المسؤولة بصورة مباشرة عن الأفعال أو السياسات التي فُرضت العقوبات على خلفيتها، مع الحد من آثارها على غيرهم. وتشمل هذه التدابير تجميد الأصول، وحظر السفر، ورفض منح التأشيرات، وغيرها من الإجراءات الموجهة.

أمثلة بارزة
وفيما يلي أبرز الحالات التي فرضت فيها عقوبات اقتصادية سواء من طرف مجلس الأمن الدولي، أو من طرف الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب:
- جنوب أفريقيا: فرضت الأمم المتحدة، في إطار جهودها للضغط على نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، سلسلة من العقوبات والإجراءات الدولية التي استمرت حتى انتقال البلاد إلى حكم غير عنصري مع انتخاب وتنصيب حكومة جديدة في مايو/أيار 1994.
- كوريا الشمالية: فرضت الأمم المتحدة عقوبات على كوريا الشمالية منذ عام 2006، على خلفية برامجها النووية والصاروخية واختباراتها المرتبطة بها. وشملت العقوبات إدراج أفراد وكيانات على قوائم الجزاءات، بما يترتب عليه تجميد أصولهم وفرض حظر دولي على سفرهم، لدورهم في تطوير البرامج النووية وبرامج الصواريخ الباليستية.
- إيران: منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وبعد ظهور المعلومات الأولى عن شروع إيران في برنامجها النووي بدأت الدول الغربية تتخذ تدابير لثنيها عن المضي في هذا البرنامج بمحاولة حرمانها من مصادر التمويل والتكنولوجيا.
وقد فرض مجلس الأمن الدولي أربع مجموعات من العقوبات ضد إيران في ديسمبر/كانون الأول 2006، ومارس/آذار 2007، ومارس/آذار 2008، ويونيو/حزيران 2010، كما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجموعات أخرى من العقوبات كانت أولاها تلك التي فرضتها أمريكا عقب اقتحام الطلاب الإيرانيين سفارة الولايات المتحدة في طهران واحتجازهم دبلوماسيين رهائن عام 1979.
وبدأ رفع العقوبات عن إيران عقب إقرار الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة "5+1 " والذي قضى برفع العقوبات المفروضة على طهران، وسمح لها بتصدير واستيراد أسلحة مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية، وقبولها زيارة مواقعها النووية، وتم توقيع الاتفاق في العاصمة النمساوية فيينا يوم 14 يوليو/تموز 2015.
وبموجب الاتفاق، التزمت واشنطن برفع العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي، دون أن يشمل ذلك العقوبات المفروضة على إيران على خلفية اتهامات بدعم الإرهاب وتطوير برنامج الصواريخ الباليستية. غير أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق عام 2018 وأعادت فرض العقوبات التي كانت قد رفعتها بموجبه.
كما أعادت الأمم المتحدة فرض عقوبات كانت قد رفعت على إيران عام 2025 عبر تفعيل "آلية الزناد " (سناب باك).
وعقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، أطلقت واشنطن في أغسطس/آب 2026 عملية "المنبوذ الاقتصادي " مستهدفة إيران والجهات "الداعمة " لها، وقال وزير الخزانة إن العقوبات الجديدة تستهدف 5 شرايين حيوية قال إن إيران تستغلها في دول أخرى، وهي: الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب وقطاع الطيران والشحن البحري.
- كوبا: فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية عليها عام 1962 بهدف الإطاحة بنظام الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو الذي كانت تنظر إليه أمريكا على أنه عدو ويشكل تهديدا للمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.
ومنذ عام 1992، تؤيد الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة قرارا سنويا يدعو إلى إنهاء الحظر الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا.
- العراق: فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على العراق بعد غزوه الكويت في عام 1990 إبان عهد الرئيس صدام حسين، كما قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون بفرض عقوبات اقتصادية موازية، واستمر خضوع العراق لتلك العقوبات حتى عام 2010 حين أقر مجلس الأمن إلغاءها رسميا رغم أن بعضها ألغي عمليا في الفترة التي تلت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.< / li>
وقد تسببت العقوبات الغربية على العراق في إلحاق أضرار اقتصادية وإنسانية وصحية وتعليمية بالغة، ووصفت تأثيراتها بالكارثية في المجالات الإنسانية، حيث أدت إلى وفاة أكثر من مليون ونصف المليون عراقي -من بينهم نحو نصف مليون طفل- وحرمت العراقيين لأكثر من عقد من الزمن الحصول على حاجاتهم من الغذاء والدواء.
ولتلافي جزء من تلك التأثيرات أطلق مجلس الأمن الدولي برنامج "النفط مقابل الغذاء " عام 1995، وهو القرار الذي سمح لبغداد ببيع كميات من نفطها مقابل حصولها على كميات من الغذاء.
- السودان: فرضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض سلسلة عقوبات اقتصادية على السودان صدرت إما بأوامر تنفيذية من الرئيس أو بتشريعات من الكونغرس الأمريكي، وهدفت إلى الضغط عليه لاتهامه، آنذاك، برعاية الإرهاب.
وبدأت أبرز تلك العقوبات في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1997 بقرار تنفيذي من الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية له، وألزمت الشركات الأمريكية والمواطنين الأمريكيين بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي معه.
واستمرت تلك العقوبات حتى أعلن البيت الأبيض في 13 يناير/كانون الثاني 2017 رفعا جزئيا لبعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم نتيجة لما وصفه بالتقدم الذي أحرزه السودان. وفي عام 2020 رفعت الولايات المتحدة رسميا تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب.