حصر السلاح في العراق.. مطلب شعبي أم استجابة لضغوط الخارج؟

مجلس النواب العراقي المصدر: مجلس النواب العراقي عبر الفيسبوك
مجلس النواب العراقي (مواقع التواصل)

لم يعد الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة في العراق مجرد شعار انتخابي يرفع في مواسم الاستحقاقات، بل أصبح واحدا من أكثر الملفات ارتباطا بمستقبل الدولة نفسها. فالدول لا تقاس بعدد الدبابات التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على احتكار استخدام القوة وفق القانون. وكلما تعددت الجهات التي تحمل السلاح خارج المؤسسة الرسمية، تراجعت هيبة الدولة وازدادت مساحة الفوضى، حتى وإن كانت تلك الجهات ترفع شعارات وطنية أو دينية أو عقائدية.

المفارقة أن مطلب حصر السلاح ليس وليد الضغوط الدولية التي يتحدث عنها البعض اليوم، بل هو مطلب وطني قديم ورد بصورة واضحة في الدستور العراقي، الذي حظر تكوين المليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة، كما عززه قانون الأسلحة لعام 2017، الذي نظم حيازة السلاح وحمله، واضعا الدولة بوصفها الجهة الوحيدة المخولة بتنظيم هذا الملف.

ومنذ عام 2015 أخذ هذا المطلب يتسع في الخطاب السياسي والإعلامي والشعبي، ولم يكن السبب مجرد وجود السلاح، بل النتائج التي ترتبت على انتشاره، من نزاعات عشائرية دامية، وجرائم منظمة، وعمليات ابتزاز، وصعوبة تنفيذ القانون في بعض المناطق، فضلا عن تأثير ذلك في البيئة الاستثمارية وثقة المواطن بمؤسسات الدولة. لقد أصبح المواطن يتساءل: من يمتلك القرار الأمني الحقيقي؟

ينبغي الاعتراف بأن العراق مر بظروف استثنائية، كان أبرزها اجتياح تنظيم الدولة مساحات واسعة من البلاد عام 2014، وهو ما فرض واقعا أمنيا مختلفا، وأسهم في بروز تشكيلات مسلحة لعبت أدوارا مهمة في مواجهة ذلك الخطر

في العلوم السياسية، يعد احتكار الدولة لاستخدام القوة أحد أهم تعريفات الدولة الحديثة، وهو المفهوم الذي صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قبل أكثر من قرن، عندما رأى أن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك حق استخدام القوة بصورة مشروعة. وعندما يتعدد حاملو السلاح، تتعدد مراكز القرار وتضعف سلطة المؤسسات، حتى لو لم تقع مواجهة مباشرة بينها.

إعلان

التجارب الدولية تثبت أن نزع السلاح لا يتحقق بالكلام، ولا بالعمليات العسكرية وحدها. ففي كولومبيا- مثلا- استغرقت عملية دمج المسلحين سنوات طويلة من المفاوضات والضمانات والإصلاحات الاقتصادية، وهذا يعني أن نجاح أي مشروع لحصر السلاح في العراق يتطلب رؤية شاملة لا تختزل القضية في الجانب الأمني فقط. فالمشكلة ليست في قطعة السلاح في حد ذاتها، وإنما في البيئة التي تجعل السلاح مصدر نفوذ، أو وسيلة لتحقيق المصالح، أو حتى بديلا عن مؤسسات الدولة.

كما أن اختزال الملف في طرف واحد أو مكون واحد يمثل خطأ سياسيا وإعلاميا. فالعراق شهد خلال العقود الماضية أشكالا متعددة من السلاح خارج إطار الدولة، شملت جماعات مسلحة، ونزاعات عشائرية، وعصابات الجريمة المنظمة، وشبكات تهريب المخدرات، وغيرها. لذلك فإن نجاح المشروع يقتضي تطبيق معيار واحد على الجميع؛ لأن القانون يفقد هيبته عندما يطبق بصورة انتقائية على طرف دون آخر.

وفي المقابل، ينبغي الاعتراف بأن العراق مر بظروف استثنائية، كان أبرزها اجتياح تنظيم الدولة مساحات واسعة من البلاد عام 2014، وهو ما فرض واقعا أمنيا مختلفا، وأسهم في بروز تشكيلات مسلحة لعبت أدوارا مهمة في مواجهة ذلك الخطر. بيد أن انتهاء المرحلة الاستثنائية يفرض الانتقال إلى مرحلة مختلفة، يكون عنوانها بناء المؤسسات الدائمة؛ لأن ما يصلح زمن الحرب لا يصلح بالضرورة زمن السلم.

كثير من الدول التي خرجت من الحروب واجهت السؤال ذاته: كيف يمكن الحفاظ على تضحيات المقاتلين، وفي الوقت نفسه بناء مؤسسة عسكرية موحدة؟ وكانت الإجابة في معظم التجارب تقوم على الدمج المؤسسي، والتسويات القانونية، وإعادة تنظيم الأدوار، وليس على الإلغاء أو الإقصاء.

كما أن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد الأمني. فالمستثمر، سواء كان عراقيا أم أجنبيا، يبحث أولا عن بيئة مستقرة، وعن قضاء قادر على حماية العقود، وعن دولة تمتلك القرار الأمني. لذلك فإن ملف حصر السلاح يرتبط بصورة مباشرة بفرص الاستثمار، وخلق الوظائف، وتحريك الاقتصاد، وليس فقط بالقضايا العسكرية.

حصر السلاح بيد الدولة ليس انتصارا لفريق على آخر، بل هو انتصار لفكرة الدولة نفسها. فحين تكون المؤسسات هي صاحبة القرار، يصبح الأمن حقا عاما، لا امتيازا تمنحه قوة السلاح

ومن زاوية أخرى، فإن المواطن العادي هو أكثر المتضررين من استمرار السلاح خارج الأطر القانونية، فهو الذي يدفع ثمن الرصاص العشوائي، والنزاعات العشائرية، وعمليات الابتزاز، وتعطيل تنفيذ أوامر القضاء. ولهذا تحول حصر السلاح- بالنسبة لكثير من العراقيين- إلى مطلب يرتبط بالأمن اليومي أكثر من ارتباطه بالنقاشات السياسية الكبرى.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تجدد الحديث الحكومي عن آليات حصر السلاح بيد الدولة، مع تشكيل لجان مختصة، وطرح تصورات تنفيذية، في محاولة للانتقال من مرحلة الكلام إلى مرحلة الإجراءات العملية. غير أن نجاح هذه الخطوات سيظل مرهونا بوجود توافق سياسي واسع، وإرادة حقيقية لتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

ويبقى أهم ما تعلمه العالم من تجارب ما بعد النزاعات هو أن بناء الدولة لا يبدأ بإزالة السلاح فقط، بل ببناء الثقة. فحين يثق المواطن بالقضاء، ويحتمي بالمؤسسات، ويشعر أن القانون يطبق على الجميع، يصبح السلاح خارج الدولة عبئا لا مكسبا.

إعلان

إن حصر السلاح بيد الدولة ليس انتصارا لفريق على آخر، بل هو انتصار لفكرة الدولة نفسها. فحين تكون المؤسسات هي صاحبة القرار، يصبح الأمن حقا عاما، لا امتيازا تمنحه قوة السلاح. وحتى يتم تحقيق هذا المطلب، سيبقى هاجس العراقيين: كيف نبني دولة لا يشعر فيها أي طرف بأنه يحتاج إلى السلاح خارج إطارها؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان