الاغتراب النفسي.. الوجه الخفي للاحتراق الداخلي في العصر الرقمي

“صناعة الاكتئاب”.. خرافة القرن العشرين التي تخدم الرأسمالية وصناعة الدواء
الكاتب: عندما يغترب الإنسان عن ذاته فإنه يبذل طاقة هائلة ليكون «شخصا آخر» (وكالات)
  • ضريبة الوعي.. حين يصبح الاغتراب جسرا نحو الاحتراق النفسي

نعيش اليوم في عصر «الضجيج المطلق»، حيث يطالب الإنسان بأن يكون في حالة تدفق مستمر، منتجا ومشرقا ومتصلا بالجميع عبر نوافذ رقمية لا تنام.

لكن خلف هذا الستار البراق من الحيوية الزائفة، ثمة حقيقة صامتة تتسلل إلى أعماق الإنسان العربي المعاصر؛ حقيقة أن «النهر» الذي كان يتدفق بالشغف والغاية قد توقف فجأة عن الجريان.

هذا السكون ليس كسلا، وليس عارضا صحيا عابرا، بل هو النتيجة الحتمية لرحلة تبدأ بالاغتراب، وتنتهي بالاحتراق النفسي الكامل.

الاحتراق الداخلي الذي نراه يتفشى اليوم ليس مجرد تعب من العمل، بل هو احتراق ناتج عن محاولة الفرد ردم الفجوة بين هويته الحقيقية وبين الصورة التي يتوقعها منه المجتمع

غربة الروح وسط الزحام

يبدأ التآكل النفسي من نقطة «الاغتراب». والاغتراب هنا ليس بمعناه المكاني، بل هو تلك الفجوة السحيقة التي تنشأ بين حقيقة الإنسان الداخلية وبين «المرايا الاجتماعية» التي تفرض عليه.

نحن نعيش في مجتمعات أصبحت تقاس فيها قيمة الفرد بمقدار ما يظهره، لا بمقدار ما يشعر به. حين يجد الإنسان أن طموحاته العميقة، وقلقه الوجودي، وتساؤلاته حول الجدوى لا تجد صدى في محيطه، يبدأ بالانسحاب التدريجي إلى الداخل.

هذا الاغتراب هو «ضريبة الوعي»؛ فكلما زاد إدراك الفرد لزيف القوالب الاجتماعية الجاهزة، شعر بوحشة أكبر وهو في عقر داره. إنه يرى الجميع يركضون نحو أهداف لا تشبهه، ويتبنون لغة لا تعبر عنه، فيجد نفسه مضطرا لارتداء أقنعة التكيف ليتمكن من العيش، وهنا تبدأ المأساة.

الاحتراق.. ثمن التمثيل الطويل

إن أخطر أنواع الاستنزاف ليس ذلك الناتج عن بذل الجهد البدني، بل هو الناتج عن «التمثيل النفسي». الاحتراق الداخلي الذي نراه يتفشى اليوم ليس مجرد تعب من العمل، بل هو احتراق ناتج عن محاولة الفرد ردم الفجوة بين هويته الحقيقية وبين الصورة التي يتوقعها منه المجتمع.

إعلان

عندما يغترب الإنسان عن ذاته، فإنه يبذل طاقة هائلة ليكون «شخصا آخر»، ليكون ذلك الموظف الطموح أو الفرد الاجتماعي الناجح وفق المعايير السائدة.

هذا التمثيل المستمر يستنزف الوقود النفسي للروح، حتى يصل المرء إلى لحظة الانطفاء. وهنا يبرز الخداع الأكبر فيما تروج له كتب التنمية البشرية التجارية؛ فهي تخبر المحترق بأن عليه «شحن طاقته» بالإيجابية الواهية أو التنفس بعمق، بينما الحقيقة أن الاحتراق هو صرخة دفاعية من النفس تقول: «لم يعد بإمكاني الاستمرار في تزييف وجودي».

نرى أناسا يتحركون، ويعملون، ويتحدثون، لكنهم من الداخل يعانون من توقف تدفق المعنى. والحل لا يكمن في «محركات» التنمية البشرية، بل يكمن في الشجاعة على مواجهة الاغتراب أولا

سكون النهر.. بلاغة التوقف

حين يبلغ الاحتراق مداه، يصل الإنسان إلى حالة من «الجمود النفسي». هي اللحظة التي يتوقف فيها النهر عن الجريان. في هذه الحالة، يفقد المرء شغفه بأكثر الأشياء التي كان يحبها، ويشعر بانفصال تام عن واقعه. هذا الجمود هو حالة سكون إجبارية تفرضها الروح لحماية ما تبقى من شظايا الهوية.

إن مجتمعاتنا العربية اليوم تعاني من «سكون جماعي» مخفي تحت قشرة من الاستهلاك والضجيج الرقمي. نحن نرى أناسا يتحركون، ويعملون، ويتحدثون، لكنهم من الداخل يعانون من توقف تدفق المعنى.

والحل لا يكمن في «محركات» التنمية البشرية التي تحاول دفع النهر للجريان وهو جاف، بل يكمن في الشجاعة على مواجهة الاغتراب أولا.

نحو مصالحة مع المجرى القديم

إن الخطوة الأولى لاستعادة تدفق النهر هي الاعتراف بالحق في «التوقف». يجب أن نكف عن لوم أنفسنا على هذا الجمود، وأن ندرك أنه رد فعل طبيعي على عالم اغتربنا عنه واغترب عنا.

إن الشفاء من الاحتراق النفسي لا يبدأ من «تطوير الذات»، بل من «العودة إلى الذات»؛ البحث في تلك المنطقة الأصلية التي سبقت الأقنعة والمرايا الاجتماعية.

في الختام، إن «توقف النهر» ليس نهاية الطريق، بل هو دعوة لإعادة فحص المجرى. قد يكون الاغتراب الذي نشعر به اليوم هو البوصلة التي تخبرنا بأننا نسير في الطريق الخطأ، وأن الوقت قد حان لنتوقف عن إحراق أرواحنا من أجل إضاءة حياة لا تشبهنا.

إن استعادة المجرى تبدأ من التصالح مع صمتنا، ومن فهم أن الوعي – رغم ضريبته الباهظة – هو الأمل الوحيد للنجاة من الانطفاء التام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان