مالي.. أرض الذهب والإمبراطوريات الكبرى في غرب أفريقيا

جمهورية مالي، دولة تقع في غرب أفريقيا، شهدت بزوغ إمبراطوريات كبرى اتسعت حدودها التاريخية لتشمل معظم الدول المجاورة لها، كما اشتهرت بوفرة الذهب حتى أطلق عليها بعض المؤرخين والرحالة مملكة الذهب.
مهدت الحملات الاستكشافية الفرنسية غزو مالي في أواخر القرن الـ19، وبعد الاحتلال عام 1895 أُطلق عليها اسم "السودان الفرنسي"، ثم نالت الاستقلال ضمن اتحاد مع السنغال في يونيو/حزيران 1960، إلا أن اتحاد البلدين لم يصمد سوى 3 أشهر.
عانت مالي بعد استقلالها من الأحكام الاستبدادية والانقلابات العسكرية التي ظلت بالمرصاد للتجربة الديمقراطية، وأنهكها الصراع في إقليم أزواد بالشمال الذي اتسعت أطرافه ليشمل مزيدا من القوميات ويأخذ أبعادا إثنية ودينية.
المعلومات الأساسية
الاسم: جمهورية مالي.
الاسم المختصر: مالي.
العاصمة: باماكو.
تاريخ الاستقلال: 22 سبتمبر/أيلول1960 عن فرنسا.
النظام السياسي: جمهوري.
العملة: الفرنك غرب أفريقي.
اللغة: الفرنسية (الرسمية) إضافة إلى بامبارا وبيول ودوغون والسونيكي ومالينك ودجرما ومينيانكا وتماشيق وسينوفو، فضلا عن لغات أخرى.
المساحة: 1.240.192 كيلومترا مربعا.
الموارد الطبيعية: الملح والجبس والفوسفات والغرانيت والمعادن.
المناخ: يتراوح بين المداري والجاف.

الموقع
تقع جمهورية مالي في غرب أفريقيا وتحدها شمالا الجزائر وشرقا النيجر وجنوبا النيجر وبوركينا فاسو وكوت ديفوار وغينيا وغربا السنغال وموريتانيا.
السكان
التعداد: بلغ عدد سكان جمهورية مالي نحو 24.5 مليون نسمة حسب تقديرات 2024، بعد أن كان العدد نحو 23.7 مليونا في 2023 و23.07 مليونا في 2022.
التوزيع العرقي: 50% ماندي،17% بيول، 12% فولتاليك، 6% سنغاي، 10% طوارق وعرب،5% آخرون.
الديانة: 94.8% مسلمون، 2.4% مسيحيون، 2% وثنيون، 0.5% لا دين لهم، 0.3% غير محدد.
الاقتصاد
بلغ الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 إلى 26.59 مليار دولار أميركي بعد أن كان 24.62 مليار دولار في 2023 و22.37 مليار دولار في 2022.
وبلغ الناتج الفردي السنوي نحو 908.08 دولارات في 2024 فيما كان عام 2023 نحو890.61 دولارا و876.17 دولارا في 2022.
أما نسبة البطالة فقد وصلت إلى 3.5% في 2024، مقابل %2.96 في 2023 و2.39% في 2022.

ووصل التضخم إلى 4.9% في ديسمبر/كانون الثاني 2024، في حين كان في عام 2023 نحو 2.06% و9.62% في 2022.
وبلغ الدين الخارجي 6.46 مليارات دولار أميركي عام 2023. ومن أهم المنتجات التي يعتمد عليها اقتصاد البلاد الفوسفات والذهب وتربية الماشية والقطن والدخن والأرز والذرة والخضراوات.
التاريخ
على الرغم من شح المعلومات المتوفرة حول المنطقة في فترة ما قبل القرن السابع الميلادي، فإن الأبحاث الأثرية تشير إلى وجود استيطان بشري في أرض مالي منذ الألفية الخامسة قبل الميلاد.
وارتبط تاريخها بـ3 إمبراطوريات اتخذت من أرض مالي وجوارها القريب مركزا وامتدت من نهر النيجر شرقا وحتى المحيط الأطلسي غربا، وضمت أجزاء من الأراضي الواقعة في دول موريتانيا وغامبيا والسنغال وغينيا وكوت ديفوار وبوركينا فاسو.
والإمبراطوريات الثلاث هي:
إمبراطورية غانا: وتشكل قبائل السوننكي أهم مكونات هذه الإمبراطورية التي امتدت بين القرنين الـ7 والـ12 الميلاديين، حتى أسقطتها الدولة المرابطية، وهي حركة إصلاحية إسلامية ظهرت في الصحراء الكبرى في منتصف القرن 11 الميلادي.
وحكمت إمبراطورية غانا المناطق الجنوبية لمالي وموريتانيا وشرق وشمال السنغال، كما امتدت شرقا حتى نهر النيجر وجنوبا نحو بوركينا فاسو وكوت ديفوار وغينيا.

وكانت العاصمة التاريخية لغانا مدينة كومبي صالح الواقعة في الجنوب الشرقي من موريتانيا، وكانت مركزا تجاريا هاما في طريق قوافل الذهب والملح ومحط رحال التجار الأمازيغ والعرب القادمين من الشمال الذين كان لاختلاطهم بشعوب المنطقة دور بارز في نشر الإسلام.
إمبراطورية مالي: وأسستها قبائل المادنغو أو المانديغ المسلمة، وامتد نفوذها من القرن الـ13 الميلادي وحتى الـ16، وتُوصف بأنها وريثة لإمبراطورية غانا.
كانت عاصمتها نياني وأصبحت كانغابا ثم تمبكتو، وبسبب كثرة الذهب بأرضها أطلق عليها بعض المؤرخين والرحالة "مملكة الذهب".
ومن أشهر قادة إمبراطورية مالي مانسا موسى بن أبي بكر، الذي وصفته بعض المصادر التاريخية بأنه أغنى رجل في التاريخ، إذ حج عام 1324 وهو يحمل كميات كبيرة من الذهب، كما مر بمصر وعاش بها فترة من الزمن والتقى السلطان المملوكي الناصر محمد. وينقل المؤرخون أن إنفاقه للذهب تسبب في انخفاض قيمته بمصر.
وتفككت إمبراطورية مالي مطلع القرن الـ15 بسبب الصراعات بين قبائل الشمال والجنوب.
إمبراطورية السونغاي: أسستها قبائل السونغاي، وتعود جذورها إلى القرن الـ11 الميلادي، لكنها اشتهرت بدءا من القرن الـ15 وحتى أواخر القرن الـ16.
ورثت أرض إمبراطورية مالي، وكانت مدينة غاو عاصمتها في عهد سوني علي الذي حكم في الفترة من عام 1464م إلى 1492م فعرفت الإمبراطورية أوج ازدهارها، حتى أصبحت توصف بأنها أكبر الإمبراطوريات في تاريخ المنطقة.
وفي أواخر القرن الـ16، سقطت إمبراطورية السونغاي أمام الحملات المتتابعة لجيوش السلطان المغربي أحمد المنصور السعدي التي قاد أولاها جودر باشا عام 1591م.
بعد تفكك إمبراطورية السونغاي، ظهرت في أرض مالي ممالك أصغر، من أشهرها:
بمبارة: وهي مملكة وثنية عرفت أوج قوتها في القرنين الـ17 والـ18، وكانت عاصمتها سيغو وامتد نفوذها بين باماكو وتمبكتو وجنو وماسينا.
ماسينا: أسسها القائد الفلاني أحمد لبّو في القرن الـ19، وتشير بعض الروايات إلى أنه قاتل سابقا ضمن جيوش إمارة سوكوتو الإسلامية بنيجيريا، ثم عاد إلى بلاده وثار على ممملكة بمبارة وتمكن من إبعادها عن مناطق ماسينا، فأسس مملكته وبنى عاصمتها "حمد الله".
مملكة التكرور: أسسها الحاج عمر تال الفوتي عام 1854 في غينيا، وتوسع نحو مملكة بمبارة في مالي، فسيطر على عاصمتها سيغو عام 1961، ثم احتل الفرنسيون سيغو في عهد نجله أمادو تال عام 1890.
أما المنطقة الصحراوية في شمال مالي فقد ظلت موطن شعب الطوارق الرحل الذين يحكمهم نظام اجتماعي مبني على تراتبية وظيفية وتحالفات قبلية كبرى.
حقبة الاستعمار الفرنسي
يعود تاريخ الاهتمام الفرنسي بأرض مالي إلى رحلة المستكشف رينيه كاييه، الذي جاب مناطق واسعة من مالي وموريتانيا ووصل إلى تمبكتو عام 1828.
وتجددت الحملات الاستكشافية الفرنسية عام 1863 مع الحملة التي أرسلها الحاكم الفرنسي لمستعمرة السنغال لويس فيديرب، ومهدت لغزو مسلح لأرض مالي في 1880م.
وفي عام 1895 أصبحت مالي مستعمرة فرنسية ضمن ما يُعرف بإقليم السنغال العليا والنيجر، وضمت أجزاء من شمال بوركينافاسو وغرب النيجر وشرق موريتانيا، ثم أصبحت تعرف بالسودان الفرنسي عام 1920، وأعيد ترسيم حدودها لاحقا.
وبعد صدور قانون الجمهورية الفرنسية الرابعة عام 1946، ثم القانون الإطار الذي منح سلطات أوسع للمستعمرات تمهيدا لاستقلالها، كان السياسي المالي موديبو كيتا يطمح إلى إنشاء اتحاد فيدرالي كبير في غرب أفريقيا، ونجح في توقيع اتحاد مع السنغال عام 1959.
نال الاتحاد الاستقلال عن فرنسا في 20 يونيو/حزيران 1960، لكنه تفكك بعد نحو شهرين فأعلنت مالي استقلالها في 22 سبتمبر/أيلول 1960، وأصبح كيتا أول رئيس يحكم البلاد.

من الاستبداد إلى التناوب الديمقراطي
انتهج الرئيس كيتا الاشتراكية وتحالف مع الاتحاد السوفياتي والصين، ورفع شعار الوحدة الأفريقية ومناهضة الاستعمار، كما أصدر عملة وطنية خاصة بدلا من الفرنك الأفريقي.
وفي عام 1961، شهدت البلاد ثورة الطوارق الأولى بعد الاستقلال، فواجهها نظام كيتا بقمع شديد أدى إلى نزوح واسع للطوارق نحو دول الجوار.
ومع منتصف ستينيات القرن الـ20، كانت البلاد تعاني من الانهيار الاقتصادي والاستبداد السياسي، وهو ما قاد إلى انقلاب عسكري في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1968 بزعامة الملازم موسى تراوري.
رغم وعوده بإعادة السلطة إلى المدنيين، فرض تراوري نظام الحزب الواحد وسجن المعارضين وحكم بقبضة من حديد طيلة 23 عاما، ثم أطاح به انقلاب عسكري قاده الجنرال آمادو توماني توري في 26 مارس/آذار 1991.
سلم توري السلطة إلى المدنيين عقب انتخابات رئاسية فاز بها المرشح ألفا عمر كوناري في 26 أبريل/نيسان 1992، وأكمل ولايتين متتاليتين، ثم عاد توري إلى الرئاسة عبر الانتخابات عام 2002.
عودة الانقلابات
لم يكمل توري ولايته الثانية حتى أطاح به انقلاب عسكري قاده الرائد أمادو هايا سانوغو أواخر مارس/آذار 2012، تزامنا مع تمرد الطوارق في إقليم أزواد، مما أدى إلى مزيد من الهزائم أمام المتمردين.
فبعد أيام من الانقلاب أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلال إقليم أزواد. لكن الجماعات الجهادية الموجودة في الإقليم منذ تسعينيات القرن الـ20 سيطرت هي الأخرى على مناطق من أزواد ودخلت في مواجهات مع المتمردين الطوارق.
وعقد ذلك أزمة الشمال وقاد إلى تدخل عسكري أممي برئاسة فرنسا، بينما قاد المسار السياسي إلى تنظيم انتخابات رئاسية فاز فيها إبراهيم بوبكر كيتا في أغسطس/آب 2013.
ورغم نجاحه في التوصل إلى اتفاق مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد في مايو/أيار 2015 ودمج قادة الحركات المسلحة في الحكومة، واجهت البلاد في عهده أزمات عديدة واتهم بالتغاضي عن الفساد وسوء الإدارة.
وفي 18 أغسطس/آب 2020 أطاح انقلاب عسكري بقيادة الجنرال آسيمي غويتا بالرئيس كيتا. وبعد مفاوضات بين المجلس العسكري مع القوى السياسية في مالي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، تم التوصل إلى تعيين وزير الدفاع السابق والعقيد المتقاعد باه نداو رئيسا انتقاليا.
لكن غويتا أطاح بالرئيس الانتقالي في انقلاب ثان يوم 25 مايو/أيار 2021، واتهمه بالفشل في أداء مهامه.