سهام بن سدرين حقوقية ضيقت عليها ثلاثة أنظمة تونسية

سهام بن سدرين، ناشطة حقوقية تونسية، وُلدت عام 1950 بمدينة المرسى، ودرست الفلسفة بفرنسا، كما تلقت تدريبا في الصحافة. عادت إلى تونس عام 1977، وبرزت صحفية وناشطة حقوقية معارضة لسياسات الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وتعرضت للاعتقال والملاحقة بسبب مواقفها.
في عام 2014، تولت رئاسة "هيئة الحقيقة والكرامة"، وقادت جهود الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان أثناء عهدي بورقيبة وبن علي، وأصدرت الهيئة تقريرها النهائي عام 2020. اعتقلت بن سدرين عام 2024 بتهم تتعلق بالتزييف قبل أن يُفرج عنها في 19 فبراير/شباط 2025.
المولد والنشأة
وُلدت سهام بن سدرين يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 1950 في مدينة المرسى شمال تونس العاصمة، من عائلة محافظة تضم 10 أشقاء. كان والدها قاضيا واشتهرت عائلة والدتها بمعارضة نظام بورقيبة.
تزوجت بن سدرين من الصحفي عمر المستيري، وأنجبا 3 أبناء.
الدراسة والتكوين العلمي
تلقت بن سدرين تعليمها الابتدائي والإعدادي والثانوي في تونس العاصمة، ثم انتقلت إلى فرنسا، ودرست الفلسفة في جامعة "تولوز لو ميراي"، كما استفادت من تدريب في مجال الصحافة.
التجربة العملية والحقوقية
عادت بن سدرين إلى تونس عام 1977، وعملت في صحف ومجلات عدة، واشتهرت بانتقادها نظام بورقيبة.
في عام 1978، أسست مع مجموعة من الناشطين الديمقراطيين "لجنة مساعدة ضحايا الاضطهاد في تونس". وفي عام 1979، أصبحت ناشطة في "حركة حرية الصحافة وحقوق المرأة"، وشاركت في تأسيس ناد لحقوق النساء.
كما انضمت إلى "اللجنة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، وتولت رئاستها في عام 1985.
عام 1980 ساهمت في إنشاء لجنة نسائية ضمن "الجمعية التونسية للصحفيين"، وبدأت العمل مراسلة في صحيفة "لو فار" المستقلة، ثم صحيفة "المغرب" التي أغلقت عام 1983.
بين عامي 1985 و1986، أسست مع مجموعة من النساء مجلة "نساء"، واعتُقلت بعد مشاركتها في مظاهرات عام 1985 احتجاجا على قصف إسرائيل مدينة حمام الشط التونسية لاستهداف قادة منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات.
وفي عام 1987 حُكم على بن سدرين بالسجن 6 أشهر بتهمة الانتماء إلى منظمة محظورة، قبل أن يصدر بحقها عفو لاحقا.
أسست عام 1989 دار "آركس" للنشر، لكنها أغلقت لاحقا بسبب مضايقات نظام بن علي. كما شاركت في تأسيس جريدة "الموقف" الناطقة باسم الحزب الديمقراطي التقدمي المعارض.
في يونيو/حزيران 1991، طالبت الحكومة التونسية بإعفاء بن سدرين من رئاسة لجنة حقوق الإنسان، بعد نشر اللجنة دراسة حول وفاة بعض السجناء في تونس تحت التعذيب.
وفي العام التالي، قررت السلطات حل اللجنة بسبب رفضها الامتثال لطلبها، وتعرضت بن سدرين لحملة تشهير في الصحف الرسمية.
انضمت بن سدرين في العام نفسه إلى اتحاد النساء الديمقراطيات التونسيات، ونشرت كتيبا حول حركة النساء المستقلات في تونس، لكن الحكومة صادرت جميع نسخه، كما صادرت جواز سفرها عام 1995 دون إبداء أسباب، ثم أعادته لاحقا بعد احتجاجات من جماعات حقوقية.
في نهاية عام 1998 أسست بن سدرين مع مجموعة من الحقوقيين "المجلس الوطني للحريات" في تونس، وكانت ناطقة باسمه، لكن نشاطه ظل محظورا حتى سقوط نظام بن علي.
كما أصبحت في العام نفسه مديرة دار "أسود على أبيض" للنشر، ولاحقها النظام السابق بسبب نشاطها الحقوقي، وصودرت منشوراتها، ومنعت دور الطباعة من التعامل معها، فأغلقت الدار بعد عام.
في العام التالي، أسست مع بعض المثقفين التونسيين والأوروبيين "اتحاد كتاب المتوسط وأوروبا"، وشاركت في تأسيس وكذلك مرصد حرية الصحافة والنشر والإبداع.
ترأست بن سدرين موقع وإذاعة "راديو كلمة" سنوات عدة، لكنها توقفت بسبب أزمة مالية، كما تعرضت لانتقادات بعد تسريح بعض الصحفيين.
وقد أكدت بن سدرين في تصريحات صحفية أن الإعلاميين والموظفين كانوا في البداية متفهمين للظروف المالية الصعبة التي تعيشها الإذاعة بسبب الحصار، لكن كثيرا منهم "انقلبوا" في مواقفهم "بعدما استغلتهم" جهات أمنية وإعلامية موالية لنظام بن علي، وفق تعبيرها.
عام 2000 اعتقلتها السلطات وتعرضت للاعتداء الجسدي، وفي العام التالي، اعتقلت مجددا في مطار قرطاج الدولي بعد إدانتها التعذيب والفساد وانعدام القضاء المستقل أثناء مقابلة مع محطة تلفزية أجنبية، وسُجنت شهرين.
وفي عام 2002، حصلت على منحة من مؤسسة هامبورغ الألمانية للأشخاص المضطهدين سياسيا، وعاشت خارج البلاد سنوات عدة.
ومع تزايد تهديدات السلطات المستمرة لبن سدرين وخشيتها على سلامتها، غادرت عام 2009 إلى المنفى وظلت فيه حتى الإطاحة بنظام بن علي في يناير/كانون الثاني 2011 بعد احتجاجات شعبية عُرفت بـ"ثورة الياسمين".
هيئة الحقيقة والكرامة
عام 2014 صادق المجلس الوطني التأسيسي التونسي (البرلمان) على تشكيل "هيئة الحقيقة والكرامة"، وترأستها بن سدرين، وأجرت مقابلات مع آلاف ضحايا عهد الرئيسين بورقيبة وبن علي.
وفي تقريرها النهائي، الذي نُشر عام 2020، دعت الهيئة، التي أحالت للقضاء ما لا يقل عن 173 ملفا، إلى "تفكيك نظام الفساد والقمع والدكتاتورية"، الذي قالت إنه لا يزال قائما داخل مؤسسات الدولة.
وفي الأول من أغسطس/آب 2024، أودعت بن سدرين سجن منوبة للتحقيق معها في 6 قضايا، من بينها اتهامها بتزييف التقرير النهائي للهيئة في الجزء المرتبط بنزاع الدولة التونسية مع البنك التونسي الفرنسي.
وقد نددت العديد من المنظمات المحلية والدولية باعتقالها، وطالبت بالإفراج عنها، مشيرة إلى تراجع حالة حرية التعبير في تونس في عهد الرئيس قيس سعيد.
وبالتزامن مع ذكرى ثورة يناير/كانون الثاني 2011، أعلنت بن سدرين بدء إضراب عن الطعام، مشيرة إلى أنها لم تعد قادرة على تحمل "الظلم" الذي سُلط عليها.
وقد تدهورت حالتها الصحية بعد إضرابها عن الطعام، ونقلت إلى أحد مستشفيات تونس العاصمة.
وفي 19 فبراير/شباط 2025، أفرج القضاء التونسي عن بن سدرين، غير أنها لا تزال ملاحقة في قضية "تزوير" جزء من التقرير النهائي للهيئة، كما أنها ممنوعة من السفر وفقا للمتحدث باسم محكمة الاستئناف.
وبعد الإفراج عنها من السجن، قالت بن سدرين "لا يمكنني إلا أن أكون سعيدة، لا أحد يريد أن يكون في هذه الحفرة".
المؤلفات والجوائز
ألفت بن سدرين العديد من الكتب، منها "رسالة إلى صديقة عراقية" عام 2003، و"أوروبا وطغاتها" عام 2004. ومنحت شهادة دكتوراة فخرية من جامعة بروكسل.
وحصلت الناشطة التونسية على العديد من الجوائز الدولية تقديرا لنضالها من أجل الحريات، ومنها:
- جائزة يوهان فيليب لحرية الإعلام عام 2002.
- جائزة حرية الصحافة الدولية عام 2004.
- جائزة صندوق السلام الدنماركي عام 2008.
- جائزة ابن رشد لحرية الفكر عام 2011.
- جائزة أليسون دي فورج من منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2011.
المناصب والمسؤوليات
- صحفية في صحف ومجلات عدة.
- رئيسة اللجنة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
- رئيسة دار "آركس" للنشر.
- ناطقة باسم المجلس الوطني للحريات.
- رئيسة دار "أسود على أبيض" للنشر.
- عضوة في مرصد حرية الصحافة والنشر.
- مديرة موقع وإذاعة "راديو كلمة".
- رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة.