خط "تازارا" في عامه الـ50..بانتظار استثمارات الصين
دار السلام، تنزانيا - كابيري مبوشي، زامبيا
في محطة قطار دار السلام، جلس مئات الركاب بين أكوام الأمتعة، وسط هبوب نسمة هواء ناعمة عبر النوافذ المفتوحة. قبل وقت قصير من موعد المغادرة المجدول في الساعة 3:50 مساء على متن قطار "موكوبا إكسبرس" التابع لهيئة السكك الحديدية تنزانيا-زامبيا (TAZARA)، سمع نداء عبر مكبر الصوت يقول: القطار سيغادر بتأخير مدته ساعتان.
استنكار جماعي انتشر بين الحشد، وتحت سقف المحطة المرتفع، تسابقت طيور الحمام ذهابا وإيابا، للاختباء في ثقوب بلاطات السقف المتعفنة. في الواقع لم يفاجئ التأخير أحدا من الركاب، بالنظر إلى خدمة القطار غير الموثوق بها، حيث إن تأخير ساعتين لقطار تازارا يعني عمليا أنه سيتحرك على الوقت.
تمتد سكة حديد تازارا من أكبر مدينة تنزانية، مرورا بمرتفعات البلاد الجنوبية وتعبر مقاطعات النحاس في زامبيا على الحدود، ليصل أخيرا إلى بلدة كابيري مبوشي على بُعد حوالي 1860 كيلومترا (1156 ميلا). إنها رحلة، يجب أن تستغرق حوالي 40 ساعة، وفقا للجداول الرسمية.
بالنسبة للركاب المنتظمين، هي طريقة رخيصة للوصول إلى أجزاء من البلاد ليست قريبة من الطرق السريعة الرئيسية. أما بالنسبة للسياح الأجانب، فهي طريقة فريدة لرؤية مناظر تنزانيا بعيدا عن المدن الصاخبة ومتنزهات السفاري المزدحمة، بشرط ألا يكونوا في عجلة من أمرهم. تبلغ تكلفة حجرة النوم من الدرجة الأولى طوال الطريق إلى مبييا -وهي مركز سفر وبلدة حدودية شرقي زامبيا، محاطة بالجبال الخضراء ومزارع القهوة- ما يزيد قليلا عن 20 دولارا.
في 2025، احتفل خط السكك الحديدية بالذكرى الـ50 لتأسيسه، لكنه طوال سنوات وجوده، كافح بحثا عن استثمارات أجنبية لتغطية كلفة أعمال الصيانة الأساسية وفشل في نقل البضائع التي بُني من أجلها. وقد أدى عدم الصيانة المنتظمة والاستثمارات المحدودة فيها إلى تدهور بنيته التحتية واستهلاك عرباته من كثرة الاستخدام.
من الصعب تحديد توقيت معين لأي رحلة على خط تازارا، بسبب التأخيرات والأعطال التي تعرقل كل رحلة. تعد حالات خروج العربات عن مسارها شائعة بسبب التحميل السيئ أو تدهور المسارات، وتشيع كذلك الحوادث العرضية، ففي أغسطس/آب الماضي، أُلغيت الخدمة بعد أن اصطدم قطار ركاب بجاموس إفريقي أثناء مروره عبر متنزه مواليمو جوليوس نيريري الوطني في تنزانيا.
لكن منذ بداية عام 2025، ابتُلي تازارا بحوادث أكثر خطورة -وحتى مميتة- كشفت الحاجة الملحة لتجديد البنية التحتية المتهالكة وإدارة السلامة. ففي أبريل/نيسان، خرجت قاطرتان كان يتم نقلهما من زامبيا إلى ورشة في مبييا للإصلاح عن المسار عند جسر في جنوب تنزانيا، مما أسفر عن مقتل السائقين.
بعد شهرين، أي في يونيو/حزيران، خرج قطار عن مساره في زامبيا. وعندما وصل قطار "الإنقاذ" الذي أُرسل لمساعدته اصطدم به. أسفر الاصطدام عن مقتل موظف وإصابة 10 آخرين و19 راكبا، وفقا لبيان صحفي أصدرته هيئة السكك الحديدية.
وبعد الإشارة إلى "تحديات تشغيلية غير متوقعة"، تم تعليق خدمة الركاب لفترة وجيزة في أوائل سبتمبر/أيلول. واتضح أن القاطرات القليلة التي يمكن أن تشغلها تازارا، كانت عالقة في تنزانيا، بعد أن ألحقت النار أضرارا بواحد من مئات الجسور الواقعة على طول المسار.
غير أن تحسينات كبيرة لاحت في الأفق، بفضل استثمار مصدره شركة الصين للهندسة المدنية والإنشاءات (CCECC)، التي تعهدت بمبلغ 1.4 مليار دولار لتجديد خطوط تازارا القديمة على مدى السنوات الثلاث المقبلة. وعلى الرغم من أن خدمة الركاب ستستمر -حسبما ورد في الاتفاقية- فإن أعمال البناء ستتطلب بعض التوقفات، أثناء تنفيذ المشروع.
وستنفق معظم الأموال على إصلاح السكة الحديدية، ولكن سيتم تخصيص 400 مليون دولار لـ32 قاطرة جديدة و762 عربة، مما "يزيد بشكل كبير من قدرة نقل البضائع والركاب"، وفقا لبيان تازارا. وبدورها، ستحصل الشركة الحكومية الصينية على امتياز لمدة 30 عاما لتشغيل سكة حديد تازارا واسترداد استثماراتها قبل إعادة إدارة الأمور اليومية إلى السلطات التنزانية والزامبية.
في يوم من أيام أواخر فبراير/شباط، وصل القطار أخيرا إلى محطة دار السلام، حيث صعد الركاب المتحمسون. توجه ركاب الدرجة الأولى، ومعظمهم من السياح، إلى مقصورات النوم الخاصة بهم، ثم تبعهم ركاب عربات النوم من الدرجة الثانية، وأخيرا حشود ركاب الدرجة الثالثة، الذين كانت مقاعدهم هي أسرتهم للساعات أو الأيام القادمة من الرحلة.
في الداخل، كان هواء القطار حارا جدا، حيث لم يكن هناك كهرباء لتشغيل المراوح أثناء توقفه، والنوافذ لم تكن تبقى مفتوحة. فوضع بعض الركاب زجاجات مياه فارغة في أطر النوافذ لإبقائها مفتوحة قليلا بحثا عن نسمة هواء.
قبل غروب الشمس بقليل، ومع قليل من التحذير، أطلق القطار بوقه، وبدأت العربات تتحرك بعد سلسلة من القرقعات المعدنية العميقة. تحرك القطار ببطء خارج المحطة وبدأت عجلاته في التسارع. وبعد تأخير قدره ساعتان ونصف، انطلق قطار تازارا على الطريق.
بالنسبة لأولئك الموجودين على متنه، كانت أطراف مدينة دار السلام تمر ببطء في حين يتحرك القطار نحو الغرب باتجاه غروب الشمس. راقب الركاب المزارع الصناعية تتحول إلى مستوطنات غير منظمة من منازل الصفيح، ومحلات الحلاقة. كان الأولاد يلعبون كرة القدم على ملاعب مغبرة، تلقي ظلالهم الطويلة تحت الضوء، في حين يتحول لون الريف من الذهبي إلى الأزرق مع غروب الشمس.
بعد عقود من الخدمة، ظهرت على تازارا علامات تقدمها في العمر. المقاعد الصلبة ممزقة ومتشققة، والطلاء متقشر وباهت، وكل سطح يحمل آثار الاستخدام الطويل، وهي ملامح إهمال مألوفة في الدول النامية البعيدة عن أيام تألقها في حقبة ما بعد الاستعمار.
في السبعينيات، استثمرت الحكومة الصينية في مشروع تازارا -عندما لم تكن الدول الغربية مستعدة لذلك- كلفتة رمزية تجاه الدول المستقلة حديثا بعد الاستعمار، على أمل نشر حسن النوايا والفكر الشيوعي من خلال التعاون والتنمية. لكن الآن باتت المشاريع البنية التحتية مرتبطة بشكل أكثر وضوحا بجدواها المالية. السباق للحصول على النحاس في زامبيا لتغذية تطوير التكنولوجيا الخضراء والسيارات الكهربائية وغيرها يعني أن إصلاح تازارا وزيادة موثوقيتها ستسهل تدفق خام النحاس إلى الموانئ والمصانع الصينية.
على مر حياتها، لم تحقق تازارا الأداء المنشود منها، حيث تنقل جزءا صغيرا فقط من طاقتها المصممة لنقل 5 ملايين طن من البضائع سنويا حاليا، يبلغ هذا الرقم حوالي 500 ألف طن فقط. مع التحسينات المخطط لها، يأمل المستثمرون الصينيون في مضاعفة هذا العدد 4 مرات لنقل مليوني طن من البضائع سنويا على طول السكك الحديدية.
يستخدم العديد من التنزانيين القطار لأغراض تجارية أيضا، ولكن بمقدار أقل بكثير. تتيح قطارات الركاب مساحة للنقل، ويمكن بسهولة إرسال البضائع الرخيصة من دار السلام إلى البلدات والقرى على طول الخط.
بالنسبة لجوناثان نغوندو -وهو رجل تنزاني في أواخر الثلاثينيات من عمره- يعد ركوب قطار تازارا جزءا من عمله، كما قال. على الرغم من أنه يكسب رزقا جيدا كموظف حكومي في العاصمة دودوما، فإنه مثل العديد من المحترفين، لديه عمل إضافي، مزرعة أرز ومستودع مليء بمحصول العام الماضي ينتظر في كيساكي، التي تقع على طريق القطار.
"يمكنني تخزين الأرز في منشأة تخزين حتى تتحسن الأسعار"، قال موضحا. "ثم أستقل القطار للإشراف على البيع والشحن". تازارا وسيلة اقتصادية للوصول إلى وسط البلاد، وأكثر متعة من الحافلة، أضاف جوناثان.
عبر الممر، كان جوالي، وهو رجل في أوائل العشرينيات من عمره، يغادر دار السلام بعد أن تخلى عن البحث عن عمل في المدينة ليعود إلى بلدته الريفية الأقل ازدحاما، حيث يأمل هو وشقيقه في العثور على عمل.
مع حلول الليل، كان هناك صوت جديد يُسمع في عربة الطعام، يتنافس مع ضجيج القطار: موسيقى "بونغو فلافا"، المفضلة لدى التنزانيين. الركاب حولوا الفضاء إلى عربة حفلات، حيث كان الكثيرون يرقصون ويغنون في الممرات. في نهاية العربة، كانت الأمور أكثر هدوءا، مع الركاب الأكبر سنا الذين كانوا يتناولون الدجاج المطهي وأوجالي، الأكلة المحلية المصنوعة من دقيق الذرة، يشاهدون باندهاش الحفلة في حين يغني المحتفلون أغانيهم المفضلة.
في مقصورة قريبة، كان عثمان، وهو طالب شاب يدرس في جامعة في دار السلام، يحتسي شايه "أنا ذاهب لزيارة والديّ بالقرب من إفاكارا"، قال. "القطار هو الخيار الأرخص".
مثل العديد من الركاب، كان عثمان يقوم بهذه الرحلة بانتظام، كبديل للحافلات التي تسير عبر الطرق السريعة التنزانية بسرعة فائقة.
بعد أن أنهى شايه، اعتذر للعودة إلى مقصورته، وكانت عيونه تتنقل إلى حفلة تقام في نهاية العربة.
حوالي الساعة الحادية عشر مساء، دخل القطار إلى كيساكي، وهي بلدة صغيرة جنوب متنزه ميكومي الوطني، على بعد حوالي 283 كيلومترا (175 ميلا) غرب دار السلام.
على الرغم من الساعة المتأخرة، كان الساحة مليئة بالحياة تحت أضواء ساطعة. نساء يرتدين تصاميم قماش "كيتنجي" التقليدي (نسيج قطني أفريقي تقليدي ملون) يحملن صواني على رؤوسهن، المشروبات الباردة والعصائر التي تعرق تحت الأضواء، مراهقون يحملون صواني الدجاج المشوي والموز يشدون ويجذبون بضائعهم، وعلى رؤوسهم ثبتت مصابيح مضيئة مثل مصابيح رأس مؤقتة لإضاءة الطعام المعروض.
الزبائن مدوا أيديهم من نوافذ القطار، يتبادلون أوراق الشلن المجعدة من وسط مقاعدهم للحصول على مشروب.
ركاب آخرون خرجوا إلى الساحة لفترة وجيزة لتمرين أرجلهم، يتحركون عبر الزحام، يشترون وجبات خفيفة ويستنشقون الهواء الليلي النقي.
بعض السياح الأوروبيين من عربات النوم ألقوا نظرة على المشهد، لكنهم قرروا بسرعة أنه أكثر صخبا مما يتوقعون وعادوا إلى أجزاء القطار الهادئة. بحلول الساعة الواحدة صباحا، كانت الرؤوس تستند إلى الطاولات، وكان صوت المراوح هو المتبقي من الحفلة.
في عربات الدرجة الاقتصادية، كان الركاب يتكومون وفق أي وضعية يمكن لمقاعدهم أن تتيحها، محاولين الحصول على ساعات من النوم.
عندما دخل القطار إلى إفاكارا، الواقعة في منطقة موروجورو بتنزانيا، في ساعات الصباح الأولى، استيقظ نغوندو لأخذ حقيبته، مودعا رفاقه في السفر وأصدقاءه الجدد.
مع وعود بالبقاء على تواصل ودعوات للجميع لزيارته في دودوما، تنحى واختفى في الحشد.
كانت الرحلة ناجحة منذ بدئها في تجنب الاضطرابات الكبيرة. فبعد ليلة متقطعة على مقاعد غير مرنة، استيقظ الركاب على فجر أرجواني يضيء خلف الأشجار المنتشرة على التلال خارج مشومبي، بمنطقة موروغورو.
واصل القطار سيره عبر الغابة الكثيفة مع خيوط الفجر الأولى، مقدما مشهدا متنوعا من درجات الأوراق الخضر. عند وقوف طويل بمحطة مليمبا، قدم طاقم عربة الطعام الإفطار المكون من الشاي، وحساء اللحم البقري الساخن، والشباتي، وهو خبز مسطح شعبي.
كان الهواء كثيفا تحت شمس الصباح الحارقة، وكان الركاب الذين لم ينزلوا خلال الليل يتحركون ببطء.
رحلة اليوم الطويلة تضمنت مغادرة الأراضي المشجرة بوسط تنزانيا وتسلق الجبال المغطاة بالغابات، عبر المرتفعات الجنوبية.
مناظر مذهلة، تترافق مع مسار السكك الحديدية الضيق الذي يلتف عبر الغابة الكثيفة ويمر فوق الأخاديد العميقة، حيث تجري الأنهار بين الصخور. هنا بنيت سلسلة من 18 نفقا لهذا الجزء القصير نسبيا من المسار استغرق العمل لإنجازها الجزء الأكبر من أوائل السبعينيات، حيث قام العمال الصينيون والتنزانيون بالحفر والتفجير عبر التلال الصخرية.
ولكن الجهد أثمر، فأثناء العبور فوق نهر مبانغا، يتقوس القطار "تازارا" بشكل جميل عبر جسر يرتكز على أعمدة خرسانية بارتفاع 50 مترا (160 قدما)، مفسحا المجال لمعاينة أكثر صور الرحلة شهرة.
بحلول فترة ما بعد الظهر، وصل القطار إلى مرتفعات تنزانيا الجنوبية، وتوقف في بلدة ماكامباكو، وهي محطة مواصلات توفر القليل إلى جانب خدمات شحن البضائع، وفيها نزل رخيصة. على ارتفاع 1550 مترا (5100 قدما)، كان الهواء يحمل نسمة منعشة، لا تشبه الحرارة الخانقة في دار السلام.
هنا، استخدم الباعة وتجار التجزئة تكتيكات مختلفة، فاستقبلوا الركاب الذين نزلوا من عربات القطار بأكوام من المعاطف والسُترات والملابس الشتوية المستعملة لبيعها لأولئك الذين وصلوا غير مستعدين لما يُعتبر مناخا باردا قريبا جدا من خط الاستواء. كانت الملابس المعاد تدويرها دليلا آخر على التأثير الغربي -ليس في استثمارات جديدة نحو الصناعة المحلية، ولكن في التخلص من السلع القديمة- التي صنعت غالبا في الصين أو جنوب شرق آسيا بأجور منخفضة، واشتُريت جديدة في الولايات المتحدة أو أوروبا، وأخيرا تم التخلص منها وشحنها إلى أفريقيا.
باعت بائعات أكوابا ساخنة من العصيدة الحلوة (وجي)، وهي تعتمد على الدخن، في حين قام الرجال بشواء الأحشاء على الفحم. طهاة آخرين كانوا يقلبون مقاليهم لتحضير "تشيبسي ماياي" وهي عجة بالبيض والبطاطس شهيرة في تنزانيا.
وفي حين كان القطار يغادر البلدة، كان المنظر الممتد إلى الأسفل عبر اتساع هضبة ماكامباكو، عبارة عن غابة خضراء متدحرجة وسحب رعدية داكنة معلقة في الأعالي، مع جبال بعيدة تظهر كالظلال في الأفق البعيد.
في ذلك المساء، استغرق الركاب في النوم أو قرأوا الكتب تحت ضوء ضعيف في مقصوراتهم. كان حماس الليلة الأولى قد خف، وكانت عربة الطعام هادئة. وعندما وصل القطار "تازارا" أخيرا إلى مبيّا، بجنوب غرب تنزانيا، كان متأخرا عن موعده حوالي 6 ساعات.
تدفقت حشود الركاب الهابطين نحو المخارج، كانت في انتظارهم سيارات أجرة، أقلتهم إلى الفنادق، وبيوت الضيافة والمنازل في البلدة المظلمة. كثيرون لم يواصلوا الرحلة حتى الحدود، لأنهم استخدموا القطار كوسيلة للنقل داخل تنزانيا، بالمقابل كانت جمهرة جديدة من الركاب الزامبيين ينتظرون القطار المتأخر كعادته عند المحطة في ناكوندي، البلدة الحدودية في شمال زامبيا.
جالسة في محطة ناكوندي، كانت أغنيس تنتظر في ضوء النهار المتلاشي الإذن بالصعود إلى القطار، في حين كان الأطفال يركضون ويلعبون في قاعة المغادرة المتداعية. مع وجود طفل على ظهرها وآخر صغير في حجرها، كانت الأم الزامبية الشابة معتادة على حالات التأخير، حيث تترك الأطفال يلهون ريثما يقوم الحمّالون بتحميل البضائع على القطار مع حلول الغروب.
قالت أغنيس "أستخدم القطار كثيرا لزيارة والديّ (في كابيري مبوشي)". لكونها أُمّا وتدرس في مدرسة التمريض، تحتاج إلى التوفيق بين مسؤولية رعاية أطفالها والدراسة، مما يدفعها للقيام برحلة إلى المنزل للحصول على المساعدة من الجدين.
كان سبب اختيارها القطار هو نفس ما يتبناه العديد من ركابه، الأسعار الرخيصة والسلامة. كما هو الحال في تنزانيا، تُعتبر الحافلات في زامبيا خطِرة بسبب الحوادث المتكررة وسوء الصيانة والاكتظاظ والقيادة المتهورة.
على الرغم من وجود لوحات في كل عربة تذكر الركاب بالجهد التعاوني بين الصين وزامبيا، كانت أغنيس على دراية بتاريخ السكة الحديد. بالنسبة لها، كانت العلاقات الصينية الأفريقية متجذرة في اختلال التوازن الحالي الذي تراه بين الزامبيين والمهاجرين الصينيين إلى بلادها، حيث يعمل الصينيون غالبا مشرفين وأصحاب مصانع، وبحسب السكان المحليين، يُظهرون اهتماما ضئيلا بالبلد المضيف بخلاف العمل والربح.
بعد أن غادر القطار أخيرا محطة ناكوندي، تلاشت حماسة الركاب للتحرك عندما توقف تازارا فجأة لأقل من ساعة خارج المدينة. توجه عدد من الركاب إلى مؤخرة القطار على أمل الحصول على معلومات حول دواعي التوقف. من جهتها أوقفت الشرطة المحلية الموجودة على متن القطار الحشد قائلة إن العجلات في العربة الأخيرة قد انزلقت عن السكة.
قام الحمّالون بسحب أكياس البضائع عبر الممرات والعشب العالي بجانب القطار، وأعادوا توزيع البضائع في العربات الأخرى لتخفيف الحمولة أثناء إجراءات الإصلاح.
وبدون تقدير للوقت المطلوب للإصلاح ومع تعذر مشاهدة العمل لإنجازه، عاد معظم الركاب إلى مقصوراتهم أو مقاعدهم. جلست أغنيس مع أطفالها على سرير سفلي في عربة نوم من الدرجة الثانية، تتحدث مع النساء الأخريات في مقصورتها. لقد وفرن المال بإحضار وجبات خفيفة على متن القطار واستلقين على الأسرة المزدحمة، وتبادلن القصص أثناء الانتظار.
في وقت ما أثناء الليل، بدأ القطار يتحرك مرة أخرى، واستيقظت أغنيس وزملاؤها الركاب في الصباح على التأرجح المريح للعربات، ومرور الريف الزامبي سريعا تحت شمس الصباح الباكر.
في عربة الطعام المضيئة، كان الطاقم قد وضع باقات صغيرة من البلاستيك على كل طاولة، وجلس عدد قليل من الركاب لتناول البيض والخبز المحمص، مع تقديم الشاي الخفيف المدعّم بملاعق من السكر والحليب المجفف. فضل العديد من الركاب تجنب تكاليف الوجبات الإضافية على الرغم من قلة السعر واكتفوا بوجبات خفيفة أرخص.
أثناء التوجه إلى مقاطعة ماشينغا في زامبيا، توقف القطار في محطات صغيرة تحتوي فقط على بعض المباني الصغيرة المتداعية، مشهد بعيد عن الأيام المزدهرة في السبعينيات، عندما بنى المهندسون الصينيون وفرق البناء المحلية السكة التي تربط بين البلدين.
كلما تقدم القطار أكثر في زامبيا، اقترب أكثر من الاحتمال الأساسي للاستثمار الصيني الأخير. في حين تركز التصريحات الرسمية من تازارا وCCECC على إعادة التأهيل والخدمة الفعالة بشكل عام، فإن الغرض الأساسي للسكة -ربط منطقة النحاس في زامبيا بميناء دار السلام- يجعل صادرات النحاس الدافع الواضح. مصير الركاب مثل جوناثان وأغنيس، وتحسين جداول الخدمة للركاب، على الأرجح أهدافا ثانوية لأولئك المشاركين في مشروع التجديد هذا.
مع كل توقف، كانت عربات القطار تفرغ تدريجيا، وحتى الطاقم بدا وكأنه يشعر بالملل، ينظر إلى الكبائن على أمل بدء محادثات. في عربة الطعام في وقت متأخر من بعد الظهر، جلس ديفيد تمبو، وهو حمّال في أواخر العشرينيات من عمره، كان يعمل في السكك الحديدية لمدة 3 سنوات، يقوم برحلة من كابيري مبوشي إلى الحدود الزامبية والعودة مرتين كل أسبوع. قال تمبو إن الوظيفة كانت جيدة، وساهمت في دفع تكاليف منزل صغير لعائلته ورسوم مدارس أطفاله. ولكن بدأت تظهر المشاكل، وكشف أن الرواتب غالبا ما تتأخر.
"منذ 4 أشهر لم نتسلم الرواتب في وقتها المحدد"، قال تمبو وهو ينظر عبر النافذة إلى التلال التي تَتَابع "لكن ما هي الوظيفة الأخرى التي سأحصل عليها؟"
رغم الرواتب غير الموثوق بها، فقد قال إن هذا العمل أفضل من العمل اليدوي، وإنه لا يخطط لتركه، بالإضافة إلى أن المناظر جميلة، كما قال. وكان ديفيد متفائلا بشأن تغيير قيادة السكك الحديدية إلى القيادة الصينية، وأعرب عن أمله في أن يؤدي ذلك على الأقل إلى الحصول على الأجر بانتظام. ومن منظور الفخر الوطني، لم يكن يهمه ما إذا كانت الحكومة الأفريقية أو الأجنبية تدير السكك الحديدية.
قال "عندما تكون عاملا، لا يهم من هو الرئيس".
حتى لو كانت الولايات المتحدة تخسر سباق البنية التحتية في المنطقة، فإن بصمتها الثقافية ما تزال كبيرة، قال تمبو إنه يأمل في زيارة لاس فيغاس، المدينة الأميركية الخيالية التي شاهد عنها العديد من الفيديوهات على تيك توك، التطبيق الذي أنشأته شركة صينية.
في تلك الليلة، مر القطار عبر سيرينجي، وهي بلدة صغيرة على بعد حوالي 200 كيلومتر (124 ميلا) من نهاية الخط، في قلب منطقة النحاس الزامبية. تصطف مصانع الصهر الصينية على أطراف البلدة، حيث تحوّل الخام إلى نحاس مكرر ليلا ونهار -أو بقدر ما تستطيع- بسبب الشبكة الكهربائية غير المستقرة في زامبيا.
واصل القطار التقدم في الظلام، حيث وصل أخيرا إلى محطة كابيري مبوشي. مشاهد عربات الركاب المطلية بالأحمر والأزرق، كانت في تناقض صريح مع عربات الشحن ذات الألوان البنية الباهتة التي جعلت قطار "موكوبا إكسبريس" القريب يبدو أصغر حجما.
هذه هي العربات التي تنقل الموارد الحيوية التي تجعل النظام بأكمله يستحق الاستثمار: النحاس الذي يحافظ على استمرارية تشغيل القطارات. بالنسبة لركاب أوائل العام 2025، كان استخدامهم السكك الحديدية نهاية رحلة شاقة، ولكن بالنسبة لمستقبل تازارا، فليس هذا هو نهاية الطريق.
في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، اجتمع ممثلو الصين وتنزانيا وزامبيا في لوساكا لتدشين المشروع المتفق عليه، ووعدوا بمستقبل مزدهر لجميع الأطراف المعنية. بدأت إجراءات التحديث في كابيري مبوشي، مع إعلان حسابات تازارا على وسائل التواصل الاجتماعي ما أسمي مشروع "أقدام على الأرض" مشفوعا بصور لطاقم زامبي وهو يثبت قسما جديدا من السكة الحديدية في مكانه.
رغم أن الاستثمار من الصين يعني التخلي عن السيطرة على تازارا لمدة 3 عقود، فإن الرئيس الزامبي هاكايندي هيشيليما سلط الضوء على الإمكانية الإيجابية للممر الاقتصادي الجديد، وركز على الناس الذين عاشوا على طول السكك الحديدية التي تمتد لحوالي 2000 كيلومتر لأجيال.
قال "هذه هي ممتلكاتكم، فاعتنوا بها، من كابيري مبوشي في زامبيا وصولا إلى دار السلام في تنزانيا".
هذه القصة تنشر بدعم من قبل مركز بوليتزر
بقلم: بول سترمبل
الصور: كانغ-تشون تشينج
![A girl runs on the platform at Mlimba station in central Tanzania [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/1aja-eng-1766919990.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![A girl runs on the platform at Mlimba station in central Tanzania [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/1aja-eng-1766919990.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![A couple waits for the TAZARA to pull out of the main station in Dar es Salaam [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/2aja-eng-1766919993.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![A couple waits for the TAZARA to pull out of the main station in Dar es Salaam [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/2aja-eng-1766919993.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![Passengers alighting at Mlimba in central Tanzania [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/3aja-eng-1766919997.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![Passengers alighting at Mlimba in central Tanzania [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/3aja-eng-1766919997.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![A view of Dar es Salaam's suburbs as the TAZARA pulls out of the main station [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/4aja-eng-1766920001.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![A view of Dar es Salaam's suburbs as the TAZARA pulls out of the main station [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/4aja-eng-1766920001.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![A stopover in Mlimba, a small town in central Tanzania's plains [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/5aja-eng-1766920005.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![A stopover in Mlimba, a small town in central Tanzania's plains [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/5aja-eng-1766920005.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![A passerby and views of rice paddies in the southern Tanzanian highlands [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/6aja-eng-1766920009.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![A passerby and views of rice paddies in the southern Tanzanian highlands [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/6aja-eng-1766920009.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![Nakonde station in Zambia at dusk [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/7aja-eng-1766920012.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![Nakonde station in Zambia at dusk [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/7aja-eng-1766920012.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![A Zambian police officer on board the TAZARA [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/8aja-eng-1766920016.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![A Zambian police officer on board the TAZARA [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/8aja-eng-1766920016.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)
![Vendors selling drinks and snacks at the Nakonde station in Zambia, bordering Tanzania [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/9aja-eng-1766920019-e1766923259326.jpg?resize=1766%2C1080&quality=80)
![Vendors selling drinks and snacks at the Nakonde station in Zambia, bordering Tanzania [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/9aja-eng-1766920019-e1766923259326.jpg?resize=820%2C1168&quality=80)
![The TAZARA snaking through the southern Tanzania highlands [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/10aja-eng-1766920022.jpg?resize=1920%2C1080&quality=80)
![The TAZARA snaking through the southern Tanzania highlands [Kang-Chun Cheng/Al Jazeera]](/wp-content/uploads/2025/12/10aja-eng-1766920022.jpg?resize=820%2C1280&quality=80)