قبل أيام قرأت خبرا محزنا يخص دولة ما، حزنت. أغلقت الهاتف لدقائق، ثم فتحت التلفاز لأنني تذكرت أن هناك مباراة أريد متابعتها. هذه اللحظة أزعجتني، وجعلتني أدرك أن هناك خللا ما يجب إصلاحه.
هنا بدأت أسأل نفسي: لماذا أصبحنا لا نتأثر عندما نقرأ الأخبار؟
لماذا قد نرى قصفا يخلف شهداء، فنحزن، وفي أفضل الأحوال نكتب منشورا أو نشارك فيديو على «الستوري»، ثم تعود الحياة إلى مجراها؟
القضية لم تكن أبدا سياسية، بل أخلاقية. يجب أن نسأل أنفسنا عدة أسئلة: ما مسؤوليتنا تجاه الألم الذي نراه؟ هل يكفي أن نشعر بالحزن لدقائق، ثم نكتب منشورا، ثم نعود كما كنا؟
أنا لا أطالب أحدا بأن يقتل نفسه غضبا، ولا أن يتحول إلى ناشط سياسي. لكن عندما يتحول الألم الإنساني تجاه إخواننا المسلمين إلى محتوى يمر مرور الكرام، هنا تقع مشكلة كبيرة، وهي أن نعتاد على ما نراه أمامنا من مآس.
الناس تتحرك عندما ترى أن الضغط الإعلامي ساهم بالفعل في تغيير المسار في قضية معينة. هذه أمور تبين أن الجهد الذي نقوم به يثمر
هناك عدة أشياء تسببت في هذا الشعور لدينا..
- التعب
نحن نعيش في زمن تتدفق فيه الأخبار علينا كل دقيقة. كل يوم نرى أزمة في دولة معينة، فيبدأ العقل بالتبلد لكي تستمر الحياة.
ثم إن الناس مثقلة؛ بعضنا عليه قروض، والتزامات، وخوف على الوظيفة، فيبدأ الشخص بمحاولة عزل نفسه عما يحدث في الدول الأخرى، ويحاول الحصول على النجاة الفردية.
- عدم الثقة بالفعل
هناك العديد من الناس يسألون أنفسهم: ماذا سيحدث لو تحركنا؟ هل العوام من الناس لديهم القدرة الحقيقية على التأثير في القرارات السياسية؟
تكثر الأسئلة الصعبة والسلبية، فيتراجع الإيمان بالنصر، ويختفي الحماس مع الوقت.
- وهم المشاركة
منصات التواصل الاجتماعي منحتنا الشعور بالإنجاز أثناء الأزمات.
"لايك" على فيديو لشخص من غزة لا مأوى لديه، ونعلق بـ«حسبي الله ونعم الوكيل» على منشور يتكلم عن عدد الشهداء في الشهر الأخير، فيأتينا شعور بأننا قمنا بالواجب و«كثر الله خيرنا».
المساهمة في زيادة وعيك الشخصي عن طريق القراءة تعتبر من الأفعال التي تدفعك للاستمرار في طريق الحق
إذن، السؤال المنطقي: ما الحل؟
الناس تتحرك عندما ترى أثرا ملموسا. على سبيل المثال، عندما ترى أن المقاطعة غيرت سلوك شركة تدعم الاحتلال، أو أن الشركة أعلنت إفلاسها، وهذا الشيء رأيناه بالفعل.
الناس تتحرك عندما ترى أثر التبرع الذي تقوم به يصل فعلا إلى مستحقيه.
الناس تتحرك عندما ترى أن الضغط الإعلامي ساهم بالفعل في تغيير المسار في قضية معينة. هذه أمور تبين أن الجهد الذي نقوم به يثمر.
- ثم يجب علينا أن نحول التعاطف إلى التزام. كيف؟
التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي ليس دعما كاملا، ولو كان مؤثرا.
يجب أن تتخطى أفعالنا شاشات التلفاز والهواتف.
نحتاج إلى أفعال صغيرة مستمرة؛ تبرع شهري ولو كان بسيطا، ودعم بسيط لمؤسسة تتبنى القضايا الإنسانية بأي طريقة كانت، سياسية أو بحثية أو خيرية.
حتى المساهمة في زيادة وعيك الشخصي عن طريق القراءة تعتبر من الأفعال التي تدفعك للاستمرار في طريق الحق. قال تعالى: {قل هل يستوِي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}.
ربما لا نملك تغيير موازين القوى في العالم، لكننا نملك أن نرفض أن تتحول المأساة إلى مشهد طبيعي
ثم الأمر الأهم: العودة إلى الله
ليست جملة وعظية، بل فعلا هذا الموضوع هو الأهم في كل ما سبق. نحن أمة أعزنا الله بالإسلام، وقبله كنا في ذيل الأمم، لا رأي لنا ولا قوة. ولكن ماذا حدث عندما أكرمنا الله، وبعث لنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ انطلقنا إلى العالم.
الإيمان الصادق يعيد ترتيب أولويات الإنسان، ويذكرنا بأننا لسنا متفرجين على الأخبار فقط، بل كل منا مسؤول أمام الله عن موقفه تجاه ما يحدث في العالم، وعن صمته، وعن اختياراته.
أخيرا، ربما لا نملك تغيير موازين القوى في العالم، لكننا نملك أن نرفض أن تتحول المأساة إلى مشهد طبيعي. وتذكر: «إِن الله لا يغير ما بِقَوم حتى يغيروا ما بِأنفسهم».
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

