أبيي.. بؤرة النزاع بين السودان وجاره الجنوبي

أبيي منطقة حدودية ذات وضع إداري خاص، تقع بين دولتي السودان وجنوب السودان، وتبلغ مساحتها نحو 10546 كيلومترا مربعا. تتميز بتنوعها السكاني بين قبائل دينكا نوق والمسيرية وغيرها، وتشكل موقعا غنيا بالمراعي وحقول النفط.
وهي من أبرز بؤر النزاع بين الخرطوم وجوبا عقودا طويلة، وظلت محل خلاف سياسي وأمني مستمر رغم الاتفاقيات والوساطات الدولية.
الموقع والمساحة
تقع منطقة أبيي -ذات الوضع الإداري الخاص- على الشريط الحدودي بين دولتي السودان وجنوب السودان، عند خط عرض 9°20’50” إلى 10°10′ شمالا، وخط طول 27°50′ إلى 29°00′ شرقا.
وتوجد المنطقة في الجزء الجنوبي الغربي من ولاية جنوب كردفان السودانية، وتحدها شمالا المناطق التي تسكنها قبيلتا المسيرية والرزيقات، وجنوبا مناطق قبيلة دينكا نوق وبحر العرب الواقع على بُعد نحو 50 كيلومترا، وغربا ولاية شمال بحر الغزال بجنوب السودان، وشرقا ولاية الوحدة بالجنوب، وغربا ولاية جنوب دارفور السودانية.
وتغطي منطقة أبيي مساحة قدرها 10546 كيلومترا مربعا، تتكون من صحراء وأراض زراعية وحقول نفط.

السكان
وفق التقديرات، بلغ عدد سكان منطقة أبيي حتى عام 2023 أكثر من 140 ألف نسمة، إضافة إلى عشرات الآلاف من النازحين داخليا.
وتقول مصادر إن عدد سكان المنطقة بلغ نحو 400 ألف نسمة، لكن النزوح والتشريد بسبب انعدام الأمن دفعا إلى انخفاض العدد إلى حوالي 250 ألف نسمة. ومع اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل/نيسان 2023، زاد عدد السكان نتيجة عودة النازحين واللاجئين والمهجرين داخليا.
ويقطن المنطقة أفراد قبيلة دينكا نوق، ويمارسون فيها الزراعة منذ فترة طويلة، إضافة إلى قبيلتي الرزيقات والمسيرية العربية، لكن سلطات جنوب السودان تقول إن المسيرية ليست مستقرة في أبيي، بل تهاجر إليها من أجل الرعي بضعة أشهر ثم تعود إلى السودان شمالا بقية السنة.
ويمتهن معظم سكان المنطقة من ذوي الأصول الأفريقية والعربية رعي الماشية وتجارة البضائع.
التاريخ
مع نهاية الحرب الأهلية السودانية الأولى، التي بدأت بتمرد حامية عسكرية من الجنوبيين في مدينة توريت عام 1955 وانتهت بتوقيع اتفاقية أديس أبابا في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري في مارس/آذار 1972، وُعد سكان منطقة أبيي بحقهم في إجراء استفتاء شعبي.
وكان الاتفاق قد خير السكان بين أن يظلوا جزءا من شمال السودان أو ينضموا إلى إقليم جنوب السودان الذي استحدث آنذاك وحصل على حكم ذاتي، واندلعت الحرب الأهلية الثانية عام 1983 بعد رفض نميري السماح بإجراء الاستفتاء في أبيي.
استمرت الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان 22 عاما، وكانت الحركة تقول إن إقليم الجنوب يعاني من التهميش وتطالب بنصيب أكبر في السلطة والثروة، وشهدت تلك الحرب فصولا دامية، إذ قتل وشُرد فيها مئات الآلاف.
ولإنهاء الحرب، وقع شمال السودان وجنوبه اتفاقية السلام الشامل في يناير/كانون الثاني 2005، التي تضمنت وقفا دائما لإطلاق النار وبروتوكولات لتقاسم السلطة والثروة وحل النزاع في جنوب كردفان وولاية النيل الأزرق، إضافة إلى آليات مراقبة دولية وفترة انتقالية مدتها 6 أعوام تنتهي باستفتاء لتقرير مصير الجنوب.
كما تضمنت الاتفاقية بروتكول حل النزاع في منطقة أبيي، الذي خطط لإنشاء ولاية جديدة تتمتع بوضع إداري خاص حتى إجراء استفتاء لتحديد الوضع النهائي، والذي كان سيسمح للسكان بتقرير ما إذا كانت المنطقة ستصبح جزءا من السودان أم من جنوب السودان.
وأنشأ بروتكول أبيي لجنة لتجديد ورسم حدود المنطقة، وبعد الاتفاق على أن يكون هذا التحديد "نهائيا وملزما"، رفضت الحكومة السودانية اقتراح اللجنة.
نزاع مستمر
أدى النزاع المستمر على حدود أبيي إلى اشتباكات مسلحة بين قوات الجيش السوداني وجيش تحرير شعب السودان. وفي الفترة بين عامي 2007 و2008، تسببت هذه الاشتباكات في نزوح نحو 25 ألف مدني من المنطقة.
أجرى الطرفان بعد ذلك مفاوضات اتفقا فيها على إحالة الأمر إلى هيئة تحكيم دولية. وفي 22 يوليو/تموز 2009، أصدرت محكمة التحكيم الدولية في لاهاي قرارها بشأن أبيي، بتقليص حدود المنطقة من 18500 كيلومتر مربع إلى 10 آلاف كيلومتر مربع.
واعتبرت المحكمة أن لجنة الخبراء المكلفة بترسيم حدود المنطقة تجاوزت المهمة الموكلة إليها، فألغت قرارها بشأن الحدود الشمالية والشرقية والغربية واعتمدت ترسيمها للحدود الجنوبية.
ومنح قرار المحكمة السودان السيطرة على حقلين كبيرين للنفط وأعطى حقلا واحدا صغيرا لجنوب السودان، كما قضى بحق قبيلة دينكا نوق الجنوبية في تملك غالبية الأرض، الأمر الذي اعترضت عليه قبيلة المسيرية التابعة للشمال، قائلة إنه حرمها من مناطقها التاريخية.
ومع تصاعد الخلافات بين الطرفيين بشأن المنطقة، طلب رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت من مجلس الأمن الدولي إنشاء منطقة عازلة بعرض 32 كيلومترا على طول الحدود بين الشمال والجنوب، وبعدها أعلنت الأمم المتحدة أنها أعادت نشر قواتها في أبيي.
ومع اقتراب استفتاء انفصال جنوب السودان، تركزت الأنظار على منطقة أبيي وسط مخاوف من أن يؤدي النزاع حول وضعها إلى عودة الحرب. وتوجه الجنوبيون إلى صناديق الاقتراع في 9 يناير/كانون الثاني 2011، وصوتوا لصالح الانفصال، الأمر الذي أدى لاحقا إلى ميلاد دولة جنوب السودان في يوليو/تموز 2011.
لكن التصويت حول وضع أبيي أُجّل بسبب الخلاف حول تعريف مصطلح "المقيم" في المنطقة، إذ إن قبائل المسيرية الرحل تمر عبرها موسميا، غير أن جنوب السودان يطعن في اعتبارهم "مقيميين فعليين".
وفي مايو/أيار 2011، سيطر الجيش السوداني على منطقة أبيي وأعلن رفضه الانسحاب قبل التوصل إلى ترتيبات جديدة، في حين حل الرئيس السوداني السابق عمر البشير مجلس المنطقة وأعفى جميع المسؤولين الإداريين.
قوة أممية
تسببت أعمال العنف في أبيي في نزوح أكثر من 110 آلاف شخص، معظمهم من قبيلة دينكا نوق. ووقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاق سلام مؤقتا في يونيو/حزيران 2011.
نص الاتفاق على نشر قوة أمنية مؤقتة قوامها 4500 جندي إثيوبي مدعومة من الأمم المتحدة، إضافة إلى انسحاب قوات الجيش السوداني والجيش الشعبي لتحرير السودان، وإنشاء إدارة مشتركة جديدة.
كما حافظ الاتفاق على حق دينكا نوق وغيرهم من "المقيمين" في أبيي بالتصويت في استفتاء تقرير الوضع النهائي، دون الخوض في تفاصيل من يحق لهم التصويت تحديدا، غير أن الاستفتاء لم يُجر.
ويوم 27 يونيو/حزيران 2011، أجاز مجلس الأمن الدولي نشر قوة لحفظ السلام في منطقة أبيي، واعتمد المجلس بالإجماع القرار رقم 1990 الذي أنشأ رسميا، مدة 6 أشهر، قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)، على أن تضم ما يصل 4200 عسكري و50 فردا من الشرطة، إضافة إلى الدعم المدني اللازم.
ومنح المجلس القوة تفويضا باستخدام "القوة" لحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني في أبيي، مؤكدا الحاجة إلى سرعة نشرها. وحث الأمين العام للأمم المتحدة حينئذ بان كي مون على "اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان التنفيذ السريع والفعال" للقرار.
وفي أواخر مايو/أيار 2013، زاد مجلس الأمن، بموجب قرار له، القوة العسكرية لتصل إلى 5326 جنديا لحفظ السلام، بناء على طلب حكومتي السودان وجنوب السودان.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2013، صوتت عشائر دينكا نوق في استفتاء شعبي من جانب واحد على الانضمام لجنوب السودان بنسبة بلغت 99.9%، في حين أعلن الاتحاد الأفريقي رفض أي إجراء أحادي لتحديد مصير تبعية المنطقة إلى جوبا أو الخرطوم.
ملف جامد
بعد عام 2013، انشغل جنوب السودان بالحرب الأهلية الداخلية بعد الانفصال عن الشمال. في حين ركز السودان بدوره على جملة من الملفات الداخلية، أبرزها الحرب في غرب البلاد وثورة عام 2018 التي أطاحت بنظام البشير.
ومع تصاعد الصراع الذي اندلع في السودان منتصف أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ضعفت الحكومة المركزية في الخرطوم، مما أدى إلى فراغات أمنية في المناطق الحدودية، بما فيها أبيي.
وأثناء مراقبة الوضع في المنطقة، لاحظت قوة (يونيسفا) وجود قوات من جنوب السودان داخل المنطقة، الأمر الذي أثار مخاوف من تصاعد حدة الصراع أكثر.
ودعت الأمم المتحدة في مايو/أيار 2024 حكومة جنوب السودان إلى سحب قواتها من منطقة أبيي بأسرع وقت ممكن، محذرة من أن بقاء هذه القوات يهدد بتأجيج التوترات في المنطقة.
وأشارت تقديرات منظمات الأمم المتحدة إلى أنه منذ اندلاع الحرب في السودان وصل أكثر من مليون لاجئ إلى مختلف مناطق جنوب السودان، بما فيها أبيي.
وتعيش أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين في أبيي في ظل ظروف صعبة من انعدام المأوى وسوء التغذية وغياب الدواء، في ظل تفشي الأمراض المعدية، بحسب منظمات دولية.
وزادت معاناة السكان مع اشتداد هطول الأمطار في أواخر أغسطس/آب 2025، إضافة إلى غياب المنظمات الإنسانية بسبب نقص التمويل.