ولاية النيل الأزرق.. إقليم الموارد والنزاع الممتد في السودان

إحدى ولايات السودان الواقعة في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد، وتتميز بتركيبة سكانية وثقافية متنوعة، إلى جانب موقع جغرافي جعلها ذات أهمية سياسية وأمنية، خصوصًا لامتدادها على الحدود مع إثيوبيا. كما تتمتع الولاية بموارد طبيعية وأراضٍ زراعية ومجاري مائية أسهمت في تشكيل أنماط الحياة والأنشطة الاقتصادية فيها.
وعلى الرغم من هذه المقومات، ارتبط تاريخ الولاية بجملة من التحديات السياسية والأمنية والتنموية، كان أبرزها النزاع المسلح الذي امتد لعقود، وما رافقه من مطالب بإنهاء التهميش السياسي والاقتصادي والعرقي.
الموقع والتقسيم الإداري
تقع ولاية النيل الأزرق في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان، وتتميز بموقع جغرافي مهم يجعلها حلقة وصل بين الأجزاء الجنوبية والوسطى من البلاد. تحدها ولاية سنار من الشمال، وجمهورية إثيوبيا الفيدرالية من الشرق والجنوب الشرقي، فيما تحدها دولة جنوب السودان من الغرب والجنوب.
إداريًا، تضم ولاية النيل الأزرق عددا من المحليات والمناطق، أبرزها الدمازين، عاصمة الولاية وأكبر مراكزها السكانية والخدمية، إلى جانب محليات الروصيرص، وقيسان، وباو، والكرمك، والتضامن، وود الماحي.

أرض الذهب والماء
تتميز ولاية النيل الأزرق بموارد طبيعية متنوعة تمنحها أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة، حتى عرفت بلقب أرض الذهب والماء. ويأتي نهر النيل الأزرق في مقدمة هذه الموارد، إلى جانب سد وخزان الروصيرص الذي يمثل ركيزة أساسية لتوليد الطاقة الكهربائية وري المشروعات الزراعية.
كما تمتلك الولاية مساحات واسعة من الأراضي الطينية الخصبة الصالحة للزراعة، إلى جانب الغابات الواقعة ضمن حزام السافانا الغنية، والتي توفر الأخشاب والصمغ العربي. وتزخر الولاية أيضا بثروات معدنية مهمة، يتركز جانب منها في جبال الأنقسنا بمحلية باو، وتشمل معادن مثل الكروم والرخام والغرانيت والمنغنيز والذهب، مما يجعل قطاع التعدين أحد أبرز مواردها الطبيعية والاقتصادية.
التنوع السكاني والقبلي
تتميز ولاية النيل الأزرق بتنوع سكاني وقبلي واسع، حتى وصفت بأنها "السودان المصغر"، لما تضمه من مكونات بشرية متعددة تختلف في أصولها وألسنتها وثقافاتها. ويقطن الولاية ما يزيد على مليون نسمة، ينتمون إلى إثنيات ذات أصول أفريقية وأخرى عربية.
وتُعد قبائل الفونج المكوّن الرئيس لسكان الولاية، وهي خليط من قبائل عربية وأفريقية، فيما تضم الخارطة القبلية أيضا قبائل الهمج والبرتا والأنقسنا والقمز والوطاويط والمابان واليوسا، إلى جانب قبائل الفلاتة (الفولاني) والبرنو التي وفدت من غرب السودان وانصهرت مع المكونات المحلية.
وعاشت هذه المجموعات في إطار من التعايش السلمي لعقود طويلة، كما ترتبط بعض القبائل الرعوية بعلاقات اجتماعية وجذور ممتدة عبر الحدود المشتركة مع إثيوبيا وجنوب السودان.

نزاع ممتد
تعود جذور النزاع في ولاية النيل الأزرق إلى مطالب بإنهاء ما اعتبره سكان الإقليم تهميشًا سياسيًا وعرقيًا واقتصاديًا من جانب السلطة المركزية. وفي هذا السياق، انخرط أبناء الولاية في صراع مسلح استمر نحو عقدين، ضمن تحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، ثم بقيادة مالك عقار، الذي تولى في مرحلة لاحقة منصب والي الولاية.
وفي عام 2005، شكلت اتفاقية السلام الشامل محطة رئيسية في مسار النزاع، إذ تضمنت بروتوكولًا خاصًا بالنيل الأزرق وجنوب كردفان، ونصت على آلية عُرفت باسم المشورة الشعبية، بهدف تمكين سكان الولايتين من التعبير عن مدى تلبية اتفاق السلام لتطلعاتهم، ومعالجة أوجه القصور في الترتيبات الدستورية والسياسية المنصوص عليها في الاتفاق.
غير أن الخلاف حول طبيعة المشورة الشعبية وآلية تنفيذها أصبح أحد أبرز مصادر التوتر السياسي؛ إذ رأت الحركة الشعبية أنها قد تشكل مدخلًا لتحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي أو تقرير المصير، بينما تمسكت الحكومة المركزية بأن المجلس التشريعي المحلي هو الجهة صاحبة الاختصاص في ممارسة هذه الآلية، مما أسهم في تعطيل تنفيذها وأبقى جذور الخلاف السياسي قائمة.
وفي سبتمبر/أيلول 2011، اندلعت اشتباكات بين القوات الحكومية والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، بعد ثلاثة أشهر من تجدد الصراع في جنوب كردفان، لتدخل الولاية مرحلة جديدة من المواجهة المسلحة.
وفي عام 2017، انقسمت الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال إلى فصيلين بسبب خلافات حول توجه الحركة، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف بين أتباع مالك عقار وعبد العزيز الحلو. وسيطر كل فصيل على أراضٍ في جنوب النيل الأزرق، مع سيطرة فصيل عبد العزيز الحلو على مساحة أكبر بكثير.

وشهد المشهد السياسي تحولًا ملحوظًا بعد تشكيل الحكومة الانتقالية في أغسطس/آب 2019. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، وُقعت اتفاقية جوبا للسلام، وكان مالك عقار، من الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، طرفًا فيها. وبموجب الاتفاق، أصبحت منطقة النيل الأزرق منطقة تتمتع بالحكم الذاتي، كما شهد مسار النزاع تحولًا نحو قدر من الهدوء النسبي.
وتزامن مسار السلام في عام 2020 مع صعود مالك عقار إلى منصب نائب رئيس مجلس السيادة السوداني. وبعد الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، استمر مالك عقار في قيادة حكومة النيل الأزرق، بينما واصل فصيل عبد العزيز الحلو السيطرة على أراضٍ في الجزء الجنوبي من الولاية.
تصعيد عسكري
تحولت ولاية النيل الأزرق في أغسطس/آب 2026 إلى واحدة من أبرز جبهات القتال في الحرب الدائرة في السودان، مع تصاعد العمليات العسكرية على نحو أثار مخاوف متزايدة من امتداد النزاع إلى خارج الحدود السودانية. وتركزت المواجهات بصورة خاصة في محوري الكرمك وقيسان، لما يتمتعان به من أهمية استراتيجية لقربهما من الحدود الإثيوبية.
وعلى الصعيد الميداني، احتدم القتال بين الجيش السوداني من جهة، وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية-شمال بقيادة جوزيف توكا من جهة أخرى. وأعلنت قوات الدعم السريع أثناء التصعيد سيطرتها على قاعدتي "بكوري وسركم" العسكريتين، في حين دفع الجيش السوداني بتعزيزات كبيرة إلى المنطقة، شملت لواء النخبة التابع لجهاز المخابرات العامة، في محاولة لتعزيز وجوده العملياتي واستعادة المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية على الشريط الحدودي.
وتزامن التصعيد العسكري مع توتر متزايد بين الخرطوم وأديس أبابا، على خلفية اتهامات متبادلة بشأن الدور الإثيوبي في القتال. فقد أعلنت الخرطوم إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة التي قالت إنها عبرت الحدود، واتهمت إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لشن هجمات داخل ولاية النيل الأزرق، فضلًا عن تسهيل تحركات مقاتلين مرتزقة.

ونفت أديس أبابا هذه الاتهامات بشدة، معتبرة أنها محاولة لتدويل الأزمة السودانية الداخلية. وفي المقابل، أشارت تقارير استخباراتية مستقلة، بينها تقارير مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، إلى رصد حشود عسكرية من مركبات ومعدات داخل قاعدة للجيش الإثيوبي في مدينة أصوصا القريبة من الحدود السودانية.
وألقى التصعيد العسكري بظلال ثقيلة على الوضع الإنساني في الولاية، بعدما طال الدمار البنية التحتية والمرافق الصحية، مع توقف نحو 80% من المرافق الصحية عن العمل. كما أدى القتال إلى موجات نزوح واسعة، إذ تجاوز عدد النازحين 90 ألف شخص في مخيمات محلية الكرمك، فيما فر أكثر من 12 ألف شخص من قيسان عبر القوارب إلى محلية ود الماحي. واضطر آلاف المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى عبور الحدود نحو الأراضي الإثيوبية هربًا من القتال، وسط ظروف إنسانية ومناخية قاسية فاقمتها الأمطار الغزيرة ونقص الإمدادات الأساسية.
التحديات الاجتماعية والخدمية
على الرغم من وفرة الموارد الطبيعية والاقتصادية التي يتمتع بها الإقليم، يواجه سكانه تحديات اجتماعية وخدمية متراكمة، في ظل أوضاع اقتصادية وتنموية صعبة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات الأساسية وظروف المعيشة، وأبقت قطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم، أمام فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية للسكان والإمكانات المتاحة.
ويعاني القطاع الصحي من تراجع في مستوى الخدمات ونقص في الإمكانات، بالتزامن مع انتشار عدد من الأمراض، من بينها الملاريا والتيفوئيد والبلهارسيا، ولا سيما بين الأطفال.

أما قطاع التعليم، فيواجه بدوره تحديات تتعلق بضعف تهيئة البيئة المدرسية ومحدودية الدعم المالي، إلى جانب ارتفاع معدلات التسرب الدراسي. وتبرز هذه المشكلة بصورة خاصة في المناطق الريفية شمال محلية الدمازين خلال مواسم حصاد الموز، إذ يضطر بعض الطلاب إلى ترك مقاعد الدراسة والمشاركة في العمل لمساعدة أسرهم في توفير احتياجاتها المعيشية.
وتُعد عمالة الأطفال والتسول من أبرز الظواهر الاجتماعية التي تفاقمت في الإقليم منذ ثمانينيات القرن العشرين، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، في مقدمتها الفقر الشديد وتداعيات الحروب والنزاعات المتكررة، فضلًا عن التفكك الأسري والنزوح من المناطق الريفية.