اقتصاد العافية.. الفراغ والرفقة في الحضر والبادية

دشت آبدان في قندوز.. ربيع يعيد العائلات إلى حضن الطبيعة
الكاتب: المكان ليس مجرد ريف تتعزز معه السكينة والهدوء، بل هو معنى أعمق يتصل بذواتنا ورفقتنا (الجزيرة)

ينقضي الشتاء بقسوة طقسه التي يحبها الكثيرون ممن يهبون قلوبهم لمطره، لتأسر آخرين لحظات الشوق وهم ينظرون من خلف نوافذ بيوتهم الموصدة، علهم يبصرون صورة الحبيب وهو يعود.

وما هي إلا مواقيت للحظات تطلب العافية، مترقبة صدق الرفقة، خوفا من فقدان متعة الحياة، فالربيع، بقدر ما يأذن برحيل برودة الشتاء، فإنه يشير إلينا بشيء من القسوة، ونحن نجوب الذكريات ونقتفي سيرة الأحبة، في الحضر والبادية، شوقا ينهال علينا بالحسرة.

ولربما الربيع الذي تلألأت زهوره بالمحبة، وتجلت مراتب الطلب فيه بالبذل والتخلي، يعيد إلينا شغف الحياة بما جادت به الصحبة، وتستيقظ معه ذكريات من ارتحلوا إلى دار البقاء.

ولعل أيسر العبارات، وهي تجمع الحروف وتأسر المعاني في أسطر موجزة، لا تفي أولئك الذين نتذكرهم في لحظات العافية، أو نلوذ بهم حين يجتاحنا الفراغ. فليس كل ما نتمناه يتحقق، ولا كل ما ندركه قد طلبناه، وإنما هي مقادير تتنزل لا نملك معها إلا الرضا.

ونحن إذ نقبل على فصل من تاريخنا، لا يطوي معه قسوة الشتاء بقدر ما ننشغل بذواتنا الغائبة، وأحلامنا المنسية، ومستقبلنا المربك، متناسين في غمرة ذلك تلك اللحظات التي ترسم مصائرنا، فالبشر في ترحالهم وحلهم، وحضرهم وباديتهم، وبين مدنهم وعوائلهم، ليسوا سوى أسماء متناثرة، ومعان متشابكة، تتشابه فيها الابتسامات وتختلف فيها الغايات.

وهذه الأسطر تتساءل: ماذا يعني أن يتحول الفراغ إلى معنى، وعن العافية حين تغدو سلعة؟ فهل تقاس العافية بما نملكه من سكون، أم برفقة في الحضر والبادية؟

اتجهت الثقافة العولمية إلى اختزال العافية في مجرد استشفاء من معضلات تبدو في ظاهرها مرضية، بينما هي في جوهرها جزء من طبيعة الإنسان، وهو ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد العافية».

اقتصاد العافية

ثمة أمران مهمان يقلقان الإنسان في سعيه لبناء عالمه وحضارته: العافية والفراغ. وهذان لا يمثلان حالته الطبيعية بقدر ما يمنحان الإنسانية معنى وجوديا. إذ تتجلى عافية البشر في تصورات متنوعة؛ فيراها بعضنا في الكسب المستمر، والسعي نحو التملك، أو استعراض قوة الجسد التي يفتقدها المرضى.

إعلان

غير أن ما يجعل العافية مصدر اهتمام وموضوعا حساسا هو ارتباطها بما يرغب الإنسان في أن يكونه. فهي ليست فكرة منفصلة بذاتها، بقدر ما تحيل إلى توق أبدي نحو البقاء في عالم يفنى.

وبسبب هذا السعي الدائم، أنتجت الحضارة أدوات تغذي وهم الاستمرار، فتقارب بين الشيخوخة والشباب، وتفتح أملا في وهم الأبدية.

لذلك اتجهت الثقافة العولمية إلى اختزال العافية في مجرد استشفاء من معضلات تبدو في ظاهرها مرضية، بينما هي في جوهرها جزء من طبيعة الإنسان، وهو ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد العافية».

اختزلت الحضارة، بقيمها الاستهلاكية، العافية في فصل واحد بلا معنى، تخضعها لصناعات التجميل وهوس القضاء على الشيخوخة.

ومع انشغال البشر بحياتهم العملية، وهيمنة الوظائف على حساب أدوارهم الاجتماعية، وتراجع الحياة العائلية البسيطة، تحول الاهتمام نحو ثقافة تسليع العافية، لا نحو التمثل الإنساني العميق لها؛ إذ ليست مجرد صحة جسدية فحسب، بل هي حالة من الرضا تنساب بين أطوار الحياة الإنسانية، فتعيد صياغة حضور الإنسان في حضارته وهويته وثقافته.

إن للعافية فصولا متعاقبة ترافق الإنسان: فرحا تارة، وقسوة أخرى في الفقد والتهجير والقتل، الذي يجسده الصراع اللانهائي للبشر.

وكأن تلك الفصول ربيع يتجدد في الذات بأحلامها وإبداعها، حين تمنحها اللحظة الاستثنائية التعبير عن حريتها وكرامتها، وضعفها أيضا؛ إذ تقضي دورة الزمان أن نكون في تحول دائم، لا أن نعيش في صورة واحدة.

المكان ليس مجرد ريف تتعزز معه السكينة والهدوء، ولا مدينة بعماراتها الشاهقة ومطاعمها السريعة ووظائفها المرهقة، بل هو معنى أعمق يتصل بذواتنا ورفقتنا

الفراغ مؤسسا للمعنى

للوهلة الأولى، تبدو مسألة الفراغ متعلقة بالوحدة؛ إذ يخشى الإنسان أن يجتاحه الاغتراب، فيعيش منعزلا عن العالم المحيط. لكن الفراغ والوحدة قد يكونان، حقا، تحديا للبشر لصقل طبائعهم والحفاظ على مكتسباتهم الأخلاقية، المعززة لحضارة تعترف بكرامة الحياة وعدالتها.

ليس الانشغال، في زمن الثقافة الاستهلاكية، أن يقتات الإنسان على الصورة والبحث عن الإعجابات، ولا أن ينغمس في التراكمات المهنية التي تفرضها الوظائف لتعزيز سطوة الحضارة، ولا في الاهتمام برفقة نتسامر معها ونتبادل الحديث في مسائل السياسة والاقتصاد والحياة المبتذلة؛ بل في ذلك الانتقال الهادئ نحو أماكن تتجمل بذكرياتنا وثقافتنا وهويتنا.

هناك، يتحول الانشغال الحقيقي بالذات ليغدو موضوعا للبحث عن خلاص داخلي، لا إلى مأزق يحيل عالمنا نحو الخوف والهوس المرضي.

إن فصلا كاملا من حياة البشر يعد طورا من أطوار الارتقاء والتخلي نحو عافية النفس وخلاصها، في هذا الطور نعي أننا لسنا مرهونين بأن نعيش تفاصيل الآخرين.

قد يخشى الكثيرون الفراغ، فيلجؤون إلى البادية مع رفقتهم طمعا في النزهة وهربا من ضجيج الحضر، غير أن الفراغ، في جوهره الزمني لا المكاني، يمتحن الرفقة في حلها وترحالها

فعالمنا ليس بادية أمام تلك الصور المتسارعة التي يرسمها الآخر، حيث نظن أنه في عافية أوسع وأفضل منا. ويعود ذلك إلى تلك النظرة الشاملة للعافية، والبحث عمن يواسينا في أحزاننا ونؤانسه في أفراحنا من دون أن نتجاوب احتراما لخصوصيته. فالعافية لا تكمن في العناوين لكنها تمنح التفاصيل البسيطة معنى للاعتراف بحضورنا الدائم.

إعلان

يتبين لنا أن البشر يشتركون في طبائع ثابتة، كالهلع والخوف والعجلة والنسيان، غير أنهم يتفاوتون في حضر قيمهم وبادية أخلاقهم. فالمكان ليس مجرد ريف تتعزز معه السكينة والهدوء، ولا مدينة بعماراتها الشاهقة ومطاعمها السريعة ووظائفها المرهقة، بل هو معنى أعمق يتصل بذواتنا ورفقتنا؛ إذ يمكن إعادة تعريف الحضر بوصفه اهتماما مفرطا بعالم الأشياء والآخر، بدل أن نأنس بتفاصيل خصوصيتنا، مع رفقة تجعل من عالمنا محل نظر واهتمام.

يمكننا، إذن، أن نقول إن ما يجعل الفراغ صحيا هو إحالة الإنسان إلى زمنه؛ فليس المكان من يحدد تفاصيل الحياة والرفقة والمصائر فحسب، بل إن تعاقب الليل والنهار يجعل بعض الأشياء ترحل مع فقد الإنسان شغفه بها، بينما تتعلق أخرى في ذاكرة البشرية، لترسم أطلالا تتغذى منها الذاكرة والتاريخ والهوية والمستقبل، حيث تكون البادية هامشا، والحضر مركزا لصياغة المعايير التي نتصارع داخل معانيها المختزلة.

إن فصلا آخر من الحياة لا يكتمل معناه إلا حين نتخلى عن تفاصيله البسيطة؛ كأن ننسى اللحظة التي دخلنا فيها المدرسة، أو كيف نجا بعضنا من مأساة محققة.

لكن ماذا لو نظرنا إلى اللحظة من عمر ذواتنا، لا من تاريخ يجثو على كل شيء، فيحيل تفاصيل الأحبة إلى هامش، حيث لا تبقى الصورة ملونة ولا الذاكرة حية؟

قد يخشى الكثيرون الفراغ، فيلجؤون إلى البادية مع رفقتهم طمعا في النزهة وهربا من ضجيج الحضر، غير أن الفراغ، في جوهره الزمني لا المكاني، يمتحن الرفقة في حلها وترحالها، لنعيد نحن الذين في غيابات التاريخ وعلى هامش الحضارة صياغة العافية، حين لا تكون سكونا لحظيا في البادية، بل وعيا بكون الإنسان في لحظته الاستثنائية لا يفقد ذاته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان